الرئيسية / اقلام حرة / الماء والمقدس

الماء والمقدس

filalihakim@gmail.com

يعتبر الماء حسب العديد من الدارسين أرخص موجود وأغلى مفقود،ويعتبر كذلك من الأستقساط الأربع (الماء،الهواء،النار،التربة).
و لحضوره القوي داخل حياة الإنسان أخذ الماء أبعادا متعددة (ثقافية، اجتماعية، أسطورية، دينية ،طبية استشفائية…).
و يبدو أن تقديس الماء يعود لفترات تضرب في عمق التاريخ وقد احتل اليونانيون مكانة هامة في هذا المجال،حيث قدسوا المياه سواء كانت ساخنة أو باردة،وعبروا عن ذلك بواسطة تقديم الهدايا والقرابين للآلهة وخاصة الإله بوسيدون (نيبتون الروماني) والحوريات وربة النافورة ثم سار الرومان على نهجهم،وقدسوا نفس الآلهة مع إعطائها أسماء تتطابق وحضارتهم.
و لما كان الجدب (الجفاف) أحد أبرز المظاهر الطبيعية التي عجز الإنسان عن فهم أسرارها أو التغلب عليها،لجأ العرب إلى آلهة يتقربون إليها،ويتبركون بها،لأنها تمثل في نظرهم رمز الخصوبة والرزق،شأنهم في ذلك شأن الشعوب السامية قديما،ولذلك كانت لهم رغبة جامحة في التطلع إلى معرفة القوى المتحكمة في إنزال المطر زمنا ومكانا،ولو بالإعتماد على ثقافة شعبية محلية تغذيها بعض الطقوس والأساطير.
فهذا ابن الكلبي في كتابه الأصنام يقول بالحرف ” هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا” (ابن الكلبي،كتاب الأصنام ص 8 ،ابن هشام السيرة 1/287)
لقد مثلت ثنائية الخصب والجدب في معظم المعتقدات والأديان نزاعا دائما بين الحياة والموت،اليسر والعسر،وشكلت جوهر المضمون لعدة أساطير،تغيرت أسماء آلهتها وأبطالها،بتغير لغات الشعوب وثقافاتها كما أكد ذلك علم الأنثروبولوجيا في هذا السياق،أن الإنسان يتفاعل مع سلوكه الطبيعي ويتأثر به في رؤاه ومعتقداتهحيث استأثر الماء في الموروث الشعبي بحيز كبير من المفاهيم والسلوكات،لقد حاول عرب الجاهلية بطريقة أو بأخرى ربط الظواهر الجوية بالجانب الأسطوري،المثمثل في تجسيم آلهة للخصوبة، وتنصيبها بالقرب من موارد المياه، فاستعملوا بذلك مختلف أنواع الطقوس والقمار في حفر الآبار وجلب المياه.واستمطروا (طلب المطر) بالنار والبقر، وتفاءلوا بغسل الثياب،وتعلقوا بالمطر وعكفوا على استطلاعه،ونعتوه بأجمل الأوصاف تيمنا وتبركا.
وقد كان عرب الجاهلية يعمدون كلما تتابعت عليهم سنوات الجذب إلى جمع ما يقدرون عليه من البقر،يعقدون في أذنابها حطب السلع(شجر مر له ثمرة كعنقود العنب) والعشر(شجر له صمغ)فيصعدون بها في جبل وعر،ويوقدون فيها النيران بلهب يشبه سنى البرق،فيهمون بالدعاء والتضرع،وكانوا يعتقدون أن ذلك من أسباب السقيا.

