الرئيسية / كتاب البديل / الوكيلي يتسائل بخصوص ملف أطر الأكاديميات…هل هذا تقصير إعلامي؟!

الوكيلي يتسائل بخصوص ملف أطر الأكاديميات…هل هذا تقصير إعلامي؟!

هل هذا تقصير إعلامي؟!

ربما كان من الطبيعي والعادي أن نسمع أو نشاهد بين الحين والآخر وقفات احتجاجية ومظاهرات واعتصامات أمام بوابة وزارة التربية الوطنية وأكاديمياتها الجهوية ينخرط فيها من يسمون أنفسهم خطأً “أساتذة متعاقدين” انطلاقا من فهمهم.. غير الصائب يقيناً.. لمسألة توظيف مؤقت ومتجاوَز انتهى العمل به في حينه.. ولم يعد بالتالي ذا موضوع قابل للمناقشة.. إذ قد عفا عنه الزمن وتجاوزه الواقع القائم بحوالي خمس سنوات.

لكن الذي لا يبدو طبيعيا ولا عادياً.. هو أن يكون الإعلام بمختلف وسائله.. حتى النظامية منها والرسمية.. في غفلة عن هذا الموضوع.. البسيط في مفهومه.. والذي لا يحتكم إلى أي مصدر غير القانون.. ولا شيء غير القانون!!

إنني أقف هنا عند الإعلام ووسائله لسبب مهني أساسي.. يتمثل في انبراء الوسائل الإعلامية المتدخلة في هذا الأمر والناقلة لوقائعه إلى طرح أسئلة تنم عن انحياز غير مفهوم ولا مبرَّر إلى جانب الطرف المشتكي والمتظاهر والمعتصِم.. وتوحي بتجريم مُسٌبَق للطرف الثاني الرسمي في آلية التوظيف الجهوي.. المتمثل في الإدارات الجهوية للمنظومة التعليمية.. أي الأكاديميات…
فما هي أوجه الغرابة في هذا الموقف الإعلامي غير المفهوم؟

أولا: هناك ضرورة قصوى.. جعلت السلطة التعليمية تلجأ إلى آلية التوظيف الأكاديمي يفرضها توجه سياسي/إداري لا رجعة فيه بدأ الأخذ به في السنوات القليلة المنصرمة.. ألا وهو البدء عملياً في تنزيل ومأسسة “التدبير الجهوي المتقدِّم” للشأن العمومي برمته.. وللشأن التعليمي بتحصيل الحاصل.
ومَن لم يتفهم هذا التوجه العمومي في تدبير شؤون البلاد.. فما عليه إلا أن يعود لمدخلات ومخرجات التنظيم الجهوي المتقدم أو الموسع.. ويعود أيضا للقانون 07.00 المؤسِّس للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.. ليطّلع على المرتكزات الأساسية لهذا الإحداث.. والتي تجعل للأكاديميات الجهوية استقلالا إداريا وماليا يفصلها من الناحيتين الإدارية والمالية عن سلطة التعليم المركزية.. وهو التدبير المتلائم مع التوجهات العامة للجهوية المتقدمة.. التي تأخذ بها راهنا كل القطاعات الحكومية على الأصعدة الجهوية والإقليمية والمحلية.. وهذا ما سبقت المطالبة به من لدن المجتمع المغربي.. بمختلف مؤسساته وهيئاته ومكوناته.. للقطع مع التدبير الممركز.. لفائدة إدارة جهوية وإقليمية ومحلية للشأن العام.. وهذا بالذات.. هو الخيار الذي لا رجعة فيه بالنسبة للدولة والأمة وكافة مكوناتهما بلا أدنى استثناء…
وحين نقول إنه توجه لا رجعة فيه.. فمعنى ذلك أن كل الخيارات والقرارات المندرجة في إطاره لا يمكن من الآن فصاعداً أن تعود القهقرى إلى الوراء باتجاه المركزية والتمركز مهما كانت الظروف والإكراهات.

ثانياً: هناك من جهة.. شباب في حاجة إلى شغل..
وهناك من جهة ثانية..إدارة في حاجة إلى أطر…
ثم هناك من جهة ثالثة.. استحالة للرجوع إلى آليات التوظيف المركزي للأسباب سالفة الذكر.. والتي يأتي في مقدمتها خيار تنظيم الشأن العمومي في نطاق “الجهوية المتقدمة”.. القائمة على مبدأيْ اللامركزية واللاتمركز.. علما بأن هذا كان مطلبا شعبيا ومجتمعيا تم التعبير عنه طوال السنوات الماضية بكل الوسائل…

ثالثاً: إن الفرقاء الاجتماعيين للسلطة التعليمية عبروا بوسائلهم المشروعة عن انخراطهم التام في التنزيل الفعلي والعملي للجهوية المتقدمة.. على إثر الانخراط في أشكال مختلفة من الحوار الوطني بخصوص هذا الخيار الإستراتيجي.. الذي أقررنا جميعا بأنه لا رجعة فيه.. وبالتالي فقد قبلنا جميعا بكل نتائجه وإكراهاته.. وقد كنا جميعا مدركين للصعوبات التي لابد أن يطرحها هذا التحوّل الجذري في تدبير شؤوننا العامة.. وذلك بالنسبة لجميع القطاعات.. ولكافة الأطراف وليس لطرف دون غيره.

رابعاً: إن هذا الإتفاق.. المدروس من لدن جميع الأطراف.. لم يرق أفراد الطرف الذي تم توظيفه من لدن السلطة التعليمية الجهوية.. فصار يعبّر عن رفضه المفاجئ من خلال “تنسيقيات” أنشأها لهذا الغرض لتكون بديلا عن المركزيات النقابية.. ومن ثم بدأت هذه التنسيقيات في اتخاذ مبادرات لا يمكن أن تكون مشروعة لأنها لا ينظمها أي قانون.. ولأن التنسيقيات ذاتها ليست مؤسسات مقننة.. وبالتالي لا يسعها أن تكون بديلا عن الهيئات النقابية بمجرد جرة قلم.. وبالرغم من ذلك.. حاولت الإدارات التعليمية المركزية والجهوية التحاور معها بكل الوسائل المتاحة حفاظا على شعرة معاوية.. وحتى لا يتهم أحد الإدارات التعليمية.. والجهوية منها على الخصوص.. بإيصاد أبواب الحوار.

خامساً: وهنا تأتي معضلة الإعلام العمومي والخصوصي على السواء… حيث نجد مختلف وسائل الإعلام تطرح أسئلة أقل ما يقال عنها إنها تنم عن جهل مطبق بجوانب هذا الملف.. بل وتشي بإهمال غريب للخيار الإستراتيجي للدولة المغربية.. الذي يقطع كلياً مع كل أشكال التدبير وبالتالي التوظيف المركزي والممركَز.. لفائدة تدبير وتوظيف جهويَيْن متقدمَيْن يستجيبان لمتطلبات التنظيم الجهوي الموسَّع والمتقدِّم.. الذي أقررنا جميعا بأنه لا رجعة فيه.

إن وسائلنا الإعلامية.. العمومية والخصوصية.. حين تطرح أسئلتها حول مدى مشروعية موقف الدولة أو موقف الأساتذة.. الذين تم توظيفهم وإدماجهم جهويا.. فإنها تتجاوز عن خيار الجهوية المتقدمة غير القابل للعودة إلى الوراء.. وتتجاهل بالتالي آليات التدبير والتوظيف الجهويين.. اللذين حلا حلولا تاما محل التنظيم المركزي السابق والبائد.

معنى هذا أيضاً.. أن وسائلنا الإعلامية عليها أن تواكب التحول الهائل الذي أقبلت عليه الدولة والمجتمع بجميع مؤسساتهما بمجرد إقرارهما لخيار الجهوية المتقدمة.. وأن تبذل بالتالي جهدا مشكورا في تطوير أسئلتها لتتلاءم مع هذا الخيار لأنه صار من ثوابت الدولة والأمة.. وتحاول بذلك أن تقرّب الشقة بين طرفي هذا النزاع المفتعَل.. حتى لا تستمر بأسئلتها الإخبارية أو التحليلية المتذبذبة في تشجيع الأطر المحتجة على المزيد من التصلب والتشدد غير المبرَّرين.. مع العلم بأن التوظيف الجهوي قد تطور منذ سنة 2018 واتخذ سبيلا أقرب ما يكون إلى التوظيف المركزي السابق في أسلاك الوظيفة العمومية.. بحيث جاء مستجيبا لشروط التكوينين الأساسي والمستمر.. وتنمية الكفاءات.. والترقية.. والتقاعد.. فضلا عن احترامه الشديد لمتطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للموظفين الجهويين للقطاع عن طريق التقيد بتعيينات تتناسب مع الظروف الاجتماعية والأسرية للموظفين في محيطهم الجهوي والإقليمي والمحلي.

على وسائلنا الإعلامية أن تتفهم قبل غيرها أن الإدارة المغربية هي الآن بصدد تصفية تركتها الموروثة عن تنظيم مركزي وممركز أكل عليه الدهر وشرِب.. وصار جزءًا من ذكريات ماضٍ يسيرُ إلى زوال.. لحساب تنظيم جهوي موسع ينقل بلادنا إلى المستقبل وإلى آفاق تدبير لامركزي متقدم وأكثر استجابة للتنمية في مفهومها المستدام.

خلاصة القول.. أعتقد أن على وسائلنا الإعلامية.. المعنية بهذا المجال.. أن تتجه قبل طرح أسئلتها إلى الإدارة التعليمية لأخذ علم بمختلف جوانب هذا الملف قبل أن تتخذ مواقف توحي بتشككها في براءة ذمة إدارة تتهمها التنسيقيات بممارسات خيالية ووهمية لا صلة لها بالميثاق القائم بينها وبين الموظفين الجدد للمنظومة التربوية في صيغتها الجهوية الموسعة…

الكرة الآن في معسكر إعلامنا في شقيْه العمومي والخاص…
محمد عزيز الوكيلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *