الرئيسية / اقلام حرة / العيوب الخمسة لمشروع القانون الإطار المتعلق بالتعليم

العيوب الخمسة لمشروع القانون الإطار المتعلق بالتعليم

عبد الناصر ناجي
استبشر المغاربة خيرا بصدور رؤية استراتيجية لإصلاح التعليم تحدد ملامح واضحة لما ينبغي أن تكون عليه منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في أفق 2030. تختلف تقييمات مضمون الرؤية باختلاف الخلفيات الذاتية والموضوعية التي تحكم القراءة الجادة والنزيهة لرافعات الإصلاح، غير أنها كلها تكاد تجمع على أن التصور ألم بأهم الإشكالات واقترح مجمل الأولويات التي تضمن لإصلاح التعليم حدا أدنى من شروط النجاح بعد سلسلة من الإخفاقات وسمت مع الأسف معظم المبادرات الإصلاحية التي عرفها القطاع في بلادنا. ذلك مصدر التفاؤل بالرؤية الاستراتيجية، يسنده أيضا التوجه نحو مأسسة الإصلاح من خلال تقنين مضامينه على شكل قانون إطار يضفي الطابع الإلزامي على أهم التوجهات التي اقترحها المجلس الأعلى للتربية والتكوين، كمؤسسة دستورية تزاوج بين الخبرة والتمثيلية في تركيبتها البشرية. هذه الخطوة غير المسبوقة في تاريخ الإصلاحات التربوية في المغرب تم الشروع فيها من طرف الحكومة السابقة التي أعدت المشروع الأول وأحالته على المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي الذي أبدى رأيه فيه، ثم أعدت الحكومة الثانية مشروعا ثانيا صادق عليه المجلس الحكومي يوم 4 يناير 2018، قبل أن يقوم المجلس الوزاري بالمصادقة على مشروع ثالث في 20 غشت 2018، أحيل على البرلمان في شهر أكتوبر الماضي من أجل مناقشته والمصادقة عليه. فهل نجح مشروع القانون الإطار في ترجمة توجهات الرؤية الاستراتيجية وحافظ على جوهرها؟
إن القراءة المتأنية للمشروع تبين أنه كان وفيا لأغلب رافعات الإصلاح، وأنه نجح نسبيا في تحويل مضامين الرؤية الاستراتيجية إلى نص قانوني يحترم المواصفات المعيارية المطلوبة. لكنه في المقابل لم يتوفق في التعامل المحايد مع بعض توجهات الرؤية وخاصة تلك التي تهم قضايا خلافية نجح المجلس في توحيد وجهات النظر حولها بعد جهد جهيد، فجاء مشروع القانون الإطار لإعادة النقاش حولها إلى نقطة الصفر. هذه المقاربة المختلفة في التعاطي مع مضامين الرؤية الاستراتيجية جعلت المشروع يتغاضى عن بعض التوجهات الاستراتيجية رغم أهميتها، ويضيف أخرى لم ترد في نص الرؤية، ويغير كليا أو جزئيا المعنى المقصود بالنسبة لبعض الرافعات رغم وضوحها البين. الشيء الذي أسقط المشروع في بعض العيوب التي يرجى تداركها أثناء مناقشته من طرف نواب الأمة خشية أن تتحول إلى أخطاء مميتة تعرقل مسيرة الإصلاح أو توقف قطاره في منتصف الطريق لا قدر الله.
أولا: في مقاربته لقضية المنهاج الدراسي نص مشروع القانون الإطار على أن “تحدث لدى السلطات الحكومية المختصة لجان دائمة تعنى بالتجديد والملاءمة المستمرين لمناهج وبرامج وتكوينات مختلف مكونات منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي… تتولى اللجان المذكورة إعداد دلائل مرجعية للمناهج والبرامج والتكوينات، والسهر على تحيينها وملاءمتها مع التطورات البيداغوجية الحديثة بكيفية مستمرة.’’ (المادة 28). وإذا كان هذا النص قد حافظ على مبدأ مأسسة عملية تقييم ومراجعة المنهاج فإنه في المقابل خرق مبدأين شديدي الأهمية وردا في الرؤية الاستراتيجية. المبدأ الأول يتعلق بالوحدة والتكامل حيث نصت الرؤية على لجنة دائمة واحدة حرصا منها على وحدة المنهاج وتكامل مكوناته، وهكذا أوصت في المستلزم 67 باعتماد منهاج مندمج يهم مكونات منظومة التربية والتكوين في شموليتها على أن “يستند إلى مرتكزات المدرسة ووظائفها وغاياتها، ويقوم على مبد أ تفاعل المواد والمعارف، وتكامل التخصصات، بغاية تحقيق مرونة وتناسق أكبر في التعلمات والتكوينات، وملاءمة مواصفات الخريجين والخريجات مع حاجات البلاد، وتطور المعارف والمهن وتجددها، ومتطلبات العصر.” فهل بإحداث لجان متعددة سنحافظ على هذا المبدأ، أم على العكس من ذلك سنتجه إلى المزيد من التناقض والتضارب بين برامج مختلف الأسلاك التعليمية والمستويات الدراسية؟ خاصة في ظل غياب إطار مرجعي وطني للمنهاج يحفظ لهذا الأخير وحدته وتكامل مكوناته. أما المبدأ الثاني فيتعلق بالاستقلالية حيث تشير الرؤية الاستراتيجية في الرافعة 12 إلى تفعيل اللجنة الدائمة للتجديد والملاءمة المستمرين للمناهج والبرامج كهيئة مستقلة تضمن الحياد والانسجام بين مكونات المنهاج؛ غير أن هذا المبدأ تم تجاوزه من طرف مشروع القانون الإطار عندما نص على تعددية اللجان الذي يفهم منه إحداث لجنة داخل كل قطاع من قطاعات التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي، الشيء الذي يجعل المنهاج عرضة مرة أخرى للمزايدات السياسية أو في أحسن الحالات للتأويل السياسي من طرف المسؤولين على كل قطاع.
ثانيا: اختار مشروع القانون الإطار موقفا مغايرا تماما للتوجه الذي تبنته الرؤية الاستراتيجية فيما يتعلق بالهندسة اللغوية. فإذا كانت هذه الأخيرة قد اختارت، بعد نقاش طويل ومخاض عسير، أن تتخذ موقفا وسطا بين التدريس بالعربية والتدريس باللغات الأجنبية من خلال تبني خيار بيداغوجي سائد في العديد من الدول الأوروبية أي ما دعته الرؤية بالتناوب اللغوي، والذي يقضي بتدريس بعض المضامين أو بعض المجزوءات في بعض المواد باللغات الأجنبية؛ فإن مشروع القانون الإطار فاجأ الرأي العام حينما تماهى مع موقف الوزارة الوصية ونص على ” تدريس بعض المواد، ولا سيما العلمية أو التقنية منها أو بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد بلغة أو لغات أجنبية”. والغريب أن المشروع تبنى مبدأ التناوب اللغوي الذي نصت عليه الرؤية، بل ونص عليه حرفيا في بابه الأول بهذه العبارات التي لا تحتمل أي تأويل “التناوب اللغوي: مقاربة بيداغوجية وخيار تربوي يُستثمر في التعليم المزدوج أو المتعدد اللغات، بهدف تنويع لغات التدريس، وذلك بتعليم بعض المضامين أو المجزوءات في بعض المواد باللغات الأجنبية، قصد تحسين التحصيل الدراسي فيها”، غير أنه تناقض مع نفسه عندما نص في المادة 31 على إعمال المبدإ نفسه من خلال، ليس تدريس بعض المضامين من بعض المواد، ولكن تدريس بعض المواد بكاملها بلغة أو لغات أجنبية. أي بعبارة أخرى القفز على مبدأ آخر من مبادئ الرؤية القاضي بجعل العربية لغة التدريس الأساس، وتعويضها باللغة الفرنسية. فما هي أضرار هذا الاختيارـ بغض النظر عن تعارضه مع الرؤية الاستراتيجية، وما هي آثاره السلبية على الإصلاح؟
لقد أقرت اليونسكو منذ سنوات، استنادا إلى أبحاث علمية عديدة، أن من الحقوق اللغوية المكفولة للفرد أن يدرس بلغاته الرسمية المجسدة للهوية الذاتية والوطنية، وهكذا أوصت بتشجيع التدريس باللغات الرسمية والتمكن المبكر منها كوسيلة لتحسين التعلمات مع الانفتاح على اللغات الأجنبية كلغات مدرسة. وتنفيذا لهذه التوصيات فإن جل الدول تتبنى اللغات الرسمية كلغات للتدريس، بل إننا نجد أن أول عشرين دولة في ترتيب تيمس 2015 مثلا تدرس العلوم والرياضيات بلغاتها الرسمية، نذكر منها سنغفورة وكوريا الجنوبية واليابان وروسيا وهونغ كونغ وتايوان وفنلندا. كما أن الدول التي تريد بلوغ درجات أعلى من إتقان اللغات الأجنبية فإنها إلى جانب تدريسها المبكر، أي من الإعدادي، فإنها تعتمد مفهوم التعلم المندمج للمضامين واللغات المعروف اختصارا بCLIL عند الأنجلو سكسون وبEMILE عند الفرنكوفونيين، القاضي بتدريس بعض المضامين أو بعض المجزوءات في بعض المواد بلغة أجنبية. وقد أثبت تطبيق هذا المفهوم نجاعته في تحسين التمكن من اللغات الأجنبية.
من جهة أخرى نجد أن الدول التي اعتمدت لغات أجنبية كلغات للتدريس تتذيل التصنيفات الدولية سواء في التحصيل الدراسي للتلاميذ أو في التصنيف الدولي للجامعات، وهو معطى يسائل خياراتنا اللغوية ويدفعنا للتفكير مليا قبل التخلي عن التناوب اللغوي الذي اقترحته الرؤية الاستراتيجية والاتجاه نحو التدريس باللغة الفرنسية، وهو التوجه الذي ينسجم مع سياسة التعليم في إفريقيا التي إن استمرت على ما هي عليه فسيرتفع عدد الناطقين بالفرنسية في العالم إلى 715 مليون سنة 2050، 80 بالمائة منهم أفارقة، أما إذا احتسبنا الشريحة العمرية ما بين 15 و29 سنة فإن نسبة الأفارقة ستبلغ 90 بالمائة.
أما العيب الثالث لمشروع القانون الإطار فله علاقة بتدبير الموارد البشرية. فإذا كان المشروع قد نص، كما الرؤية الاستراتيجية، على تحديد مهام وكفايات الأطر التربوية والإدارية والتقنية المنتمية لمختلف الفئات المهنية العاملة في مجالات التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي في دلائل مرجعية للوظائف والكفاءات، وعلى أن تعتمد هذه الدلائل لإسناد المسؤوليات التربوية والعلمية والإدارية، وتقييم الأداء، والترقي المهني؛ فإنه في المقابل لم يشترط التكوين الأساس لممارسة مهن التربية والتكوين كما نصت على ذلك الرؤية، وهو بذلك يخل بمعيار أساسي من معايير جودة التعليم الذي أجمعت عليه جميع الدراسات والأبحاث ذات الصلة بالموضوع، معيدا بذلك إلى الأذهان الذكرى السيئة للتوظيف المباشر وللتعاقد مع الأطر التربوية دون تكوين بيداغوجي أساس يمكن ممارس مهنة التدريس من الكفايات الضرورية لمباشرة مهامه التربوية بالكفاءة المطلوبة. فضلا عن ذلك فإن مشروع القانون الإطار عهد إلى اللجان الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج مهمة لا تدخل بتاتا في اختصاصها ألا وهي إعداد الدلائل المرجعية المذكورة أعلاه. فكيف لمختصين في البرامج الدراسية أن تكون لديهم الكفاءة الضرورية لتحديد مهام وكفايات الأطر التربوية والإدارية والتقنية المنتمية لمختلف الفئات المهنية العاملة في مجالات التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي؟
العيب الرابع يتعلق بمجال التمويل الذي حافظ في مجمله على المبادئ الأساسية الواردة بخصوصه في الرؤية الاستراتيجية لكن شابته بعض النقائص التي حالت دون اكتمال الصورة التي أرادت له الرؤية أن يكون عليها. وهكذا نص مشروع القانون الإطار على مواصلة الدولة تحمل القسط الأوفر من تمويل المنظومة مع العمل على تنويع مصادره؛ غير أنه غض الطرف عن توصية الرؤية بمواصلة الدولة لمجهود الرفع المستمر من الغلاف المالي المخصص لتمويل المدرسة وتقويته. من جهة أخرى حافظ مشروع القانون الإطار على مبدأ ضمان مجانية التعليم الإلزامي مع عدم حرمان أي أحد من متابعة الدراسة بعده لأسباب مادية محضة إذا ما استوفى الكفايات والمكتسبات اللازمة، وأقر بأداء الأسر الميسورة لرسوم التسجيل بالتعليم العالي ثم بالتعليم الثانوي التأهيلي؛ غير أنه لم يحدد مجالات صرف الرسوم المحصلة من الأسر رغم أن الرؤية حصرتها في المؤسسة التي تستخلص الرسوم وتحت إشراف مجلس التدبير. إلى جانب ذلك أغفل مشروع القانون الإطار جوانب مهمة من الحكامة المالية حيث، وإن كان قد نص على نظام للحسابات الوطنية في مجال التربية والتكوين، فإنه فضل عدم التنصيص على الشفافية في التدبير وترشيد النفقات كما جاء في الرؤية، ولا على وضع مؤشرات كفيلة بتتبع وتقييم أثر التمويل المرصود على التحصيل الدراسي والمردودية الداخلية والخارجية للمنظومة.
أما العيب الخامس والأخير الذي نرى أن مشروع القانون الإطار يشكو منه فله صلة بمجال التقييم الذي يعتبر قضية مفصلية في أي إصلاح. وإذا كان المشروع قد حافظ على تدابير مهمة جاءت بها الرؤية الاستراتيجية من قبيل إجراء عمليات التقييم وفق دلائل مرجعية لمعايير الجودة يعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وإخضاع مكونات المنظومة لتقييم داخلي وتقييم خارجي بكيفية دورية ومستمرة؛ فإنه أكد على تدابير أخرى أثبتت التجارب الماضية عدم جدواها مثل تتبع نتائج عمليات التقييم المنجزة من قبل لجان وزارية محدثة لدى السلطات الحكومية المكلفة بالتربية والتكوين والبحث العلمي. في المقابل لم ينص المشروع على إرساء نظام وطني للجودة كما أوصت بذلك الرؤية، ولا على إحداث برامج لتقييم المؤسسات التربوية والبحثية، وترتيبها. من جهة أخرى فإن تأكيد المشروع على إعطاء مهمة التقييم الخارجي للمجلس يقتضي تحويل هذا الأخير إلى هيئة تقريرية، وفي هذه الحالة وحفاظا للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي على دوره الاستشاري، واستئناسا بالتجارب الدولية الرائدة في مجال التقييم فكان أجدى أن ينص مشروع القانون الإطار على إحداث وكالة وطنية للتقييم وضمان الجودة تهم جميع مكونات المنظومة يمكن أن تكلف أيضا بالإشراف على الإطار الوطني للإشهاد.
هذه من وجهة نظرنا العيوب الخمسة التي تشوب مشروع القانون الإطار والتي إن لم تتدارك في قبة البرلمان قد تقف عائقا أما تحقيق أهداف الإصلاح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *