الرئيسية / اقلام حرة / المرونة النفسية والترميم السيكولوجي

المرونة النفسية والترميم السيكولوجي

أحمد لعيوني
يحيا الإنسان منذ نشأته في وسط تحيط به العديد من الصعاب، منها ما هو طبيعي، وما هو فجائي يحدث دون توقع، ومنها ما هو اجتماعي بفعل كائن يعيش في نفس الوسط أو يأتي من بيئة أخرى قد تكون مغايرة، ويحدث اضطرابا أو بلبلة يتأثر لها محيطه بدرجة تكون أحيانا بسيطة، وفي حالات أخرى تكون قوية يتأثر بفعلها أشخاص المحيط، فيتعرض الذين يعيشون بنفس البيئة نتيجة ذلك لمواقف ضاغطة تصيبهم بأزمة صادمة، إلا أن مواجهتهم لهذه الصدمة قد تختلف باختلاف البنية النفسية لكل فرد. هناك من يستطيع الصمود في مواجهتها، وهناك من ينهار أمامها ويصاب بإحباط قد يؤدي به إلى حدوث اضطرابات نفسية مؤقتة أو مزمنة تستمر طوال حياته أو تنتابه بين الحين والآخر. يرى خبراء علم النفس بحسب تجاربهم أن عددا كبيرا من الناس، وخاصة في المجتمعات النامية قد ينجرفون وراء هذا التيار بطريقة لاشعورية. بينما فئة أخرى تتمكن من التغلب على الصعاب التي تعترضها لما تتميز به شخصياتهم من خصال لا تتوفر لدى عامة الناس، ويطلقون على هذه الظاهرة مفهوم المرونة النفسية (La résalience psychologique) أو القوة النفسية.
فمن أين تأتي هذه المرونة النفسية ؟ وما السبيل إلى اكتسابها وكيفية التحلي بها ؟
يرى الدكتور ناصر الدين أبو حماد، صاحب كتاب “الإرشاد النفسي والتوجيه المهني” بأن المرونة النفسية هي القدرة على مواجهة الشدائد والصدمات والتهديدات والأحداث الضاغطة التي تخلفها الأزمات الطبيعية أو البشرية والتغلب عليها والخروج منها بطريقة سلسة تعيد الشخص الذي تعرض لها إلى الوضع الطبيعي والسوي.
وإذا كان مصطلح المرونة يعود في الأصل إلى علم الفيزياء، بحيث تخص الطاقة التي يتم امتصاصها من طرف جسم في حالة التغيير والتشوه، وقدرة الجسم الصلب على مقاومة الصدمة حسب Test Charpy الذي يحدد كمية الطاقة التي تمتصها مادة أثناء الكسر، وهي أداة لدراسة الانتقال الذي يعتمد على درجة الحرارة المرنة. فقد أصبحت المرونة النفسية ظاهرة اجتماعية يدرسها علم النفس لتمكين شخص أصيب خلال مسار حياته بصدمة من محاولة تجاوز أزمته، وتفادي السقوط في مرحلة الإحباط أو الانهيار العصبي، وتمكنه من إعادة بناء شخصيته وتطوير ذاته.
وهذه المرونة إن كان علم النفس يعتمد عليها بدراسة النشأة المبكرة للشخصية التي أجريت عليها من خلال التجارب البناءة للأطفال تفاديا لإصابتهم بالصدمات النفسية، وحمايتهم من تطور الأحداث إلى أزمة نفسية، من ذلك مثلا فقدان قريب حميم، الإهمال الأسري، سوء المعاملة، العنف الجنسي، آثار الحروب… وأصبحت المرونة تعرف بأنها القدرة على العيش وتطوير الذات إيجابيا والتأقلم مع المجتمع بالرغم من المرور من صدمة أو معاناة قاسية. وذلك حسب أبحاث العالم النفساني الفرنسي (Boris Cyrulnik) من مواليد 1937، كان يعمل أستاذا ومديرا للأبحاث في جامعة تولون بجنوب فرنسا، ويرمز إلى المرونة بالشجرة التي قطعت فروعها، ولكنها ما فتئت أن تمسكت بالحياة وأنبت جذعها فروعا أخرى قد تكون أكثر صلابة من الأولى.
يمكن ملاحظة الشخص الذي يتمتع بمرونة نفسية من خلال مجموعة مؤشرات منها :
التفاعل المستمر بين الفرد والبيئة والحدث الضاغط مما يساعده على مواجهته بشجاعة، كما يحدث مثلا عند رسوب الطالب في الاختبار والتفاعل الإيجابي مع هذا الحدث وتحويله إلى نجاح في المستقبل بالمثابرة والاجتهاد.
العمل على النمو والتغيير الإيجابي لمواجهة الصدمة وتجاوز المحنة والسير قدما لتحقيق الهدف المنشود، ونستشهد هنا بلاعب كرة القدم المغربي البلجيكي مروان فلايني الذي رفض المدرب المغربي لفئة الشبان (جمال فتحي) سنة 2006 ضمه إلى الفريق الوطني لهذه الفئة بدواعي عدم توفره على المؤهلات المطلوبة لاحتراف لعب كرة القدم، ومع ذلك استطاع التألق مع المنتخب البلجيكي وأصبح من اللاعبين الكبار على الصعيد الدولي.
المرونة تمكن الشخص الذي أصيب بصدمة من تجاوز مخلفاتها بنجاح.
هي ظاهرة نفسانية تمكن الشخص الذي أصيب بصدمة في حياته من تخطي الحدث، وتفادي حالة الإحباط وإعادة ترميم نفسه. ولترسيخ المرونة لدى الشخص ينبغي تهيؤه لها مبكرا من خلال العمل على خلق تجارب بناءة للأطفال قبل احتكاكهم بصدمات محتملة، وذلك عن طريق الملاحظة والحوار، وفي حالات نادرة بواسطة العلاجات الطبية.
إن الإنسان في حياته كثيرا ما يتعرض لمواقف محرجة من أحداث وأزمات، أو يكون عرضة للنقد والتهكم والاستفزاز، أو يتعرض للإهانة والخسارة المادية، فإن كان يتمتع بالمرونة النفسية، سواء كانت طبيعية أو مكتسبة، فإن قدراته الداخلية ستقف حائلا دون انهياره وإصابته بالإحباط، حتى يسترجع قواه ويعود إلى حالته الطبيعية. فالإنسان السوي قد يتخذ موقفا من الأحداث بسعة صدر ورحابة نفس تتوقف على مرونته النفسية ومدى ثقته بنفسه. بينما الذي لا يتوفر على هذه الخصلة قد يتوقف عن مزاولة أعماله، ويستسلم للحدث أو تنتابه نوبة من الغضب.
بدأ الاهتمام بتصور المرونة النفسية انطلاقا من سنوات 1939 – 1945، حين اشتغلت عالمتا النفس الأمريكيتان Emmy Werner و Monique Gray على عينات من الأطفال في جزيرة هاواي الأمريكية تعرضوا لظروف عصيبة، وأصيبوا باضطرابات نفسية مرضية Psychopathologiques. وتوصلتا إلى أن تفادي هذه الحالات يعود إلى اكتساب مهارات فردية أو مؤثرات بيئية.
أما بوريس سيرولنيك فهو من قام بالترويج لمفهوم المرونة في وسائط الإعلام انطلاقا من ملاحظاته عن الناجين من الحرب أو الذين يتم إيداعهم في مراكز الاحتجاز، وكذلك أطفال الملاجئ الخيرية وأطفال الشوارع. كما يذهب إلى ذلك من خلال كتابه “رائعة الشر” (Un merveilleux Malheur) وأيضا كتابه “همس الأطياف” (Le murmure des fantômes) حيث طور نظريته حول الولادة الإنسانية من رحم الألم. ويرى هذا العالم بأن المتاعب والشرور ليست قدرا محتوما، بل يمكن للإنسان أن يتعافى من جميع الصدمات.
ولم تبق دراسة هذا المفهوم مقتصرة على مناعة الأشخاص من التأثر بالصدمات والأحداث المفاجئة، فهناك حالة الذين يقومون بالسهر على مرضى الزهايمر أو المصابين بأمراض عقلية وما يقاسونه من معاناة في ذلك. وأيضا عند القيام بالإسعافات الجماعية في حالة الكوارث ، وتدعى المرونة الجمعوية لمحاولة إعادة بناء شخصية المصابين بصدمات الحادث.
ويلخص بوريس سيرولنيك المرونة النفسية بأنها القدرة التي يمتلكها بعض الأطفال للتغلب على مختلف الصدمات، وتجاوز الصعوبات التي تنتابهم، مثل الحزن المبكر على فقدان أحد الأبوين أو التخلي عنهم أو سوء المعاملة والعنف الجنسي، وظروف الحرب، إلى غير ذلك.
كيف يمكن تجاوز مخلفات الصدمة؟
هذا السؤال يمكن أن يجيب عنه الأشخاص الذين أصيبوا خلال حياتهم أو تعرضوا لصعوبات، وقاسوا المحن كأولئك الذين كانوا ضحايا الهجمات، والأطفال الذين أسيئت معاملتهم، أو الناجين من معسكرات الاعتقال، أو الذين يعانون أمراضا خطيرة.
لسنوات طويلة والاختصاصيون يميلون إلى الاعتقاد بأن المآسي الشخصية تقود إلى علم النفس المرضي، مثال ذلك أن الطفل المعتدى عليه سيصبح بالضرورة منحرفا، كما أن الأب المعنف لأولاده يكون مجرما. إلا أن البحوث الحالية أصبحت تتجه نحو الإمكانيات التي تسمح للأشخاص الذين مروا بالظروف العصيبة أن يسترجعوا التحكم في مسار حياتهم بشكل طبيعي وسوي نسبيا، حيث تفاجأت الباحثتان Werner و Smith عندما أخذتا عينات أشخاص من جزر هاواي كانوا يعانون صعوبات في صغرهم من الفقر والتعنيف، وعاشوا في بيئة أسرية تتصف بشجار الوالدين، والتطليق وتناول الكحول أو مصابين بأمراض عقلية. لكن نسبة مهمة منهم (حوالي الثلث) لم يتأثروا بهذه البيئة السيئة ولم ينحرفوا، بل استطاعوا أن يكونوا من أنفسهم أشخاصا أسوياء، واستفادوا من أي فرصة إيجابية أتيحت لهم. ولوحظ حتى البعض ممن عانوا من مشاكل الانحراف في فترة المراهقة، قد عادوا إلى جادة الصواب عند بلوغهم سن الرشد، وخاصة مع تحملهم مسؤولية الحياة، سواء بعد قضاء الخدمة العسكرية، والزواج، والتحمل العائلي وإنجاب الأولاد، والالتزام بالتدين.
ومن هنا ظهر مفهوم المرونة رغم كونه لا يزال معروفا بدرجة ضئيلة لدى فئة عريضة من الناس وخاصة بالبلدان السائرة في طريق النمو. هذا المفهوم الذي يعني القدرة على التعايش والصمود في مواجهة الظروف المؤلمة بشكل خاص، والمقاومة الحركية التي يتفاعل بواسطتها المرء تفاعلا إيجابيا لإعادة ترميم حياته بشكل مرض نسبيا.
طاقة غير مرئية
المرونة بعد تطور الأبحاث والدراسات لم تبق تختص بمجال الأطفال فحسب، بل اهتمت كذلك بالبالغين والكبار، من خلال بحوث Gustave Nicolas Fischer من جامعة ميتز بفرنسا، حيث شملت أشخاصا عانوا وضعيات قاسية تتعلق بعدة مجالات، منها :
أمراض مميتة (كالسرطان والسيدا)، الحرب ومراكز الاحتجاز، وفقدان قريب عزيز. حيث لاحظ أن هناك أشخاصا عانوا من هذه الوضعيات، واستطاعوا اغتراف الطاقة الكامنة في أعماقهم للتغلب على المحن، وسمى كتاب بحثه “الطاقة الخفية” Le ressort invisible)). فهناك من الناس مهما تقدم بهم السن، يتمكنون من تحدي الظرفية الصعبة، والتمسك بالاطمئنان والتفاؤل بما تبقى لهم من العمر، وإيلائهم اهتماما بالألم أقل مما يولونه للحياة مهما أصبحت قصيرة فينبغي تثمين محاسنها. وذلك بناء على شعورهم بالدعم والمساندة من الأقرباء والأحباء التي تمنحهم الإحساس بالمعنى الحقيقي للحياة وتشحنهم بالطاقة العاطفية.
المرونة النفسية تحتاج إلى ربط علاقات مبنية على العاطفة والثقة المتبادلة. فالمعتقل أو السجين، والمحبوسون كرهائن، ولهم عائلات وأحباء في انتظار الإفراج عنهم للقاء بهم من شأنه أن يساعدهم على تحمل المعاناة والتمسك بالأمل وتجاوز الصدمة ومقاومتها، حتى يغادروا المعتقل سالمين نفسانيا وعقليا عند معانقة الحرية وملاقاة من ينتظرهم. كما أن اكتساب الشخص الذي يوجد في وضعية صعبة المهارات المعرفية باعتبارها تهدف إلى إيجاد معنى في الحياة، وذلك بوضع إستراتيجية ومخطط قصد تحقيق الغرض المعين، مما يؤدي به إلى تجاوز المعاناة والابتعاد عنها بالمثابرة وإعادة بناء الشخص لذاته في حالة التعثر، وسماها البروفسور النمساوي، أستاذ التحليل النفسي والجهاز العصبي، فيكتور فرانكل “المعالجة المنطقية”، تعتمد على الحاجة (الضرورة) لإيجاد معنى للحياة.
هناك مجموعة أخرى من عوامل الحماية النفسية تتعلق بمفاهيم نظرية علم النفس عند برونو بيتلهيم عالم النفس والتربية وهو أمريكي من أصل نمساوي من خلال كتابه “التحليل النفسي لقصص الساحرات”. تنطلق هذه المفاهيم من التأثير الذي تخلفه الحكايات الأسطورية التي تقدم للأطفال، حيث اعتبر أن سحر الأطفال بالحكايات الخرافية له تفسيرات رمزية لها علاقات مع اللاوعي، وذلك انطلاقا من دراسات فرويد وفون فرانز. يقدم برونو بيتلهيم صورة منفصلة للعلاقة بين الطفل والحكايات الخرافية مع التركيز على قيمتها العلاجية للطفل، كتفاعله مع الحيوانات من خلال القصة. كما يرى أنه من أجل البقاء على قيد الحياة، على المرء أن يطيع الأوامر ولو كانت مهينة، لكن ليس بتغيير ما بداخله كشخص، حيث يفترض أن يبقى محافظا على ارتباطه باحترام نفسه. بيتلهيم نفسه سبق أن كان معتقلا من طرف النازية خلال الحرب العالمية الثانية وذاق قساوة التعذيب بمعسكر الاحتجاز بمدينة داشو الألمانية. ورغم كونه محللا نفسانيا، فقد انتحر بعد أن فقد زوجته وهو في سن الرابعة والثمانين.
أما أستاذ علم النفس والأعصاب Victor Emil Frankl ( 1905-1997) والذي سبق أن اعتقل صحبة عائلته بأحد مراكز الاحتجاز النازية بالتشيك سنة 1942 ، فيستخلص من خلال تجربته في الاعتقال في كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى”، بأن ما يمكن أن يساعد الإنسان على تحمل أسوء الظروف هو معرفته بأن للحياة معنى، وأن هناك أكثر من سبب للعيش. لذى ينبغي على الفرد أن يتسم بنظرة متفائلة إزاء المستقبل، والإدراك الإيجابي للذات وللعالم.
هناك عوامل أخرى تلعب دورا أساسيا في قدرة الشخص على الصمود في وجه الشدائد والمحن التي تعترضه، والتحلي بالمرونة النفسية، عليه أن يستوعبها ويعيها جيدا إذا أراد ممارسة حياة مستقيمة تتحلى بالاتزان والتوازن والانضباط، ونخص بها علاقة الفرد ببيئته العاطفية والنفسانية، وكذلك تاريخ حياته، لمقاومة الانزعاج والعدوان. إذ أن المرونة النفسية تعتبر بالنسبة للعلوم الاجتماعية (علم النفس والسوسيولوجيا) بمثابة النموذج الحركي الذي يؤدي إلى الاندماج الإيجابي تجاوزا للمحن والصعوبات مهما كانت درجة وقعها، وتحدي الصدمات.
أماJacques Lecomte أستاذ علم النفس الفرنسي من مواليد 1955، فيصف المرونة النفسية بأنها قدرة الشخص أو المجموعة على تطوير الذات والاستمرار بعزم على استشراف المستقبل بالرغم من الأحداث المتقلبة وظروف الحياة الصعبة والصدمات القوية، والتأكيد على العلاقات العاطفية مع الأقارب.
ومن هنا نجد أن جل الاختصاصيين في علم النفس يؤكدون على أن هذه المرونة تتطلب لكي تنمو توفر بيئة مناسبة تعتمد على روابط اجتماعية سليمة، وعلاقات متسقة مع الأصدقاء والأقارب، وتعلم مهارات الحياة، وتوفير الدعم والرعاية والحب والتدعيم من طرف المحيط.
ويتمتع الأفراد ذوو المرونة النفسية بصفات قد تكون جينية متأصلة، وقد يعملون على اكتسابها عن طريق تطوير الذات. ومنها : الصبر على الشدائد والمحن، التسامح مع من نتعامل معهم، الاستبصار للوصول إلى الهدف عن طريق الفهم الواضح والتعلم المباشر، الاستقلال، الإبداع، روح الدعابة والمرح، روح المبادرة، تكوين العلاقات الاجتماعية والمساهمة بتبني القيم الإيجابية. وأيضا القدرة على تقبل النقد والتعلم من الأخطاء. القدرة على تحمل المسؤولية والقيام بها، والقدرة على اتخاذ القرارات المناسبة. الإيمان بأن الضغوط والشدائد ليست قدرا محتوما، بل هي عوارض لابد من حدوثها في حياة الفرد، لدى ينبغي تحديها بقوة وعزيمة وثقة بالنفس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *