الرئيسية / اقلام حرة / الأطر الإدارة التربوية وتطور هويتهم المهنية

الأطر الإدارة التربوية وتطور هويتهم المهنية

يخرج المتتبع للمهن المرتبطة بالإنسان، بنتيجة فحواها أنه خلال السنوات الأخيرة، عرفت تطورا ملحوظا، ومن ضمنها المهن التي ترتبط بمجال التربية والتكوين (المدرس، المدير، الحارس العام…). وطبعا فإن فهم تطورها لا يمكن عزله عن الانتظارات المجتمعية، التي عادة ما ترفع سقف مطالبها. إن المدرسة، من الزاوية السوسيولوجية البسيطة، تُقدم خدمات إلى زبائن، فإما تحظى بالقبول والاعتراف أو يحصل العكس. غير أن واقع الحال يشهد أن ما تُقدمه من خدمات يُكسر الانتظارات والتطلعات، لأسباب عديدة ومتشابكة، وعلى رأسها واقع الإدارة التربوية، وإكراهاتها. إن السؤال الذي يشغلنا: كيف نُطور الهوية المهنية لإطار الإدارة التربوية؟ كيف نرفع من أدائه ؟ كيف نجعل التدبير الإداري قائما على مقتضيات المفهوم الحديث (قيادة التدبير)؟. إن الحديث عن الإدارة التربوية يجرنا إلى التمييز بين باراديكمين متعاندين: الأول، يرتبط بممارسة الإدارة (administration) بمعناها التقليدي، القائمة على احترام السلمية الإدارية، وحصر الإداري في مجرد مطبق للتعليمات، والمحترس من اتخاذ القرارات، والذي يجعل  سلطته مستمدة من  مركزه الوظيفي، وينصرف أس اهتمامه إلى تطبيق القوانين والمساطر، فتغدو غاية في ذاتها، فينشغل بالإجراءات الروتينية والمساطر الشكلية، وتطبيق التعليمات الصادرة من أعلى هيئة…؛ أما الباراديكم الثاني، فينطلق من تصور التدبير على أساس مفهوم القيادة أو قيادة التغيير. إن منشأ التحول من باراديكم الإدارة إلى القيادة يكمن في الاهتمام بموضوع العلاقات العامة على نحو مُجدد. وعلى مستوى الخطاب الرسمي هناك وعي بضرورة تجديد المهن المرتبطة بالتدريس والتكوين والتدبير للرفع من الجودة، واعتبار ”المهننة مدخلا للنهوض بأداء الفاعلين التربويين“ (الرافعة التاسعة من الرؤية الاستراتيجية 2015-2030)؛ كما أن الخطاب الرسمي لا يتوانى عن الحديث الإداري من حيث كونه قائدا.  إلا أن هناك مفارقة بين ما ينص عليه الخطاب وبين إكراهات الواقع. فما زالت الممارسات شاهدة على هيمنة الباراديكم الأول، وما زالت المساطر والقوانين لا تُهيئ الأسباب كاملة لإرساء باراديكم القيادة. وإذا كانت مهنة الإطار الإداري ذات طبيعة مركبة، ولا يُمكن تضييق نطاقها في التدبيرين الإداري والمالي، فإن نسبة كبيرة منها تتصل بالبعد العلائقي (مع المدرسين، التلاميذ، الشركاء…). وهو واقع يقود إلى طرح أسئلة عديدة على رأسها: هل يمكن الحديث عن قيادة التغيير في منأى عن تطوير المعرفة بسيكولوجية التغيير؟ ألا تستدعي مهامه معرفة بقوانين التغيير؟ وآليات الحد من أشكال المقاومة؟. إن ”الهوية المهنية للإداري هي مكون من مكونات الهوية الكلية لشخصه، والتي تتوسل بأبعاد ذات طبيعة نفسية فردية واجتماعية…كما أنها تتحدد أيضا في علاقة بالانتماء إلى جماعة (الإداريين). غير أن  تطويرها يجب أن يُمر عبر الرهان على مهننة مخصوصة، تروم تطوير المعرفة بالبعد العلائقي، ولكن المطلوب أيضا ألا يصبح واقع الممارسة المؤسساتية عاملا يكبح التغيير، بترسيخ الباراديكم التقليدي القائم على مفهوم الإدارة وليس القيادة.

أستاذ باحث  ومؤلف لكتب تربوية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!