الرئيسية / ميساج / الوطن الذي نريد ..

الوطن الذي نريد ..

بعد أن بات الكل يقر بأن مظاهر التدهور والانحطاط في التنمية، تعود بالأساس إلى فشل التربية التعليمية والوطنية والثقافية.. فشل أسدل ستائره على كل القطاعات العمومية والخاصة. وبعد الوقوف على ما يجري ويدور بخصوص واقع التربية بكل أشكالها التعليمية والوطنية والثقافية. وما أفرزته وتفرزه من كائنات سياسية ونقابية وجمعوية وحقوقية وفضولية،.. تزاحم الكفاءات والشرفاء. حيث الكل باتوا يفقهون في كل شيء.  يفرضون آراءهم في تدبير كل المجالات.. حتى ولو كانت أفكارهم ورؤاهم تافهة أو تعارض القوانين المنظمة ودستور البلاد..

أدلة وقرائن ووقائع، توحي وكأن القيمين على قطاعي التربية والثقافة يسبحون في بحور وأودية خارج تراب المغرب. لا أحد جاد في البحث والتنقيب من أجل توفير حلول وبدائل وتقديم النصائح اللازمة. في أفق بناء (الوطن) الذي نريد. فالمغربي لن يقبل بتسميته (مواطن)، إلا إذا نال كل حقوقه التي يضمنها له دستور البلاد. وفي مقدمتها التربية والتعليم والثقافة والصحة وحرية الرأي..  والمغربي لن يكون (مواطنا صالحا)، بوطنية وغير أكيدة على سمعة وشرف البلد الذي يحتضنه. إلا إن تجسدت له تلك الروح في من يحكمونه، في سكونه وترحاله. والوطنية لا تقف عند قيام المواطن بالواجبات التي يفرضها الدستور أو المهنة أو الوسط… ولكنها تتجاوزه إلى التضحية والقيام بالأعمال التطوعية والمبادرات الهادفة… ولتحقيقها لابد أن يكون للمواطن قائد وقدوة في قمة هرم المسؤولية.

لن نحصل على مسار تنمية صحيح ومجد، ما دمنا نحصر (قيم المواطنة) في الخضوع والخنوع والامتثال للنخب. ونحصر الوطن في البلد، ونقيس درجة المواطنة بمستوى الولاءات للحكام. لن نتقدم شبرا واحدا عن رفقائنا داخل عدة دول، العالقين منذ سنوات في وحل (الانتقال الديمقراطي)، والمصنفين منذ عقود ضمن ما يعرف ب(دول العالم الثالث) أو (الدول السائرة في النمو) .. ما دمنا لا  نغذى أطفالنا وشبابنا بقيم المواطنة الحقة، التي تفرضها الإنسانية والطبيعة بكل تجلياتها. لن نرقى بتعليمنا وثقافتنا، في ظل ما يعرفه القطاعين من قصور وتجاوزات وثغرات.. وما دامت المبادرات والمخططات والمشاريع والرؤى الحكومية دخيلة ومستوردة، يسكنها الهاجس الأمني والرغبة في الهيمنة والاستمرار تحت وصاية (العم سام) و(الخالة فرنسا) ومن يدور في فلكهم. حيث وهم الأمان وزيف التنمية.

لن نختزل (قيم المواطنة) في الامتثال لقوانين ومساطر لا تخدم الإنسانية برمتها. لأنه من العيب والعار أن نسمي سلوكات تخدم فئة بشرية، وتضر فئات أخرى، بقيم المواطنة. لأن هذه الأخيرة ببساطة تدخل ضمن قيم الإنسانية المطلقة والمفروض أن تضمن حقوق وواجبات كل إنسان بغض النظر عن جنسه أو عرقه أو دينه..

إن المواطنة الحقة تقتضي أن يحظى أطفالنا وشبابنا بالتربية اللازمة في كل المجالات السلوكية والتعليمية والثقافية والصحية والرياضية و… وأن يكون هناك في قمة الهرم شرفاء يؤمنون بقدرة الأجيال على تسريع عمليات الانتقال بدون حاجة إلى دعم ملغم  هم أصحابه ثرواتنا الطبيعية وتدمير طاقاتنا البشرية وإعادة الاحتلال.. هي إذن دعوة للإيمان والتحلي بروح الإصلاح لمفاهيم التربية قبل الانكباب على تنفيذ إصلاحات في معظمها غير جادة، تزيد الشعب إحباطا ويأسا وانحطاطا..

واهم من يظن أن التسويق الإعلامي للكذب والبهتان والتضليل، مع بروز كل  حدث أو حادث بالمغرب، هو مجرد سوء فهم أو نسخ أو عدم إدراك لما يجري ويدور. واهم من يربط أساليب الانتقاد والتحقير والتنقيص والاستخفاف والتسفيه التي يسلكها البعض ضد الإدارات والقوانين والمسؤوليات دون أدنى بحث أو تمحيص، بمستوى وعي هؤلاء  ومدى رضاهم أو سخطهم على أوضاعهم المعيشية ، ودرجة الاحتقان التي رسخت لديهم ضد بعض المسؤولين والمنتخبين. واهم من ينكر الروابط المتينة المتجلية بين كل أطراف العفن الإعلامي والخبث السياسي، الذي يصاحب الأحداث ذات المطالب الاجتماعية. وخيوط العناكب التي تحاك بها عمليات الركوب على الأحداث الصغيرة والكبيرة، بهدف شغل تفكير واهتمام المغاربة وشحنهم بالغل والحقد وعدم الثقة بكل محيطهم. واهم من يرى في الكذب والتضليل وصناعة الأخبار الزائفة،أساليب للردع. وفي تحقير القوانين  والمسؤوليات وتسفيهها، سبلا للإنصاف. واهم من يظن أن كل المسوقين لأشرطة فيديو الجنس والاغتصاب والفضائح، وخصوصا تلك الفئة التي تنفخ في الأحداث، بإعادة نشر تدوينات وصور و شرائط فيديو قديمة، تزيد من لهيبها، .. يسعون بالأساس إلى معاقبة الظالمين وإنصاف المظلومين. بل إنهم يلهثون من أجل التخطيط لعملية اغتصاب جماعية لهوية وثقافة الشعب المغربي وضرب أمنه واستقراره. وخصوصا تلك الفئة المستأجرة والنائمة في رخاء وسخاء خلف الحواسيب والهواتف الذكية، بفضل ما تتلقاه من نعم رواد العملات الأجنبية.  مهمتها محاولة تجييش شعوب مواقع التواصل الاجتماعية، حيث الأطفال واليافعين أكثر ولوجا وتجاوبا.    إن وراء كل هذا الغزو الإعلامي واللهط الأجنبي مهندسين وخبراء في علوم الفتن والهدم والخراب. يسعون وراء تفكيك الشعوب والترامي على ثرواتها، بتحريف أهدافها وفرض ولائها لهم. لا يترددون في ضرب أي جهة لا تواكب مصالحهم وأهدافهم. هؤلاء لا يعيرون اهتماما لما يعيشه المغاربة من معاناة، ولا ما تتعرض له فتاة من اغتصاب أو عنف، أو ما يلحق بطالب حق أو خدمة من إقصاء وتهميش وما..، بقدر اهتمامهم بأساليب توظيف تلك المعاناة وضحاياها، لتوسيع الفرقة بين أفراد الشعب الواحد، وبينه و بين من يتدبرون شؤونه. والظهور بعدها بمظاهر أبطال الوهم الأجنبي(السوبر، السبيدر، البات.. مان)، الذين بعثوا لنجدتهم وإنصافهم.

فقد أصبح من اللازم إعادة النظر في طرق التعامل مع الأحداث والوقائع، بحزم وعزم. من طرف كل الأجهزة والسلطات المعنية. بداية من أولى السلط (الحكومة)، وحتى السلطة الخامسة التي جمعت بين الفاعلين الجمعويين ونشطاء العوالم الافتراضية.. ومرورا بكل السلط (القضائية، التشريعية، الإعلامية). ومعالجة كل الأحداث وفق ما تقتضيه خصوصياتها وما تفرضه قوانين البلاد وثقافتها وهويتها. وبات من الواجب الضرب بمطرقة من حديد صلب على رأس الخونة والانفصاليين، وحماية المواطنين المغاربة من فتنهم وإغواءاتهم.  بات من الواجب السهر على تمكنين الشعب من الأخبار والمعلومات الكافية عن كل حدث أو حادث، لكي لا ينساقوا وراء مروجي الأكاذيب والمضللين. الذين يرغمونهم أو يستدرجونهم للتشبع بالكراهية والحقد.  لم نعد ندرك ما نريده من المدارس والمساجد والسجون والمرافق الرياضية والثقافية والفنية والجمعوية، ولا من الدكاكين السياسية والنقابية والحقوقية. فبإدراكنا للأهداف الحقيقية لتلك المرافق العمومية والتنظيمات والتشكيلات والتلوينات المجتمعية، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو ترسيخ هوية وثقافة المغاربة الأحرار، ونكون قد رسمنا سبل التخلص من المجرمين والخونة والأشرار، وحماية العقل المغربي من الانحراف والضياع. وأثثنا لمغرب جديد. بنماذج تنموية جديدة، تقودها الكفاءات. إن واقع الحال يؤكد أن الشعب هو من يغذي الفساد. وإن الفساد المستشري بكل القطاعات العمومية والخاصة، ليس سوى مظهر من مظاهر التخلف والتفكك التي تسكن الشعب، وتعيق نهضته. فلا بأس إذن أن تنتهك أمنا الأرض وتداس بأقدام قذرة وأجساد نتنة. وأن نبقى عرضة لكل أنواع الاغتصاب الثقافي والتعليمي والفكري والسياسي و..إلى أن يعي الشعب بضرورة حماية أرضه وعرضه.. وأن يدرك أن العرض لا ينحصر في الزوجة والأولاد..ولا في الحسب والنسب.. بل في الوطنية الأكيدة والهوية المغربية وأمنا الأرض.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *