الرئيسية / كتاب البديل / علمانية فرنسية مأزومة

علمانية فرنسية مأزومة

علمانية فرنسية مأزوم

فشلت الجمهورية الفرنسية، كما يبدو، في ادماج غير الفرنسيين و تم تغييب أدوار مؤسسات الوساطة والحوار بين الأديان في مجتمع كوسموبوليتاني يدعي العلمانية ويقسو في المقابل عليها. فتمت مهاجمة الإسلام والمسلمين رمزيا واعلاميا وهم فرنسيون في تكاثر وإضعاف المؤسسات الرسمية الناطقة باسمهم وتحويلها لمؤسسات نافقة. كما تزايدت وثيرة تطرف سياسي وثقافي واعلامي فرنسي يحتقر الأديان ويروج للادينية التي أصبحت عقيدة فرنسا الأولى، “لا دينية فرنسية رسمية بنكهة ماسونية” (الماسونية هي في جوهرها لادينية كانت تحارب الديانات منذ البدء) …
نسيت فرنسا ان الهوية شيء مقدس وان التعسف عليها يفضي للتعصب. ونسيت فرنسا ان تحترم المسلمين بالخصوص لأن بينهما تاريخ مشترك طويل. ونسيت أجيال المسلمين الذين خدموا فرنسا وحاربوا من أجلها بل وحرروها.. نسيت فرنسا أبناء هؤلاء الفرنسيين ونسيت ان تمنحهم تعليمها وحريتها وفرصها في الإقلاع الشخصي والجماعي. بدل ذلك حبستهم في أحياء هامشية وغيطوهات ghettos وفرخت بجوار هذه الأحياء-المخيمات كارتيلات الدعارة والمخدرات.. ولأن الاقتصاد الفرنسي وسوق الشغل الفرنسي هي فضاءات يمينية شبه متطرفة، لم يجد هؤلاء المسلمون الفرنسيون، أبناء أجيال المهاجرين، فرصا في التكوين والشغل والكرامة التي تغذي فعلا شعورهم بالمواطنة والانتماء لفرنسا..
اليوم تدوس فرنسا على ما تبقى من بصيص كرامة المسلمين المهمشين الا وهي عقيدتهم ومقدساتهم.
هل تظن فرنسا انها بازدراء الإسلام ستساهم في تخلي المسلمين عن دينهم؟ ام هي لعبة وقحة في تأجيج المسلمين والدفع بهم للعنف المضاد وذلك من أجل تغذية التطرف الفرنسي اليميني الماسوني التاريخي واستثمار ردات فعل المسلمين الدفاعية كفحم يتم به تغذية مبررات سحق الإسلام.

هل فرنسا معادية فعلا للإسلام؟ اظن ان الأمر يتجاوز مستوى المعاداة ليصل لمستوى الاستغلال.. استغلال التعصب المحتمل للمسلمين لزيادة منسوب تعصب الدولة وتعصب اليمين الذي يحكمها. وعندما يبرر اليمين وجوده العقائدي (حامي الجمهورية وعقيدتها) سيسهل عليه تبرير تحكمه السياسي والاقتصادي للدولة، ولزمن أطول طبعا.

انها فرنسا والدولة الفرنسية،وليس داعش، من انجب فرنسيين مراهقين متعصبين. كما أن مؤسسة “شارلي ايبدو” كانت دوما هي منبع هذا العنف المضاد المنفعل والمنفلت من طرف شباب مسلمين، لأنها تخصصت منذ سنوات في ازدراء الإسلام والتهكم المفرط على شخصية تاريخية مقدسة لدى المسلمين الا وهي شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم…كما لو ان لهذه المجلة توجيهات بدعم رسمي في لعب هذا الدور الخسيس.. لا أظن أن مؤسسات محترمة ك le monde مثلا او l’humanité ستقبل لعب هذا الدور الوقح في استهداف الحضارة الإسلامية ورموزها من أجل تأجيج يافعي وشباب الضواحي واقتيادهم كقرابين لهذه الإستراتيجية المحكمة التي ينسج خيوطها هذا النظام اليميني الليبرالي المتطرف الذي يستثمر الإسلام كشماعة حتى يبقى “الملاذ الوجودي لفرنسا” ويضحد جهود كل الفرنسيين الحداثيين المعتدلين المناهضين للعنصرية بكل أشكالها.

ثم، لم لا نرى هذا الانفلات والتماس العنيف بين الدولة والمسلمين في ألمانيا او هولندا او كندا… هل هي دول متواطئة مع المسلمين؟ هل هي في قبضتهم؟؟ هل علمانياتها اقل تحررا من العلمانية الفرنسية؟؟؟؟

ان اول من يستغفلهم ماكرون والنظام الذي جاء به لقصر الإيليزي، هم الفرنسيون التنويريون أنفسهم، مناهضو الابارتايد العرقي والديني الذي تصنعه فرنسا اليوم.. انه يستغفل حقوقيي فرنسا، مثقفي فرنسا الذين تعلمنا على ايديهم ان قبول التنوع وادماجه هو عمق العلمانية الأصلية لفرنسا.. انه يستغفل جيرانه لانه بهذه السخافات يحاول ان يصدر ازمته المفتعلة مع الضواحي إلى بلجيكا وإنجلترا وألمانيا.. ألمانيا التي كانوا ينعتونها بالنازية ويدرسوننا تاريخا مزيفا حولها و ها هي اليوم تلقنهم درسا تاريخيا في ادماج الأجانب والمهاجرين واللاجئين وتحويلهم لطاقات إنتاجية..
العلمانية الفرنسية في مأزق لأن السياسة حولتها لعقيدة متطرفة بأجندة استحواذية متلصصة بقيم الديمقراطية.

نتأسف لمقتل الاستاذ علي يد تلميذه الذي لم يتجاوز 20 سنة. ولكن ارجوكم هي ليست عملية إرهابية بل انتقامية. طالب شارذ الذهن والهوية انتقم من استاذ بنزوات عرقية متطرفة.

تحتاج العلمانية الفرنسية لنقاش رزين
وليس لتأجيج سينمائي كما يفعله ماكرون الآن.

بقلم :  يونس وانعيمي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *