الرئيسية / اقلام حرة / ذكرى “الإستقلال” و”المسيرة الخضراء” : دلالات و عبــــر

ذكرى “الإستقلال” و”المسيرة الخضراء” : دلالات و عبــــر

-عزيز لعويـســي

في حياة الأمم والشعوب أيام خالدة ومناسبات وأعياد مجيدة، يتم تخليدها والاحتفاء بها ليس فقط من باب الفخر والاعتزاز بالماضي والتاريخ المشرق، ولكن باعتبارها مرآة عاكسة للهوية المشتركة حافظة للوعي الفردي والجماعي وحاضنة للموروث، والمغرب بتاريخه العريق وحضارته المزدهرة المتعددة الروافد، له من الأحداث الكبرى والمحطات المشرقة، في طليعتها “حدث الإستقلال” الذي شكل منعطفا بارزا في تاريخ المغرب المعاصر، يفصل بين زمنين : “زمن الحماية ” بكل مارافقها من استغلال متعدد المستويات، و “زمن الحرية والانعتاق” و”الشروع في بناء أسس الدولة الحديثة و “استكمال الوحدة الترابية”، ففي الزمن الأول يحضر مسلسل طويل من الكفاح من أبرز محطاته حدث تقديم “وثيقة المطالبة بالإستقلال” (11 يناير 1944) و”حدث ثورة الملك والشعب”(20 غشت 1953)، وفي الزمن الثاني يبزغ فجر الحرية و الاستقلال الذي شكل خطوة أولى في مسار النهوض وبناء الذات موازاة مع استكمال الوحدة الترابية، و هنا تحضر عدة محطات تاريخيـــــــــة مشرقة في طليعتها حدث المسيرة الخضـــراء (6 نونبر 1975) التي تبدو اليوم كلوحة عصية على الفهم و الإدراك من توقيع ملك “عبقري” و شعب “بطل”جسد أروع صور الوطنية و التضحية و الوفاء و نكران الذات، وعليــــه فإشراقة على التوالي “الذكرى 43″ للمسيرة الخضراء المظفرة، و”الذكرى 63” لعيد الإستقلال المجيد، تسمح باستحضار الحدثين وما يرتبط بهما من أحداث ومناسبات خالدة، ليس من باب “النوستالجيا” التاريخية أو إعادة سرد ما كتب حول حقبة الاستعمار و ما بعدها، ولكــــن تحكمت فيه أساسا الرغبة في رصد وتتبع ما يحملانه من دلالات وعبر وقيم وطنية وإنسانية، في واقع معيش يعرف أزمة في المواطنة والقيم والمبادئ والأخلاق.

-ذكرى الإستقلال: محطة مشرقة من تاريخ حافل بقيم الوطنية والتضحية والوفاء.
المعالم الأولى للوعي الوطني جسدتها المقاومة المسلحة(العسكرية) التي تحملت وزرها القبائل في الجنوب والصحراء والأطلس المتوسط والريف وجبالة والأطلس الكبير والصغير، تحت إشراف زعماء كبار أمثال”أحمد الهيبة ومربيه ربه”،”موحى أوحمو الزياني”،”محمد بن عبدالكريم الخطابي”، و”عسو أوبسلام”، واجهوا المستعمر بكل بسالة رغم محدودية الوسائل والإمكانيات، بل وأحرجوه في عدد من المواقع والمعارك الخالدة (معركة سيدي بوعثمان(1912)، معركة الهري(1914)، معركة أنوال (1921) ، معركة بوكافر(1933)…)، مجسدين بذلك أروع ملاحم الكفاح والتضحية والوفاء دفاعا عن حوزة الوطن.

رغم توقف المقاومة المسلحة وتمكن سلطات الاحتلال من بسط نفوذها على كل التراب الوطني، فقد استمرت عجلة الكفاح في الدوران في المدن في ظل نشأة “الحركة الوطنية” التي ضمت نخبة من المثقفين الشباب الذين آمنوا بالعمل السلمي وجعلوه استراتيجية لمواجهة المستعمر وفضح سياساته الظالمة، وفي هذه المرحلة (مرحلة الثلاثينيات) يمكن الانطلاقة من حدث بارز جسد بوضوح الحس الوطني وكرس الإحساس الجماعي بالإنتماء إلى وطن واحد، ويتعلق الأمر هنا بإصدار السلطات الاستعمارية للظهير البربري (30 ماي 1930) كمحاولة للتفرقة بين مكونات المجتمع المغربي (عرب وأمازيغ) في إطار تنزيل سياسة “فرق تســد”، إلا أن هذا الظهير لم يحقق الأهداف والمقاصد التي رسمت له، بعدما تصدى له المغاربة بجميع أطيافهم بالرفض والتنديد والاحتجاج مجسدين بذلك مفردات الوحدة والوطنية الصادقة والتضحية ونكران الذات، وقبل هذا وذاك عبروا عن “الهوية المشتركة” وقوة الإنتماء إلى وطن واحد يقتضي توحيد الصف والانخراط اللامشروط في كل تعبيرات المقاومة والاحتجاج، الأمر الذي تحملته “الحركة الوطنية” التي واجهت المستعمر بكل الوسائل الممكنة (تأسيس الجرائد والمجلات، بناء المدارس الحرة، تأسيس الأحزاب السياسية، مقاطعة السلع والبضائع الأجنبية، الاحتفال بعيد العرش كرمز للوحدة الوطنية … إلخ)، ومن تجليات هذا النضال المتعدد المستويات، تقديم “برنامج الإصلاحات” (1934) على التوالي لسلطات الاحتلال بالمنطقة الفرنسية( السلطانية) والمنطقة الإسبانية(الخليفية) في إطار “رؤية” مبكرة آمنت بالإصلاح في إطار الاستعمار، لكن المطالب الإصلاحية ووجهت بالرفض، لتشتد المواجهات والاحتجاجات على سياسة الاستغلال الاستعماري ( السطو على الأراضي الزراعية التي يملكها الفلاحون المغاربة ، تحويل مياه واد بوفكران لتسخيرها في سقي أراضي المعمرين الفرنسيين …) وقد واجهت الإقامة العامة هذه الأوضاع المضطربة بالقمع و تضييق الخناق على قادة الحركة الوطنية ( نفي ، فرض الإقامة الجبرية …) .

خلال فترة الأربعينيات سوف تعرف الحركة الوطنية عدة تطورات، من سماتها البارزة تجاوز رؤية المطالبة بالإصلاح وتبني نهج “المطالبة بالإستقلال”، إذ أصدر حزب الإستقلال وعددا من الشخصيات الحرة، وثيقة “المطالبة بالإستقلال” (11 يناير 1944)(1)، وهذا التحول الجدري استفاد من المتغيرات الوطنية والدولية (الظروف الخارجية الدولية المرتبطة أساسا بمجريات الحرب العالمية الثانية التي انخرطت فيها الدول الإمبريالية، ومنها احتلال الدولة المستعمرة (فرنسا) من قبل القوات النازية، صدور “ميثاق الأطلسي” (1941م)، لقاء أنفا بالدار البيضاء ( 1943م ) الذي أبدى فيه الرئيس الأمريكي (روزفيلت) تفهمه وعطفه ببذل الجهد لتحقيق الأماني المغربية في الاستقلال بعد نهاية الحرب، تعزز الحركة الوطنية بظهور أحزاب سياسية جديدة (حزب الإستقلال وحزب الشورى والإستقلال والحزب الشيوعي …)، إقبال العمال المغاربة على العمل النقابي، النجاحات التي حققتها الحركات الإستقلالية بالمشرق العربي والتي مهدت للإستقلال وشكلت بذلك دافعا محفزا لزعماء الحركة الوطنية …)، وقد أبدا السلطان محمد بن يوسف مواقف إيجابية حيال القضية الوطنية في عدد من المحطات التي أكد فيها على ضرورة استقلال المغرب منها “خطاب طنجة” (1947) و”خطاب العرش “(18نونبر 1952)، مما شكل دعما قويا للحركة الوطنية وزعمائها.

كما كان متوقعا ، فقد واجهت سلطات الاستعمار المطلب المغربي بأساليب عنيفة تجسدت في شن جملة من الاعتقالات التي طالت عددا من الموقعين وآلاف الأشخاص واقترفت عددا من الإعدامات دهب ضحيتها آلاف من المغاربة، وأصدرت عددا من أحكام الإدانات بالأشغال الشاقة وأقفلت المدارس وطردت عددا من الموظفين المغاربة(2)، فضلا عن اندلاع احتجاجات ومظاهرات عمت كل البلاد عقب مقتل النقابي التونسي “فرحات حشاد” (1952) واجهتها سلطات الاحتلال بالعنف والقمع، مما خلف الكثير من القتلى والجرحى.

وبدا واضحا أن سلطات الاستعمار فقدت البوصلة بنفي الملك محمد بن يوسف وتنصيب “بن عرفة” مكانه في محاولة منها تغيير الوضع السياسي القائم، لكن المغاربة واجهوا التضحية بالتضحية والوفاء بالوفاء ، وأشعلوا فتيل ثورة الملك والشعب (20 غشت 1953م) التي من عناوينها البارزة محاولة قتل “ابن عرفة” من طرف “علال بن عبدالله” (شتنبر 1953) الذي استشهد على إثرها، وتصاعد أعمال المقاومة المسلحة وإعدام عدد من زعمائها أمثال “حمان الفطواكي” و”محمد الزرقطوني”، وتأسيس جيش التحرير بالمنطقة الشمالية (1955) الذي قرر استعمال السلاح والعمل المسلح لتحرير البـــــلاد من الاحتلال والضغط على سلطات الاحتلال من أجل إرغامها على إعادة الملك الشرعي، والانتقال من وثيقة 11 يناير 1944 إلى الكفاح المسلح عام 1953 كان – حسب محمد الجابري- “نتيجة تطور الأطر الشعبية الشابة داخل الحركة الوطنية التي ألقي بقياداتها السياسية السجون … فقد وجدت نفسها مضطرة لحمل الأمانة، أمانة القيادة التفكيرية، وفي الوقت نفســــه، وجدت نفسها مضطرة كذلك إلى الرد على التحـــدي الذي قامت به سلطات الحماية بعزل محمد بن يوسف الملك الشرعي، بعمل تاريخي يكـــــــون في مستوى هذا التحـــدي”(3)، وأمام ذلك لم تجد فرنسا بدا من تغيير نهجها والسماح بعودة الملك من المنفى والدخول في مفاوضات الاستقلال ، ليتم توقيع معاهدة إنهاء الحماية الفرنسية ثم الإسبانية ، وهذا التلاحم المتين بين الملك والشعب جسد قيم الوفاء والتضحية والصمود بين ملك مجاهد وشعب مكافح .

-ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة .. عبقرية ملك وكفاح شعب .
بعد كسب رهان الإستقلال، بقيت عدة مناطق خاضعة للاستعمار الإسباني، وكان على المغرب أن يدخل في تحدي استكمال وحدته الترابية بالموازاة مع بناء أسس الدولة الحديثة، وفي هذا الإطار نجح عبر مراحل من استرجاع عدد من المناطق (طنجة الدولية، طرفاية (1958)، سيدي إفني(1969) )، لكن أهم حدث ميز المرحلة ارتبط بتنظيم المسيرة الخضراء نحو الصحراء، في إطار المساعي الدبلوماسية المبذولة لاسترجاع ما تبقى من التراب، وفي هذا الصدد فقد عرض المغرب القضية على محكمة العدل الدولية بلاهاي، التي أصدرت رأيا استشاريا مفاده أن” الأراضي الصحراوية التي تحتلها إسبانيا لم تكن عند استعمارها أرضا خلاء لا صاحب لها”، وأكدت على “تواجد روابط قانونية وروابط ولاء بين الصحراء والمملكة المغربية”(4).

واستثمارا لمعطيات هذا القرار الاستشاري، أعلن المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه (أكتوبر 1975) بحكمة وبعد نظر، عن تنظيم مسيرة سلمية خضراء لاسترجاع الصحراء وتحريرها من الاستعمار الإسباني، شارك فيها 350.000 متطوع ومتطوعة، فضلا عن مشاركة وفود عدد من الدول الشقيقة والصديقة التي آمنت بالقضية المغربية وتفاعلت إيجابا معها، وفي يوم 5 نونبر من سنة 1975 خاطب الملك الحسن الثاني حشود المتطوعين والمتطوعات قائلا: “غدا إنشاء الله ستخترق الحدود، غدا إنشاء الله ستنطلق المسيرة الخضراء، غدا إنشاء الله ستطأون طرفا من أراضيكم، وستلمسون رملا من رمالكم، وستقبلون ثرى من وطنكم العزيز”.

لتنطلق المسيـــرة رسميا ( 6 نونبر ) بنظام وانتظام نحو حدود الصحراء وسط ردود فعل إقليمية ودولية متباينة ومنها رد فعل إسبانيا التي عارضت المسيرة وطالبت بعقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي للنظر فيها، و زعمت بهتانا وكذبا عن طريق مندوبها بمجلس الأمن أن المسيرة هي زحف عسكري مسلح وعمدت إلى تحريك أسطولها البحري إلى المياه الإقليمية المغربية في محاولة منها إجبار المغرب على العدول عن تنفيذ المسيرة. وقد وصف الملك الحسن الثاني هذه اللحظة التاريخية في كتاب التحدي بقوله :
” اندفعت في 6 نونبر جماهير ال 350.000 مغربي نحو الجنوب وفق نظام المسيرة الذي احتــرم بدقة .. عشرة في المائة من متطوعينا كنا نساء، وفي الحقيقة كانوا مسلحين برايات تؤكد السيادة الوطنية .. والعديدون كانوا يرفعون كذلك كتاب الله .. لقد اخترقوا على شكل كتل بشريـــة متراصة، وفي نظام محكم بديــــع، الأرض المتنازع عليها.. لقد بلغ إيمانهم حدا جعلهم يعتقدون أنهم قادرون على الوصـــول إلى آخر العالم”(5)،

وبعد أن حققت المسيرة نجاحا شعبيا وتأييدا إقليميا ودوليا، وتوغل المتطوعون في الأقاليم الصحراوية، لم يجد الإسبان بدا من إعادة النظر في موقفهم المعادي للمغرب والبحث عن حل مناسب لمشكلة الصحراء، ففتحوا قنوات الاتصال مع المغرب، حينها أعطى الملك الحسن الثاني الأمر للمتطوعين من أجل العودة إلى نقطة الإنطلاق (طرفاية) بعد أن أعلن أن المسيرة قد حققت الأهداف التي رسمت لها، حيث قبلت إسبانيا الدخول في مفاوضات مكنت من إبرام اتفاقية مدريد (14 نونبر 1975) ، وهي الاتفاقية التي أقرتها الأمم المتحدة، والتي اتفق بموجبها المغرب مع إسبانيا وموريتانيا على انسحاب إسبانيا من الصحراء، كما نصت الاتفاقية على احتفاظ موريطانيا بالأطراف الجنوبية من الصحراء، لكنها فضلت التخلي عنها سنة 1979 فضمها المغرب، وألحقت بالتالي منطقة وادي الذهب بالتراب المغربي بعد أن قدم سكانها البيعة والولاء للملك الراحل الحسن الثاني، ليتم بذلك استكمال تحرير الصحراء.

وعليه، فالمسيرة الخضراء تعد من أقوى الأحداث واللحظات التي عاشها مغرب الاستقلال، ليس فقط لأنها مكنت من استكمال الوحدة الترابية باسترجاع الصحراء من قبضة الاستعمار، ولكن أيضا لما تحمله من رموز ودلالات متعددة الأوجه، منها العدد الهائل من المتطوعين والمتطوعات الذين شاركوا فيها بنظام وانتظام بدون سلاح سوى القرآن الكريم والإيمان الراسخ بالقضية الوطنية، وطريقة تنظيم وتدبير هذا الحشد الهائل على مستوى التأطير الطبي والمواكبة والتتبع الأمني والأغطية والأفرشة والخيام والشاحنات والمأكل والمشرب وغيرها، وقبل هذا وذاك الصدى الواسع الذي خلفته المسيرة إقليميا وعالميا كاستراتيجية جديدة في حل المشاكل والأزمات مبنية على ثقافة”السلم” واضعة بذلك حدا لمنطق الحرب والانخراط في النزاعات المسلحة، لذلك فقد وجدت الدولة المستعمرة(إسبانيا) نفسها محرجة في طريقة التعامل مع مسيرة سلمية يحمل مشاركوها القرآن الكريم والأعلام الوطنية دفاعا عن الوطن، مما فرض عليها اللجوء إلى خيار التفاوض لإيجاد مخرج للأزمة، كما أن الانخراط الشعبي، ما كان له أن يتم لولا الروابط القوية بين الملك والشعب .. ملك “عبقري” أعلن فكرة المسيرة، وشعب مناضل تفاعل معها وانخرط فيها بالتضحية والوفاء ونكران الذات تلبية لنداء الوطن، دون إغفال أن هذا الحدث البارز ألهم الفنانين والمبدعين، فخرجت إلى النـــور مجموعة من الأغاني الوطنية الحماسية الخالدة من قبيل أغنية “نداء الحسن” (صوت الحسن ينادي بلسانك ياصحرا .. فرحي يا أرض بلادي أرضك صبحت حرة .. مرادنا لازم يكمل بالمسيرة الخضراء الله الله الله …) من كلمات “فتح الله لمغاري” ولحن”عبدالله عصامي”، وأغنية “العيون عينيا والساقيا الحمرا ليا والواد وادي يا سيدي الواد وادي …” لمجموعة “جيل جيلالة”..وقوة الحدث و رمزية الذكرى، تفرض اليوم التعبئة الجماعية دفاعا عن الوحدة الترابية وتحصينها من كيد الكائدين.

أخيرا وتأسيسا على ما سبق، فسواء تعلق الأمر بالأعياد التي ارتبطت بالكفاح من أجل نيل الإستقلال (ذكرى تقديم وثيقة المطالبة بالإستقلال، ثورة الملك والشعب) أو تلك التي ارتبطت بمسار استكمال الوحدة الترابية وبناء المغرب الحديث وفي طليعتها “حدث المسيرة الخضراء المظفرة” فكلها مناسبات وأعياد تقتضي -من جهة- التعريف بها للأجيال الحالية والمتعاقبة كنوع من “الرأسمال اللامادي” والرصيد النضالي الوطني والتراث الحضاري للبلاد الممتد عبر التاريخ، ومن جهة ثانية، استلهام ما تجسده من قيم الالتزام والوفاء والصدق والتضحية ونكران الذات والتحلي بروح المسؤولية والتفاني في خدمة الوطن والدفاع عن الثوابت الوطنية والمقدسات الدينية، وهي قيم تفرض على الأجيال المتعاقبة التحلي بالمواطنة الصادقة والسلوك الإيجابي والتفاني في خدمة الوطن والدفاع عن مصالحه العليا في الداخل كما في الخارج، فإذا كان الأجداد – بمختلف شرائحهم الاجتماعية وانتماءاتهم السياسية في البوادي كما في المدن- قد حققوا نعمة الحرية والإستقلال، بعد مسار طويل من الكفاح تذوقوا خلاله كل أشكال المعاناة والاستغلال والتشريد والقهر والتجويع والاعتقال، فأمانة الوطن ملقاة اليوم على الجميع، فكما كان هناك – زمن الحماية – من وضع يده في يد الاستعمار وتعامل معه ضد الوطن، فهناك اليوم أناس”أشباه مغاربة” يعبثون بمصالح الوطن ويضرون بمصالحه، بجريهم الأعمى وراء الكراسي والمناصب وتسلق الدرجات،بدل التحلي بروح المسؤولية وما يقتضيه واجب المواطنة من أجل خدمة الصالح العام، وإذا كانت ملحمة المسيرة الخضراء حبلى بقيم الوطنية والتضحية والوفاء فداء للوطن، فلا مناص من “مسيرة” أخرى لتطهير الوطن من عبث العابثين من مفسدين وانتهازيين ووصوليين يجرون البلاد بسياساتهم إلى حافة الاحتقان والانهيار، فمن يسرق أو يختلس مالا عاما، أو يستغل نفوذه أو يغتني أو يتسلق الدرجات أو يجري لتحقيق مصالح ضيقة أو لا ينظر في قضايا المواطنين، أو يساهم في زرع اليأس والإحباط أو ينظر -باختصار-إلى الوطن كبقرة حلوب… فهو “عابث”بالوطن، إن لم نقل “خائنا” لـه، فمعادلة الوطن لا تحتمل القسمة على إثنين، فإما “الوطنية” أو”الخيانة”، وبناء الوطن بسواعد “عابثة” و”فاسدة” هو بمثابة “هتك عرض” وطن استشهد من أجله الأجداد، لذلك وفي ظل تدني منسوب المواطنة لدى فئات عريضة من المجتمع، وفي ظل تراجع منظومة القيم والأخلاق وانتشار ثقافة اليأس والتذمر والإحباط، آن الأوان لتحرير الوطن من ثقافة “العبث” و”الفساد” استلهاما لملحمة الكفاح من أجل الإستقلال ووفاء لقسم المسيرة الخضراء، واحتراما وتقديرا لشهداء قدموا حياتهم فداء للوطن، وهي فرصة لتقدير كل المغاربة الشرفاء والنزهاء الذين يبنون الوطن ويقدمون العون ويتخدون المبادرات القادرة على توفير فرص الشغل والرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني والدفاع عن مصالح الوطن في الداخل كما في الخارج، وبفضل هؤلاء “يستمر الوطن” و”يحيى الوطن” .. مهما عبث به العابثون والفاسدون …

-هوامش:
(1) للمزيد من المعطيات حول حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال، ينظر في هذا الصدد:
-مقالنا حول موضوع “عريضة المطالبة بالاستقلال: السياقات والدلالات”، منشور بجريدة “هسبريس” الإلكترونية، بتاريخ 9 يناير 2018.
-مقالنا حول موضوع: “البعد القانوني في عريضة المطالبة بالاستقلال”، منشور بموقع “بديل بريس” بتاريخ 9 يناير 2018 ، و موقع “الإعلامي” بتاريخ 11 يناير 2018 .
(2) ألبير عياش، الحركة النقابية بالمغرب، ج2، ترجمة نور الدين سعودي، مطبعة النجاح الجديدة، ط1،الدار البيضاء،1997،ص 36.
(3) محمد الجابري، المقاومة المغربة في مدلولها التاريخي، ص113.
(4) الحسن الثاني، التحدي، المطبعة الملكية، الطبعة2، الرباط1983، ص 169-170.
(5) التحدي، مرجع سابق، ص 279-280.

-كاتب رأي،أستاذ التاريخ والجغرافيا بالسلك التأهيلي بالمحمدية.
laaouissiaziz1@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *