تباين أراء القضاة المغاربة حول البصمة الوراثية ومدى قوتها كوسيلة لإثبات الأنساب

التوظيف بالتعاقد و أزمة المدرسة الخصوصية | إلى المحسنات والمحسنين.. فقير بعين عودة مريض وفي حاجة إلى من يسدد ثمن علمية جراحية بفرنسا | الاتحاد المغربي للشغل يتصدى لهجوم الحكومة على الحقوق و الحريات النقابية | خطير .. اسرائيل تمارس سياسة الضم الزاحف بتطبيق القوانين الاسرائيلية على المؤسسات الاكاديمية في المستوطنات | ماذا عن العنف الجامعي ؟ | في حوار مع خالد الصمدي المسؤول الحكومي عن التعليم العالي .. انتقادات البرلمانيين والصحافيين تحد من تدخل الوزارة في شؤون الجامعات ..الجامعة المغربية بخير والطالب في قلب الإصلاح والتصنيفات الدولية غير منصفة | الرياضيات ..بين مطرقة التعريب وسندان المناهج ونفور التلامذة ... قصور في الأداء وصعوبة في التقييم التربوي ... سيموح العماري: الحقيقة المرة لتعريب الرياضيات | حوادث السير وغرامات الراجلين | بالبيضاء: إيقاف منتحل صفة ممثل شركة اتصالات نصب على ثلاث مدراء مؤسسات تعليمية ومديرين لوكالتين بنكيتين | الفرقة الولائية لمحاربة الجرائم المعلوماتية : إيقاف شخص من أجل الابتزاز والتهديد بنشر صور خليعة على مواقع التواصل الاجتماعي |
 
اخر الانباء


حصريات
عملية نصب وتزوير تكشف عن هوية مسؤول أمني مزيف بالبرنوصي
(تكلم) أسي العامل : سكان العالم الأزرق بالمحمدية ينتفضون ضد التلوث الذي أصابهم بالأمراض والأوبئة
خطير... انقلاب تابوت النقل الحضري بين بوزنيقة وابن سليمان والحصيلة 26 جريح ضمنهم السائق في حالة خطيرة
خبراء قانونيون يساءلون دور المحامي والمجتمع المدني في خدمة العدالة
هل ستحقق (بديل بريس) حلم طلبة وطالبات وساكنة إقليم ابن سليمان ؟ .... رئيس بلدية المحمدية وعد بالعثور على مقرر منع دخول الحافلات وقرر إلغاءه
إلى متى هذا القصور الأمني بالمحمدية ؟؟ .. بعضهم مكافحون أم حماة للمنحرفين ومروجي المخدرات ..
عاجل .. البحث عن متغيب : شيخ أبكم خرج ولم يعد بجماعة الشلالات ضواحي المحمدية
مهزلة: سيدة من بئر النصر تحرم من الإسعاف وابنها يتعرض للإهانة: سيارة إسعاف تحول إلى سيارة نفعية لنقل (كرطونات السكر) وحضور الولائم
بحيرة سد وادي المالح تبتلع طفلا يوم ثاني عيد الفطر
تفكيك شبكة بآنفا سرقت 59 دراجة نارية من أمام الشركات والإدارات العمومية

 
تباين أراء القضاة المغاربة حول البصمة الوراثية ومدى قوتها كوسيلة لإثبات الأنساب
أضف المقال إلى :
yahoo Facebook yahoo Twitter Myspace delicious Live Google



بديل بريس

 

س: هل كان المشرع المغربي و في إطار تعديله لمدونة الأسرة موفقا في وضع الضوابط و المقاييس التي من شأنها أن تحمي الأنساب؟.

ج:  إن الإسلام أولى أهمية بالغة للنسب فجعله من مقاصد الشريعة الخمسة التي على الإنسان حفظها، وهو حق لله وللعبد، ومن شأن هذا أن يضفي عليه هالة من القدسية والاحترام، ويبعده عن ساحة الصراع والتلاعب والهوى. و للمحافظة على الأنساب وما يترتب عليها من آثار وما تثيره من نزاعات في ساحات المحاكم، كان من المطلوب أن يتم تناوله باقتدار بالغ. وبالنظر إلى التعديل الجديد لمدونة الأسرة يلاحظ أن مشرع مدونة الأسرة وفي إطار حديثه عن النسب و وسائل إثباته من المادة 158 إلى المادة 162 أصبح يعترف صراحة بالخبرة الطبية كوسيلة من بين وسائل إثبات ونفي النسب. إلى جانب الوسائل التقليدية الأخرى كالفراش والاستلحاق...

 س: حدثنا عن قاعدة الولد للفراش ؟

ج: تعد أحد الأصول المقررة في الشريعة الإسلامية، وهي مرجع ثبوت النسب الشرعي، وهذا ما أجمعت عليه الأمة. والعلة في قوتها أنها من القضاء النبوي الشريف و سياق الحديث كما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت"اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد:هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد زمعة، هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال هو لك يا عبد: الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة فلم تره سودة قط وحديث الولد للفراش وكما هذا  قال فيه  ابن عبد البر ورد عن بضع وعشرين نفسا من الصحابة، وهو حديث متفق عليه.

والمقصود بالفراش من حيث الاصطلاح هو الزوجية القائمة بين الرجل والمرأة أو كون المرأة معدة للولادة من رجل معين.ولا يكون ذلك عادة إلا بالزواج الصحيح أو ما ألحقه به الشرع، استثناء كالزواج الفاسد والاتصال عن طريق الشبهة. والفراش تعبير مهذب للجماع بين الزوجين؛ بحيث تعتبر المرأة كفراش للزوج.

     وللفراش شروط قد اتفق عليها الفقهاء وهي التي  أخد بها المشرع المغربي في المادة 154 وكذا المادة 136 من المدونة.

س: قلتم أن هذه الشروط التي أخد بها المشرع هي نفسها التي وضعها الفقهاء، فهل ينسجم ما وضعه الفقه في حقب قديمة بما عليه نحن في عصرنا الحاضر، وهل من تعارض بين تلك الأحكام وما توصل إليه العلم في الوقت الحالي ؟

ج:  نعم هذا صحيح ويتضح من خلال أهم الشروط التي وضعها الفقهاء ألا وهي شرط أقصى مدة الحمل ، وشرط إمكانية الاتصال.

ففيما يخص شرط أقصى مدة الحمل، وهذا الشرط لا يطرح إلا في حالة انفصام الزوجية وظهور الولد، وهكذا فإذا حصلت الفرقة بين الزوجين بسبب من الأسباب سواء كان طلاقا أو فسخا أو وفاة، فلا يثبت نسب الولد الذي تأتي به المرأة إلا إذا أتت به خلال سنة من تاريخ الفراق .

وبعيدا عن الاختلاف الذي درج عليه الفقهاء في تحديد أقصى مدة الحمل، نقول إن المشرع حسم هذه المدة في سنة،1(لمادة 154 من م أ) ،وهي سنة قمرية لأن القضاء بدوره قد سبق و أن اعتبر في أقل من الحمل أن التقويم في احتسابها هو التقويم القمري وليس الهجري.

والذي ينبغي معرفته أن مسألة أقصى مدة الحمل لم يرد فيها نص , سوى ما روي عن عائشة رضي الله عنها ، في قولها :" ما تزيد المرأة في الحمل  على سنتين قدر ما يتحول عمود المغزل" رواه الدار قطني . سنن الدار قطني .

و إن أراء الفقهاء جاءت متباينة ومختلفة، فمنهم من ذهب إلى أن أقصى الحمل سنتان، وهم الحنفية،(ابن الهمام ." شرح فتح القدير"). ويرى الشافعية أن غالب مدة الحمل تسعة أشهر، و أما أكثره فهو أربع سنين .(الشربيني). و بهذا الرأي قال الحنابلة،  وهو ظاهر المذهب (ابن قدامة. المغني)، والمشهور عند المالكية هو خمس سنين (الدسوقي".حاشية الدسوقي.والقرافي في"الفروق".) . وخلافا للمالكية ذهب محمد بن عبد الله بن الحكم إلى أن أقصى مدة الحمل سنة قمرية(ابن رشد"بداية المجتهد")، وهو مذهب الظاهرية أيضا (ابن حزم. "المحلى").

والحقيقة أن مجمل الآراء اعتمد فيها على روايات النساء فقد جعل الفقهاء العرف والعادة معتمدهم حيث لا نص، فهذه المرأة تدعي أنها حملت ثلاث سنين بابنها؛ والأخرى تدعي رواية أخرى؛ وغيرها مما رواه الفقهاء في مصنفاتهم، ومما شجع الفقهاء هذا التوجه، ما علموه من قصد الشريعة إلى الستر على الأعراض والتضييق ما أمكن على الاتهام بالزنا .

 و أما باقي الأقوال فإن الطب ينفي أكثرها حيث ثبت علميا أن أقصى مدة الحمل هي تسعة أشهر بتمامها يضاف لها أسبوعان للاحتياط(أي 280 يوما), وبعد هذه المدة لا يمكن للجنين أن يبقى حيا ، مما يدفع الأطباء إلى إجراء العمليات القيصرية لكل تأخر عن الشهور التسعة. وقد نقل ذ /الريسوني مثل هذا القول، عن أطروحة دكتوراه في الموضوع حيث أثبتت صاحبتها، أن متوسط مدة الحمل 266 يوما ،أي تسعة أشهر إلا أربعة أيام.  وكانت أقصى مدة الحمل فيها هي عشرة أشهر، مع العلم أن هذه الإحصاءات كلها تعتمد كون الشهر ثلاثين يوما، لكن إذا أخذنا الحساب بالأشهر القمرية فإن بضعة أيام ستزداد إلى الشهور المذكورة، ودقة هذه الدراسة تأتي بالإضافة إلى سعتها من كونها اتخذت  موعد بدء الحساب هو وقت الإباضة لدى المرأة الموافق أو المقارب لموعد الجماع المنتج، وهذا  هو الوقت الحقيقي للحمل .

وهكذا يتبين إن هذا الشرط لا يتناسب و ما توصل إليه العلم وبذلك فباعتمادنا عليه يمكن أن ننسب أشخاصا لغير أبائهم وهو توجه لا شك أن الشارع الحكيم يرفضه لعلمنا بتشوفه إلى إثبات النسب المبني على اليقين وليس النسب المبني على الظن.

أما بخصوص الشرط الثاني ألا وهو إمكانية الاتصال فأنا لي كلام مخالف لما ذهب إليه الفقهاء، وإن كنت لم أصل بعد إلى مستواهم ولكن أقول ما ينبغي عليه قوله، فهذا الشرط يوافق رأي الجمهور على عكس الأحناف الذين قرروا أن مجرد العقد يجعل المرأة فراشا لزوجها.

       واشتراط إمكانية الاتصال لا يعني ثبوت اتصال الزوج بزوجته أو دخوله بها، إنما يعني ألا يثبت أنه لم يكن من الممكن أن يتصل بزوجته أثناء أقل مدة الحمل، وفي هذا الصدد ذهب المجلس الأعلى إلى اعتبار أن إمكانية الاتصال تحققت بعدما تبت أن الزوج المقيم بالخارج كان يتردد على المغرب حيث تقيم الزوجية خلال قيام الزوجية. وعلى أساس هذا الشرط يثبت النسب حال قيام الزوجية لصاحب الفراش إذا ولد لستة أشهر أو أكثر من يوم العقد سواء أقر الزوج بالمولود أو سكت عنه.

لكن ألا يمكن أن يتم بالفعل اتصال بين الزوجين وتتحقق الخلوة الشرعية غير أن الزوج لم يتصل بزوجته ذلك الاتصال المادي المحقق للإنجاب ؟ بل الأبعد من ذلك ألا يمكن أن نتصور وقوع الاتصال إلا أن الزوج يكون عقيما مثلا فهل ننسب لعقيم ولدا؟

لذلك أقول أنه  لا ينبغي أن نفهم هذا الشرط بتحقق الخلوة فقط بين الزوجين بل لابد-وقبل كل شيء- أن يكون هذا الاتصال اتصالا ماديا  ، وأن يكون الزوج قادرا على الإنجاب حتى يتحقق لنا المعنى الحقيقي لإمكانية الاتصال. وبهذا نقول إن المقصود بإمكانية الاتصال هو ذلك الاتصال المادي المنتج حتى نتجنب إمكانية اختلاط الأنساب ونحقق مقصد الشارع من قاعدة الولد للفراش.

س: في هذا الإطار بالذات فإذا كانت قاعدة الفراش مبنية على أساس ظني وليس قطعي كما تبين من حديثكم ،أليس الأولى أن نتجنبها للعمل بوسيلة أكثر يقينية وأعني بذلك الخبرة الطبية أو الإثبات بالبصمة الوراثية ؟

ج: هذا سؤال صعب ولا يمكني الجواب عليه بشكل مباشر لعدت أسباب  أولها أن الخبرة الطبية تعتبر من بين المستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة ، وهي بذلك تحتاج إلى دراسة مستفيضة لنسبر أغوار هذا المستجد، وثانيها أن المواقف الفقهية تباينت حولها بين مؤيد ومعارض، إلى درجة أنها أحدثت صخبا فقهيا وإعلاميا منذ التنصيص عليها، وثالثها أن القضاء هو الآخر بدوره عرف تباينا في إعمالها ،ولم يستقر على رأي واحد بخصوصها، الأمر الذي أدى إلى إصدار قرارات و أحكام  متباينة فيما بينها.

س: بطريقة أخرى هل ترون أن   البصمة الوراثية  يمكن قبولها كوسيلة من وسائل الإثبات في دعاوى النسب؟

ج:  هنا اختلفت آراء  الفقهاء المعاصرين حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب. 

ويرى بعضهم أن البصمة الوراثية قرينة قطعية بنسبة100%، وذهب آخرون إلى أنها قرينة ظنية ،و أنا هنا أود أن أقرر أن نتائج فحص الحمض النووي ليست قرينة و إنما  هي بينة مباشرة، ذلك أن القرينة تعني اصطلاحا في القانون استنباط واقعة مجهولة من واقعة معلومة؛ أو هي استنتاج واقعة لا دليل  عليها؛ من واقعة قام عليها الدليل. فهل الحمض النووي واقعة مجهولة مستنبطة من واقعة معلومة؟. بالتأكيد لا، فالحمض النووي هو فحص فعلي لسوائل و أنسجة جسم الإنسان مباشرة، فهو دليل مباشر لا قرينة.

س: وما هي حجيتها في الإثبات أمام باقي الوسائل؟

 ج:    إن فكرة البصمة الوراثية مبنية على أساس أن العوامل(الصفات) الوراثية في الطفل/ الابن، لا بد من أن يكون أصلها مأخوذا من الأب و الأم . فالطفل يأخذ دوما نصف الصفات الوراثية من الأب (عن طريق الحيوان المنوي)، والنصف الآخر من الأم (عن طريق البويضة)، ولهذا لا بد من وجود أصل الصفات الوراثية الخاصة بالولد في كل من الأب و الأم، تبعا لقانون مندل للوراثة الذي ينص على أن :"أي صفة وراثية أو عامل وراثي في الأبناء لا بد و أن يكون موجودا في أحد الأبوين" .

   وبناء على ذلك، فإن البصمة الوراثية يمكنها أن تؤكد يقينا نفي الولد عن رجل معلوم، (الولد ليس من ماء الرجل)، وكذلك يمكن بها أن نؤكد يقينا أن هذا الولد من هذا الرجل المعلوم (الولد من ماء الرجل)، وبهذا ينتفي الخلاف تماما، ويتم ذلك عن طريق تحديد البصمة الوراثية للرجل والمولود والأم، و مقارنة البصمة الوراثية للطفل مع بصمة كل من الرجل والمرأة، فلو تمت مطابقة البصمة الوراثية لكل من الرجل والمرأة ووجد أن الصفات الوراثية الموجودة في الطفل نصفها من الأم والنصف الآخر من الرجل المدعى عليه، أو مدعي النسب،فهذا دليل لا يقبل الشك على أن هذا الطفل من ذلك الرجل، أما "إذا وجد أن الصفات الوراثية الموجودة في الطفل نصفها من الأم والنصف الآخر غير مطابق لما هو الرجل المدعي عليه أو مدعي النسب؛ فهذا دليل أكيد على أن هذا الطفل ليس من هذا الرجل.

و كان أول تطبيق لبصمة الحمض النووي أو البصمة الوراثية في قضايا إثبات النسب في عام 1984، عندما رفضت سلطات الجوازات البريطانية في مطار هثرو السماح بدخول طفل غاني، بحجة أنه ليس ابنا لسيدة غانية لديها إقامة بريطانية نظامية، حيث طلبت السلطات البريطانية من عالم الوراثة إليك جفري من جامعة ليستر ببريطانيا، فحص الحمض النووي ومن خلال بحثه، اكتشف جفري تتابعات الحمض النووي ،و أنها تختلف من شخص لآخر و أنها  لا تتطابق إلا في التوائم من حيوان منوي واحد وبويضة واحدة، ولهذا سميت بالبصمة الوراثية.

س: سبق وأن قلتم إن القضاء عرف بدوره تباينا في الأخذ بالخبرة الطبية فهل يمكنكم توضيح ذلك؟ ج:    نعم وذلك راجع للخلاف الفقهي الذي صاحب الخبرة الطبية منذ الإعلان عنها ، فلا شك أن هذا الخلاف كان له بالغ الأثر على القضاء العربي عموما و المغربي خصوصا ، ولا شك أن هذا الاختلاف في وجهات النظر الفقهية حول هذه الوسيلة الجديدة ، هو الذي دفع القضاء إلى إصدار مقررات تختلف باختلاف قناعات أصحابها ، مما دلت على أن القضاء تعامل معها بنظرة ذاتية وليست موضوعية .

  وهكذا تباينت مواقف القضاء -  المغربي منه أو العربي - في الأخذ بالخبرة الطبية في قضايا النسب ، وانقسم في ذلك بين مؤيد ومعارض

س: ما حجية الاتجاه القضائي الرافض للخبرة الطبية؟

 ج: لقد سار القضاء المغربي على استبعاد الخبرة الطبية في مجال إثبات ونفي النسب، وهذا ما تؤكده مجموعة من القرارات والأحكام الصادرة عن القضاء المغربي. وهذه النظرة المقصية لإعمال الطب في مجال النسب قديمة في القضاء المغربي، حيث سبق لمجلس الاستئناف الشرعي الأعلى أن قضى ، بخصوص احتجاج المدعى عليه في دعوى النسب بشهادة طبية لإثبات عقمه، و اعتبر أن الشهادة الطبية غير مفيدة، و أن نظر الطبيب إنما هو اجتهادي لاختلاف الأطباء أنفسهم في المرض الواحد. وهو نفس المسلك الذي سلكه المجلس الأعلى في العديد من قراراته.

 و من أغرب القرارات التي جاءت في هذا الصدد قرار صادر بتاريخ 09/02/1982، والذي جاء فيه :    " حيث إن قاعدة  الولد للفراش لا يجوز ضحدها إلا بالوسائل المقررة شرعا لنفي النسب.

وأنه إذا كان الشرع والقانون يعتدان برأي الخبراء من الأطباء في عدة مسائل،  فإنهما لم يعتدا برأيهم فيما يرجع لنفي النسب استنادا لعدم قابلية الزوج للإخصاب ما دام في وسع ذلك الزوج نفي النسب عن طريق اللعان".

 و هكذا يتبين أن القضاء لم يأخذ بالخبرة الطبية إلا في بعض المجالات الفنية، في حين يرفض تبنيها في مجال النسب، بل الأكثر من ذلك أنه يرفض الخبرة حتى ولو أكدت نتائجها عدم قدرة المعني بالأمر على الإنجاب، و لا أدل على ذلك عدم اعتبار حالة العقيم،  ولو ثبت عقمه عن طريق التحاليل الطبية.

 و إذا كان القضاء المغربي يرفض الخبرة الطبية، فإنه بالمقابل لا يبدي أي تشدد أو صرامة في أخذه بالوسائل الأخرى، حيث غلب عليه دائما ترجيح هذه الأخيرة على الخبرة الطبية، و إذا كانت أغلبية القرارات الصادرة عن المجلس الأعلى أثارت مسألة التعارض فيما بين   الخبرة الطبية واللعان، فإن هناك قرارا جد هام تعرض لمسألة التنازع بين الفراش والخبرة الطـبية.

و لأهمية هذا القرار و ما آثاره من ردود أفعال فقهية و إعلامية، فإنه دفع بجميع غرف المجلس الأعلى للاجتماع من أجل النظر فيه، لتصدر قرارا حاسما في الموضوع اعتبر مفاجأة لمجموعة من الدارسين والباحثين.

 و لقد جاء في حيثيات هذا القرار :" إن  ولدت الزوجة بعد الفراق يثبت نسب الولد إذا جاءت به خلال سنة من تاريخ الطلاق طبق الفصل 76 من م أ ش والمدعى عليه ملزم بالإنفاق على البنت، و أن استبعاد الحكم الأجنبي المحتج به الصادر عن محكمة أجنبية،القاضي بأن المدعى عليه ليس أب للطفلة المذكورة ، اعتمادا على دراسة الدم وتحليله لنفي، نسب البنت مخالف بذلك لمقتضيات الفصل 76 من م ح ش، والحال أن الزوج كان بإمكانه نفي النسب عن طريق اللعان"

و هكذا يتبين أن القضاء رسم له معنى خاص لمفهوم الوسائل الشرعية في إثبات ونفي النسب، وبطبيعة الحال قد استبعد من بينها الخبرة الطبية، وهكذا سجل رفضه لهذه الوسيلة في كل فرصة سنحت له بذلك. كما رفض كل شيء يمت للعمل بصلة في هذا المجال، وهكذا نجده رفض الشهادة الطبية التي تثبت العقم، وقضى بثبوت النسب بالرغم من وجود هذه الشهادة، ولم يعترف لها أبدا بالحجية في الإثبات بل اعتبرها وسيلة غير شرعية يلزم استبعادها من دائرة الإثبات في دعاوي النسب.

وبالرغم من أن القضاء أصبح يتجاوز مؤخرا مثل هذه القرارات إلا أني أرى أن قراراته السابقة  ستضل بمثابة  وصمة عار في جبينه وسيضل يقال بأن القضاء المغربي رفض إعمال الخبرة الطبية بالرغم من التنصيص عليها في مدونة الأسرة. ورجح عليها بعض الوسائل الأخرى.

س: حتى نبقى في هذه النقطة  ما هي الأسباب التي كانت تدفع القضاء إلى الأخذ بوسائل ظنية وترجيحها على وسائل يقينية ؟ ألا ترون أن القضاء كان يتشدد فقط مع قضايا نفي النسب  ويلين مع قضايا الإثبات لتشوفه إلا لحوق الأنساب؟ 

 ج:  صحيح ما قلته فمن خلال التمعن في القرارات خاصة تلك التي استبعدت الخبرة من التطبيق  يلاحظ أن القضاء كان حريصا على التمسك بالوسائل التقليدية في مجال إثبات ونفي النسب مرجحا إياها على كل الوسائل الحديثة في هذا المجال سواء تعلق الأمر بتحليل الفصيلة الدموية أو البصمة الوراثية.

و إلى جانب ذلك يسجل عليه أيضا تشدده في قضايا نفي النسب في مقابل الليونة التي يتعامل بها مع القضايا الرامية إلى إثبات النسب. و لا شك أن لهذا الموقف ما يبرره حيث إن القضاء يعمل تحت مظلة المبدأ القائل بتشوف الشارع إلى لحوق النسب.

وعلى ضوء هذا المذهب ظل القضاء يصدر أحكامه وقراراته مجندا لذلك مجموعة من القواعد والوسائل لخدمة المبدأ المذكور، ومنها قاعدة الولد للفراش كقاعدة تدعم إثبات النسب من جهة، وحصر وسائل النفي في اللعان من جهة أخرى.

وعلى ضوء هذين الخطين الذين رسمهما القضاء لنفسه ،ظل يصدر أحكامه وقراراته والتي وفق في بعضها؛ لكن لم يسعفه الحظ في الكثير منها.

س: ما مدى القوة الثبوتية لقاعدة الفراش مقابل الخبرة الطبية؟

ج: نظرا لمصدر قاعدة الفراش وهو"الحديث النبوي الشريف"، ونظرا لمقصدها وهو"حفظ الأنساب "، فقد اكتسبت قوة ثبوتية في مجال إثبات النسب حتى غدت قرينة قاطعة غير قابلة لإثبات العكس. بل إن البعض يذهب إلى حد اعتبارها قرينة شرعية ملزمة. ذلك أن الشريعة الإسلامية تفترض فيه أنه من صلبه ومن تم فهو ينتسب إليه. و لاشك أنها تعد قرينة تتفق تماما مع الواقع والمنطق. فهي إذن قرينة شرعية ومنطقية.

 و لما كانت بهذا الشكل فإن المشرع ألبسها رداء القرينة القانونية المنصوص عليها في الفصل 450 من ق. ل. ع أو بصريح المادة 153 من م. أ.

  لكن ليس دائما كل ما يولد على فراش الزوجية هو للزوج يقينا. فثمة حالات تتحقق فيها مدة الاتصال وإمكانية الاتصال مع وجود عقد صحيح، ولكن يكون فيها  الولد ليس أبنا للزوج ،إما بفعل الشبهة أو الخيانة الزوجية أو ما شاكل ذلك. لذلك فمسألة الفراش هي مسألة ظنية و لا تعني دائما وبصفة قطعية وقوع الاتصال، ولكن فقط مظنة الاتصال، وهذا ينسجم عموما مع مدلول القرائن. ومع قرينة الفراش بصفة خاصة ذلك أن الغاية من وضع القرائن هي الاستدلال على الوقائع المجهولة بالوقائع المعلومة، لأنها بالضرورة إما نتيجة أو سبب لها  و إما ملازمة لها.

  ولما كانت واقعة الفراش مسألة ظنية، فإن المشرع خول للزوج إمكانية الطعن في نسب من ازداد على فراشه إما باللعان أو بواسطة خبرة طبية تفيد القطع، وذلك مقيد بشرطين كما نصت على ذلك المادة 153 من م أ.  أولهما : إدلاء الزوج بدلائل قوية على ادعائه، ثانيهما : صدور أمر قضائي يأمر بإجراء الخبرة الطبية.

و على الرغم من صراحة هذه المادة، إلا أن القضاء المغربي قد غض الطرف عن الخبرة، ورجح عليها قاعدة الفراش، بل واعتبر أحيانا أن الخبرة غير موجودة كما هو الحال في قضية بلخاديم، وهذا ما استنكره ثلة من الفقهاء المغاربة، و إن كنا نسجل استغرابنا من الرأي الذي عمد إلى الدفاع عن هذا القرار، بل هناك من وصف الخبرة الطبية بالبدعة.ودعا المجلس الأعلى إلى التمسك بقاعدة الولد للفراش وترجيحها على الخبرة الطبية ضاربا بعرض الحائط ما نص عليه المشرع، وما يقتضيه تشوف الشارع إلى النسب المبني على اليقين لا على الظن.

 فمن بين الوسائل الموضوعية التي اعتمدها القضاء للدفاع عن مبدأ تشوف الشارع إلى لحوق النسب ترجيح اللعان على الخبرة الطبية، و هذه الوسيلة أي اللعان تخدم المبدأ المذكور لسبب بسيط هو صعوبة إجراء اللعان لنفي النسب نظرا لتعقد مسطرته، والتي من شأنها أن تشق على طالب اللعان.

 لكن الأمر ليس دائما على هذه الشاكلة؛ فقد تتوافر للزوج ، الشروط المتطلبة لإجراء اللعان، وكنتيجة لإجرائه  يقطع نسب المولود ، ولا ينسب "للأب" رغم أن الفراش متحقق بشروطه.

 ويزداد الأمر خطورة إذا كان سبب اللعان يعزى إلى مجرد الشك الذي يختلج نفس"الأب" المتسرع فينتفي عنه النسب بطريقة مبهمة لا يعرف من خلالها   أ هو الأب الحقيقي أم لا؟.

 من خلال هذين المعطيين، يتبين أن النسب موضوع على شفا جرف هار، فإما أن ينسب مولود إلى غير أبيه، وهذا غير مقبول لا شرعا و لا عقلا -كما في الحالة الأولى-،   و إما أن يقطع نسب طفل لا حول له و لا قوة ، وهو بدوره لا يقبله لا الشك و لا العقل-كما هو الأمر في الحالة الثانية-.

 إذن فالخطب جلل ويحتاج إلى مدارسة ونقاش موضوعي وعلمي، وهذا ما سنحاول العمل عليه وفق التصور التالي إذ سنعالج في النقطة الأولى مركز الزوج في اللعان وفي نقطة ثانية مركز الطفل في اللعان.

من خلال هذه المفارقات التي تعامل بها الفقهاء مع ابن المتلاعنين، يلاحظ أنهم أرادوا التحسب من احتمال أن يكون الأب كاذبا أو قد يستخدم اللعان كوسيلة لتسهيل الطلاق بإثارة شكوك مبالغ فيها أو أوهام مرضية ليس لها في بعض الأحيان أساس من الصحة.

  من خلال ما سبق، يظهر أن اللعان مبني على الظن وليس على اليقين، لذلك لا ينبغي أن يحرم ابن من نسبه مدى الحياة بناءا على الظن، خاصة و أن الشارع متشوف إلى إثبات النسب المبني على الحقيقة، ثم إن اللعان لم يعد يعول عليه كلية لأنه يحتكم إلى الضمير والوازع الديني في زمن لم تكن هناك وسيلة أخرى توفر العلم و الإثبات اليقينيين.

 أما في عصرنا الحالي، وما يعرفه من فساد كبير للذمم وتراجع الوازع الديني لدى الكثير من الناس، فإن المفروض هو تطبيق قاعدة الشك يزول باليقين1، وبالتالي تطبيق الخبرة الطبية فهي على الأقل تضمن لهذا الطفل نسبا يدفع عنه المعرة، ذلك انه أقل ما يمكن تقديمه لهذا الطفل الوافد على المجتمع هو ضمان نسبه حتى يتقي في الشرع والقانون والقضاء.

 



.

 

 


التاريخ : 14/4/2014 | الساعـة : 18:46 | عدد التعليقات : 0

Partager






 

ماذا عن العنف الجامعي ؟
 

 

عقار شيخ بضواحي ابن سليمان في المزاد العلني : فتاة تدعي أنه محتجز وطاقم جريدة يكيل الاتهامات لمسؤول دركي رفض مصاحبته من أجل اقتحام منزل بدون إذن وكيل الملك
 
شوف واسمع.. بين سندان القضاء ومطرقة الإقصاء تعيش أرملة بودا وأبناءها بضواحي القصر الملكي (الغزالة) ببوزنيقة جحيم المعاناة وتهديدات بالسجن والتشرد
 

 

حلقة جديدة من سلسلة شادين الستون للفنان والكوميدي الشرقي السروتي عن ممرات الراجلين بين الغرامات وقصور أداء البلديات
 
الزلزال الملكي في قالب كوميدي للفنان الشرقي السروتي
 
سلسلة شاديه الستون مع الشرقي حلقة اليوم عن مخدر الكالة
 
لا تفوتكم مشاهدة هذا الشريط .. أسي العثماني .. قبل تنزيل القوانين .. (نزل شوف حنا فين ؟؟ )
 
شوف واسمع .. سلسلة (شادين ستون مع الشرقي) تعود مع (الزلزال والكرة)
 
شوف .. العثور على صور مستشارين جماعيين ضمنهم البرلماني (مرداس) المقتول مدفونة بمقبرة بسطات
 
شوف واسمع : وصفها بقمة (ولا حاجة) ... صحافي مصري يكشف سر غياب ملك المغرب عن أي لقاء للقمة العربية منذ 12 سنة
 
شوف واسمع: بديل بريس والشروق المغربية ينفردان برسالة محمد السويسي إلى الملك محمد السادس ساعة قبل محاولة الانتحار حرقا قبالة محكمة المحمدية : لمن سنشتكي يا ملكنا العزيز؟ .. راحنا ضعاف ...
 


التوظيف بالتعاقد و أزمة المدرسة الخصوصية
 
الأطر الإدارة التربوية وتطور هويتهم المهنية
 
الدرس الألماني في مفهوم الديمقراطية وفي تدبير المفاوضات السياسية
 
الوجه الآخر للتوظيف بالتعاقد
 
توظيف الأساتذة بموجب عقود : قراءة في عقد التدريب المفضي إلى التوظيف بموجب عقد
 


بمناسبة اليوم الوطني للمرأة الذي يتزامن مع العاشر من شهر أكتوبر من كل سنة ... هدية الفايسبوكيون
 
بغض النظر عن ما قيل عن رئيس ليبيا المقتول معمر القذافي...هذه هي الخدمات التي كان يقدمها لشعبه
 


احصائيات الموقع
Sito ottimizzato con TuttoWebMaster

اليكسا

 

  ?????  ????? ???????  ???????  ???? ??????? ???? ???