كثيرة هي الشعائر الدينية اليوم التي نجدها ترتبط بأحداث تضرب في عمق التاريخ.فالسعي في الحج بين الصفا والمروة،يعود إلى معجزة إلهية،مفادها أن ابراهيم الخليل أودع ولده اسماعيل مع أمه هاجر مكة في واد غير ذي زرع وانصرف عنهما طالبا الرحمة والسند لهما من ربه كما جاء في سورة ابراهيم ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم،ربنا لقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم)
حيث بقيت هاجر عند ذلك المكان ترضع ابنها حتى فني ما عندها الماء،وانقطع درها،وظمئ اسماعيل ظمأ شديدا،ا فعمدت إلى الإنتقال بين الجبلين (الصفا والمروة) ذهابا و إيابا بحثا عن الماء، وطلبا للنجدة،واستمرا تسعى بين الجبلين ،صعودا ونزولا سبع مرات، إلى أن سمعت صوتا انتبهت إليه،فإذا به جبريل.فتبعثه حتى انتهى إلى موضع سيعرف فيما بعد ب: “زمزم” ضرب عنده بقدمه فانفجر الماء،وجاءت أم اسماعيل فاستقت وشربت ودرت على ابنها.
وقد أصبح هذا الموقع معظما لدى العرب،فكانوا زمن ابراهيم يطوفون بين الصفا والمروة،وازداد عندهم ذلك التعظيم والطواف رسوخا بعد أن أكد القرآن أن الصفا والمروة من شعائر الحج.(أنظر الآية 158 من سورة البقرة).
هكذا إذن يتضح أن الماء يبقى موردا مقدسا لدى جميع الحضارات.
يؤكد سعيد بن حمادة في كتابه “قدسية الماء في الفكر العربي الإسلامي المفهوم والمحددات” أن الماء والقدسي يلتقيان في دلالتهما الرمزية (السمو،الطهارة،الخصب،الإيمان…) كما أكد أن كل القضايا الإنسانية ترتبط بالماء الذي يتحول من مادة طبيعية إلى واقعة ثقافية مشاكسة ومتمردة وعنيفة.
وحسب نفس الباحث فإن القدسي يعتبر ظاهرة ثقافية،تاريخية،إجتماعية،نفسية.
وهو كذلك (أي القدسي) ملكة تابتة وتجربة وجودية للإنسان،ونمط فكري يقوم على الإنتماء للدين والتعارض مع الدنيوي.
وبناء على ذلك أصبحت الأسطورة ظاهرة ثقافية ترتبط بالقدسي، هذا الأخير الذي يرتبط في ماهيته ب(الدين،الطهارة البركة،السمو،الخصوبة،الغنى الروحي،الحرم،السري،المحظور، الطابو ،الصافي ،النقي…).
هناك سؤال جوهري يمكن طرحه وهو كالتالي: ماهي تجليات استمرار الطقوس الأسطورية القديمة المرتبطة بالماء في المتخيل الشعبي المغربي؟
يعتبر هذا السؤال بالنسبة لنا أهم من الأجوبة.وحتى لا نتحايل على القارئ سوف نحاول أن نجيب عنه انطلاقا من نماذج ل”عيون” و أضرحة مدينة الدارالبيضاء، التي يمكن اعتبارها مجالا خصبا لرصد استمرار الطقوس الأسطورية.، إذ تعتبر مدينة الدارالبيضاء مدينة العيون بامتياز وهذا ما جعل العديد من أحيائها ترتبط بهذا الإسم (عين السبع،عين الدياب،عين حرودة،عين الشق..)وهي كذلك مدينة تضم العديد من الأضرحة التي تعد قبلة للعديد من الزوار (سيدي عثمان،سيدي عبد الرحمان،سيدي معروف…)
تعتبر مزارة لالة عائشة (مولات المرجة) بعين السبع نموذجا لاستمرار قدسية الماء :
تقع “مزارة للا عايشة”بالقرب من حديقة الحيوانات بعين السبع وهي عبارة عن عين يتم رمي التمر والحناء بها حيث يعتقد في المتخيل الشعبي ان الجنية عائشة قنديشة تسكنها وهي المعروفة كذلك بعايشة مولات المرجة.ويعد هذا المكان مرتعا للدجالين والمشعودين،إن الإعتقاد بوجود جنية الماء هو ما قد يبرر تعدد القربان التي يتم ذبحها بشكل يومي بالقرب من هذه العين(دجاج،ماعز،خرفان…)
وجود عائشة في متخيل الثقافة المغربية يعود ، برأي الأنتروبولووجيين، إلى استمرار المعتقدات التعبدية القديمة، حيث يتم الربط بين هذهالشخصية المهابة الجانب وبين (عشتار) إلهة الحب القديمة التي كانت مقدسة لدى شعوب البحر الأبيض المتوسط وبلادالرافدين من القرطاجيين والفينيقيين والكنعانيين، حيث كانوا يقيمون على شرفها
طقوسا للدعارة المقدسة، وقد تكون أيضا لالة عيشة هي ملكة السماء عند الساميينالقدامى الذين اعتقدوا أنها تسكن
العيون والأنهاروالمروج والبحار والمناطق الخالية كالجبال والكهوف والأماكن البهيمة الظلام … ويحكي الباحث الأنتروبولوجي “بول باسكون” في أساطير ومعتقدات من المغرب كيف أن باحثا فرنسيا كان يهيئ أطروحة جامعية حول عيشة قنديشة اضطر إلى أن يهجر المغرب ، ويهجر معه هذا البحث بعدما أحرق كل ما كتب حول الموضوع بعدما تعرض لحوادث كثيرة غامضة ومتلاحقة.
ما يهمنا من هذه المعطيات هو أن الإعتقاد بوجود جنية الماء (لالة عائشة) يعتبر من أهم مظاهر استمرار المعتقدات التعبدية القديمة.
هناك ملاحظة جوهرية تبين مدى ارتباط الماء بالمقدس في المتخيل الشعبي،تتمثل في كون معظم أضرحة الأولياء توجد بالقرب من عيون ماء او بالقرب من آبار وكذا بالقرب من البحر(سيدي عبد الرحمان…).
هكذا إذن يتبين بما لا يدع مجالا للشك أن الماء والمقدس يرتبطان ارتباطا وثيقا،وهذا يدل ببساطة عن أهمية وقيمة هذا المورد.الذي يعتبر كما سلف الذكر أرخص موجود وأغلى مفقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *