الرئيسية / اقلام حرة / التوظيف بالتعاقد و أزمة المدرسة الخصوصية

التوظيف بالتعاقد و أزمة المدرسة الخصوصية

بعيدا عن الجدل الذي أحاط ويحيط بالتوظيف بالتعاقد بقطاع التعليم ، فإن هذا النوع من التوظيف توازيه “جاذبية” واسعة النطاق يعكسها الإقبال الكبير لحاملي الشواهد العليا من خريجي الجامعات المغربية من مختلف المسالك والتخصصات على مباريات التعاقد التي أضحى تنظيمها من صميم صلاحيات الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ، وهذه الجاذبية أو الإقبال يفسر جزء كبير منه في ارتفاع نسبة البطالة وانسداد الأفق ومحدودية هامش الاختيارات أمام حاملي الشواهد العليا ،وهو واقع مقلق كرس ويكرس جاذبية هذا النوع من التوظيف التعاقدي الذي يبقى بالنسبة للبعض فرصة للانفلات من مخالب البطالة وبالنسبة للبعض الآخر مناسبة لفك الرباط مع مهنة تقترن بالمتاعب أو حرفة لا توفر شروط الاستقرار أو نشاط تجاري يقتل الطموح، بدليل أن التوظيف بالتعاقد استطاع استقطاب ما يزيد عن “خمسة وخمسين (55) ألف “أستاذ متعاقد حسب المعطيات الرسمية ، وهو رقم يؤشر على تغير مشهد المدرسة العمومية التي ستصبح في مستقبل السنوات القادمة مدرسة تعاقد بامتياز في ظل “مد” التعاقد و”جزر” التقاعد .
لكن الحقيقة “الخفية” أو “المسكوت” عنها أو التي لا تحظى بالاهتمام والمتابعة ، هي قدرة التوظيف بالتعاقد على جذب و استقطاب أساتذة ينتمون إلى التعليم الخصوصي الذين وجدوا في “التعاقد” ملاذهم الآمن، ورغـــم الافتقار إلى أرقام رسمية تعبر عن عدد الأساتذة الخصوصيين الذين التحقوا بركب المدرسة العمومية إلى حدود المبــــــــاراة الأخيرة ، فإن المؤكد أن كل مباراة تعاقد إلا وتستقطب جملة من أساتذة التعليم الخصوصي من مختلف التخصصات، في مشهد يبدو كمرآة تعكس ” أزمــــة ” مدرسة خصوصية أضحت تشكل بالنسبة للكثير من أطرها واقع “نفــور” وقنطرة “عبور” نحو قطاعات مهنية أخرى قادرة على استيعاب آمالهم واحتضان طموحاتهم بشكل يحقق الذات ويضمن نوعا من الاستقرار بعيدا عن كل أشكال التحكم الناعم ، وفي طليعتها الجواز إلى التعليم العمومي عبر بوابــة “التوظيف بالتعاقد” ، وعليه سنلقي الضوء على جانب من تداعيات التوظيف بالتعاقد على المدرسة الخصوصية (أولا) ثم سنحاول استقراء بعض مظاهر أزمة هذه المدرسة الخصوصية، خاصة تلك التي تدفع نحو الهروب والارتماء في حضن التعاقد (ثانيا) على أن نختم ببعض التدابير التي من شأنها تمكين التعليم الخصوصي من كل شروط الجاذبية والإغراء سواء بالنسبة للأساتذة الممارسين أو بالنسبة لبعض حاملي الشواهد العليا الذين يبحثون عن مهنة بشروط منصفة ضامنة للاستقرار بكل مستوياته (ثالثا) .
-أولا : تداعيات التعاقد على المدرسة الخصوصية :
مما لا شك فيه أنه وعقب كل مباراة تعاقد ، إلا و تستقطب عددا من أساتذة التعليم الخصوصي الذين لا يجدون مفرا من ترك الأقسام و المتعلمين بعد ضمان النجاح النهائي ،وفي ظل هذه الوضعية الحرجة، ستجد المؤسسات التعليمية المعنية نفسها مجبرة على تدبير هذه الأزمة من خلال التعجيل بتعويض الأطر التعليمية المغادرة حفاظا على السير العادي للدراسة في عدد من الأقسام ضمانا لحق في التعلم “مؤدى عنه ” ،
لكن تدبير الأزمة قد يختلف من مؤسسة إلى أخرى ، فمثلا بعض المؤسسات التي يتحكم فيها “فكر المقاولة” و”هاجس الربح والخسارة” ، و عوض توظيف أستاذ متخصص براتب محترم قادر على تعويض الكرسي الشاغر دون المس بجودة التعلمات ، قد تلجأ إلى تدبير الأزمة بأقل تكلفة ودون جهد وعناء بطرق مختلفة من قبيل إسناد الأقسام التي غادرها أساتذتها إلى زملاء لهم من نفس التخصص ، أو الاستعانة بأساتذة آخرين من نفس المؤسسة يدرسون مواد متقاربة ( مثلا إسناد قسم العلوم الفيزيائية لأستاذ الرياضيات أو علوم الحياة والأرض أو إسناد قسم اللغة العربية لأستاذ الفلسفة أو الاجتماعيات …) أو الاستعانة بخدمات أساتذة التعليم الأولي لتدريس المستوى الأول أو الثاني ابتدائي ، أو اللجوء إلى الأطر الإدارية لسد ما تبقى من الفراغات … إلخ)، وهذه “التكتيكات” من شأنها ضرب جودة التعلمات التي تتم بمقابل مالي ، وجعل المتعلم (ة) يعيش في جو من عدم الاستقرار النفسي ، لأنه سيكون عليه مواجهة واقع التعايش مع أكثر من أستاذ(ة) في موسم دراسي واحد ، بكل ما سيحمله هذا المعطى من تداعيات سلبية على نفسية هذا المتعلم (ة) ، وفي هذا الصدد وجب الإشارة إلى أن بعض المؤسسات الخصوصية ، عمدت إلى إخفاء شمس الحقيقة بالغربال ، حيث أخبرت التلاميذ أن أستاذهم في حالة سفــر أو في رخصة مرضية حفاظا على سمعتها ، بينما الحقيقة أن الأستاذ(ة) قد غادر بشكل لا رجعـة فيـــه .

-ثانيا : بعض مظاهر أزمة المدرسة الخصوصية :
لا مفر من الاقرار أن التوظيف بالتعاقد أضحى جذابا ومغريا بالنسبة لعدد مهم من أساتذة التعليم الخصوصي، مما يعبر و بجلاء أن معظم مؤسسات التعليم الخصوصي تفتقد لعناصر الجاذبية بالنسبة لأطرها التربوية ، بشكل يعكس أزمة تختلف مستوياتها ودرجاتها من مؤسسة خصوصية إلى أخــرى ، واستقراء لوجهات نظر جملة من الأساتذة الممارسين بالتعليم الخصوصي ، يتبين أن القطاع يعيش على وقع “المزاجية” التي تصل إلى حد “التحكم” من جانب بعض المدراء والمسيرين ، يضاف إلى ذلك ضعف الأجور وقلة التعويضات ومحدودية التأطير و التكوين المستمر وغياب الوسائل الديدكتيكية واللوجيستية بالنسبة لبعض المؤسسات ، يضاف إلى ذلك تكبيل أيادي المدرسين بعقود ذات شروط مجحفة … إلخ، وهي شروط تؤسس لعلاقات شغلية مبنية على “التنافر” و”الغموض” و”التوجس” و”عدم الاستقرار” و”انسداد” أفق الخلق والإبداع والارتقاء بالنسبة للمدرس(ة) ، لذلك يبقى ” التوظيف بالتعاقد” بمثابة “الملاذ الآمن” للكثير من المدرسين الخصوصيين في جميع المستويات لما يضمنه من ظروف و حقوق لا تختلف في مجملها عن تلك التي يتمتع بها الأستاذ(ة) “المرسم (ة)” (أجور محترمة قابلة للتطور، إمكانية الترقي واجتياز المباريات المهنية ، الاستفادة من الخدمات الاجتماعية ، عقود منصفة مقارنة مع مثيلاتها في القطاع الخصوصي … إلخ ) يضاف إلى ذلك الانفلات من تحكم المدراء والمسيرين، ساعات عمل محددة ،انعدام نوبات الحراسة الاعتيادية لتأمين خروج ودخول التلاميذ ، انعدام حراسة التلاميذ أوقات الاستراحة ، … إلخ، لذلك فمؤسسات التعليم الخصوصي ، وبدل الاحتجاج وتوجيه أصابع الاتهام للأكاديميات المنظمة لمباريات التعاقد ، لا بد لها أن تتحمل مسؤوليتها كاملة لأنها لا تقدم شروط العمل والاستقرار والحياة لأطرها ، مما يجعلهم يتربصون بكل مباراة تعاقد، ليتهم ينفلتون من مخالب تعليم خصوصي يقضي على الطموح ولا يحقق الذات ويقتل روح المبادرة والارتقـــــــاء ، لذلك لابد لهذه المؤسسات الخصوصية أن تجدد نفسها بشكل يجعلها تشكل قبلة جذابة ومغرية ليس فقط بالنسبة لأطرها التربوية أو الإداريـــة ،ولكن أيضا بالنسبة لكل من يرغب في الالتحاق بمهن التدريس من خريجي الجامعات ، والطريق نحو “الجاذبية” لن يتــم إلا بالمرور عبر عدة مسالك منها على سبيل المثال لا الحصر :
-إبرام عقود متوازنة ومنصفة لطرفي العقد( مدير المؤسسة الخصوصية – الأستاذ(ة)) ، على الأقل في مستوى عقود “التوظيف بالتعاقد” .
-تمكين الأستاذ(ة) من راتب شهري محترم قابل للتطور مع الأقدمية ، ومن تعويضات محفــــزة .
-تزويد الأستاذ(ة) بالوسائل الديدكتيكية الضرورية .
– التأسيس لعلاقات تواصلية جديدة مبنية على التقدير و الاحترام ، لا على السيطرة والتحكم من جانب بعض المدراء والمسؤولين /المقاولين .
-تفعيل آليات التكوين والتكوين المستمر، حتى يكون الأستاذ(ة) ملما بكل المستجدات سواء المعرفية أو البيداغوجية أو الديدكتيكية .
-التقليص من ساعات العمل اليومية على غرار التعليم العمومي .
– الأخد بأيدي حاملي الشواهد العليا (إجازة ، ماستر) الراغبين في إجراء التداريب بالمؤسسات الخصوصية ، من خلال تأطيرهم و تدريبهم على الممارسة الصفية ، و الاستفادة منهم في سد أي خصاص قائم أو محتمل …إلخ.

أخيرا وليس آخرا و تأسيسا على ما سبــق ، يمكن القول أن “التوظيف بالتعاقد” أضحى “جذابا” بالنسبــة للعديد من أساتذة التعليم الخصوصي ، وهذه “الجاذبية” يفسر جزء منها بأزمة المدرسة الخصوصية التي فقدت الكثير من الإشعاع والجاذبية ، بشكل لم تعد معه قادرة على كبح جماح أساتذتها الذين يترصدون بمباريات التعاقد ، بحثا عن فرصة سانحة تسمح لهم بالهروب و الارتماء في حضن المدرسة العمومية ، لذلك لا بد لمؤسسات التعليم الخصوصي أن تجدد نفسها وتبحث عن السبل الممكنة حتى تكون مؤسسات جذب واستقطاب واستقرار لا مؤسسات نفــور وعبــــور، مع الإشارة إلى أن الجهات المعنية (الوزارة الوصية ، الأكاديميات، المديريات الإقليمية ، مفتشيات الشغل) ، تبقى ملزمة بمراقبة المؤسسات الخصوصية وتتبع طرائق اشتغالها وتدبيرها ، بما في ذلك الحرص على تجويد عقود الشغل المبرمة مع مختلف الأطر التربوية و الإدارية ، انسجاما و مقتضيات التشريعات ذات الصلــة ، مع الحرص على زجر كل المؤسسات التي تمس بشكل أو بآخر سواء بجودة التعلمات أو بحقوق الأستاذ(ة) الذي يعــد بمثابة “الدينامو” المحرك لمختلف آليــات العملية التعليمية التعلمية .

-أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك الثانوي التأهيلي بالمحمدية، باحث في القانون وقضايا التربية والتكوين .
laaouissiaziz1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!