الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 27 موضوعها (المدرسة المغربية من الوطنية إلي المواطنة) مع محمد العربي المساري

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 27 موضوعها (المدرسة المغربية من الوطنية إلي المواطنة) مع محمد العربي المساري

حينما اقترح علي ذ. المعطي منجب المشاركة في هذا اليوم الدراسي عن التربية وقيم التسامح وحقوق الإنسان، ذهب ذهني إلي أن ما يمكن أن أساهم به شخصيا هو تقديم شهادة حينما أضرب بنفسي المثل علي ما أنتجته المدرسة المغربية في فترة ما. فانا قد ولدت وتعلمت وعشت في القرن الماضي. وما قد ينفع من تقديم الشهادة هو التعرف علي مثل معين كما قلت، باعتبار أن المدرسة الوطنية لما بعد الاستقلال، هي بنت المدرسة الوطنية لفترة الحماية. سأروي كيف انفعلت بما تلقيته في المدرسة.    

 

وأقول ذي بدء إن أول تمرد قمت به في حياتي، أنني رفضت أن أحمل الشمعة إلي زاوية سيدي بنعيسى بالحي الذي نسكنه في مدينتنا، وذلك في موكب كنت أتقدمه بوصفي الإبن البكر، حاملين هدية العائلة إلي الزاوية، وهي عبارة عن قصعة ملأى بالكسكس. شاركت في ذلك الموكب سنة واحدة، وفي التالية رفضت. وكان الرفض عملا إراديا معبرا عن ذهنية خاصة أخذت تتكون عندي، بتأثير من التكوين الذي تلقيته في المدرسة. وصادف ذلك التحاقي بمرحلة الدراسة الثانوية، وهي مرحلة نتقمص فيها الشعور بأننا بدأنا نكبر. وتتكون لدينا أثناءها أفكار ومشاعر وميول خاصة.

 

لم يكن في المنهج المدرسي ما يحمل علي ذلك التصرف الذي أقدمت عليه. ولكن قل إنها الروح العامة، التي انتقلت إلينا نحن أبناء التعليم الحديث. فبمجرد أنني من أبناء المدارس فانا انتمي إلي العصر. وكان رائجا في المجتمع، و كنا نسمع من أساتذتنا، ما يخلق النفور من الطرقية، التي اقترنت عندنا بالتأخر والشعوذة. وكانت تلك الروح العامة مدخلا لمناهضة الرجعية، وبابا لارتياد الحداثة.

 

وتمثل ذلك التوجه العام في جملة مفاهيم وقيم تشربناها من خلال المدرسة. هناك فكرة أولى قوية تلقيناها هي السلاسة بين العقيدة والعصر، و تجلى ذلك في أكثر من مجال، كتطور المرأة، وتقبل الفنون من مسرح وسينما وموسيقى. وأذكر أن الأغاني التي تذوقناها منذ الصغر، كانت تتميز بتفاعل سلس وخلاق بين النغمة الشرقية والأنماط الغربية، وأذكركم هنا بمقطوعة سهرت منه الليالي التي يتم فيها الانتقال من الطانغو إلي السيغا بسلاسة كبيرة. وعلي غرارها كانت جل أغاني ذلك الزمان. وهكذا تربى ذوقنا.

 

الفكرة الثانية القوية التي تلقيناها هي الوطنية. وقد تضافرت المدرسة والروح العامة التي كانت تتبلور في المجتمع، في توجيه أفكارنا إلي أن المغرب يجب أن يستعيد سيادته، وذلك في ظل دولة عصرية. كان المجتمع يحبل بمشروع الاستقلال.

 

وأدلكم الآن علي مادة الدين كما درسناها نحن في المعهد الرسمي للدراسة الثانوية بتطوان، في الخمسينيات. نص الظهير المؤسس للباكالوريا في الشمال، ( 20 فبراير 1948) فيما يخص منهج " الدين والأخلاق " – هكذا كان اسم المادة – علي تلقين آيات من القرآن و أحاديث نبوية، تصب كلها في التعمق في الوحدانية والاتصاف بالأخلاق الحميدة، ومنها السماحة وإعمال العقل. وفي السنتين الأخيرتين كان يضاف إلي ذلك ما يصلح تمهيدا للفقه والشريعة، من بنود تحث علي العقلانية والاعتدال والاستقامة. (1)

 

وكان هذا هو الشأن في معهد رسمي، أنشئ بالذات لمواجهة التأثير الكبير الذي كان من قبل لكل من المعهد الحر ومعهد مولاي المهدي. وكان المعهد الرسمي هو المؤسسة التعليمية الوحيدة في مستواها بكامل المنطقة الخليفية. وهي أول مؤسسة من مستواها أنشأتها الإدارة.

 

وأما في التعليم الحر، وقد سبق التعليم الرسمي بأشواط، فقد كانت هناك جرعة أكبر من التوجيه، المشبع برؤية مسيسة لأحوال المجتمع المغربي وتاريخ البشرية. وكان الأساتذة أكثر تدخلا في الوقت الثالث للتلاميذ، إذ كانت الأنشطة الموازية، مثل الأناشيد والحفلات المدرسية، والرحلات المنظمة، والحركة الكشفية، وتمرينات أخرى ترسخ في نفوس التلميذ قيم الوطنية والالتزام بقضايا البلاد. 

 

وكانت وظيفة التعليم الحر في الشمال، كما في الجنوب، هي تلقين المعارف بطبيعة الحال، وأيضا تهييئ الأطر القيادية للحركة السياسية. وإذا رجعنا إلي تاريخ الحركة الوطنية نجد أنها تغذت باستمرار في هياكلها التسييرية بالتلاميذ الذين كانوا يعبرون مدارس التعليم الحر.

 

وأما في الحياة العملية فلم تكن هناك آفاق كثيرة أمام المتخرج من المدارس الرسمية أو الحرة. في أحسن الحالات كانت وظائف مثل موزع البريد أو كاتب في إدارة أو معلم. لم تكن أمامنا أمثلة كثيرة لأفراد حققوا ارتقاء ماديا بعد عبورهم المدرسة، خاصة بالنظر إلي انعدام التعليم العالي.

 

في غمرة ذلك ظهرت في المجتمع رؤيتان إلي مسألة التعليم. رسمية وشعبية. وكان التعليم يحتل مركزا أساسيا في تفكير الحركة الوطنية وعملها علي مر السنين. لأن الإدارة الاستعمارية في الشمال والجنوب كانت متلكئة في الوتيرة، وشحيحة في فتح أبواب التكوين العالي.

 

ونجد في وثيقة " مطالب الشعب المغربي "، في ديسمبر 1934 التي قدمتها كتلة العمل الوطني في الجنوب، تركيزا علي المطالبة بالاستثمار في التعليم، باعتباره الوسيلة الأولية لبلوغ مناصب التسيير(2).  ومثله كان في الشمال كما يظهر من تقرير كان قد حرره الحاج عبد السلام بنونة في 1 يوليو 1930، وهو يحتوي علي مضمون مشابه،  ويزيد علي ذلك المطالبة بتوزيع العتاد المدرسي مجانا، والاعتراف بالشهادة التي تمنحها المدرسة الأهلية علما بأن تلك الشهادة كان معترفا بها في المشرق. (3)

 

لكن إدارة الحماية كان لها تصورها الخاص، لمسألة التعليم، وكانت تتتبع المسألة بحذر كبير. ولنرجع إلي التقرير الشهير الذي حرره روبير مونطاي (4) في عام 1929 عن توجهات الشباب المغربي في العشرينيات، وفيه يوضح كيف أن العملية التعليمية التي قامت بها إدارة الحماية فيما بين 1915 و1925 كانت تهدف إلي تكوين نخبة جديدة " علي أمل تجنب أن يعرف المغرب تطورا سريعا مثل الذي حدث في البلدان الإسلامية في الشرق ". وكان يقصد فكر حركة النهضة. وطالب مونطاي بأن يقع تهييئ تلك النخبة لتكون " قادرة علي تفهمنا والمساهمة في عملنا الإداري الكبير "، وذلك عبر مدارس أبناء الأعيان.

 

وذكر كيف أنه كان مقررا تدريس الدين الإسلامي واللغة  العربية وإقامة الصلاة وارتداء الزي المغربي. وأشار إلي نشوء الحركة المسرحية في أحضان المؤسسات التعليمية التي أنشأتها الإدارة، وقال إن الغرض كان عند منشئيها هو التعلق باللغة العربية النبيلة. وقال إن كل الجهود التي بذلت كان يشينها تورط الإدارة في الدفاع عن الممارسات العتيقة لأعوان المخزن. (5) ولابد أن ننتبه إلي مسألة لغة التلقين والحجم الذي احتلته من الاهتمام عند مختلف الأطراف.

 

ولا يفوتنا أن نسجل أن الرواد الأوائل للتعليم العالي، وكان متاحا إلي حد ما، في فرنسا وفي إسبانيا، قد التقوا بنظرائهم من أبناء باقي المستعمرات الفرنسية في شمال إفريقيا، وأسسوا جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا، التي عقدت في تونس مؤتمرها الأول سنة 1931 والثاني بالجزائر في 1932، وفيه تدارس المؤتمرون جدول أعمال حافلا ضم علي الخصوص مايلي:

  • تعليم اللغة العربية في شمال إفريقيا
  • تعليم التاريخ
  • الأبواب المفتوحة في أوجه الخريجين
  • التعليم والتربية بالمدارس الابتدائية.
  •  

وهذا يشير إلي أهم انشغالات الشبيبة المغاربية إذ ذاك وهي تتمحور حول صيانة الشخصية العربية الإسلامية لشعوب المنطقة، والتخلص من التوجيهات الاستعمارية المفروضة. وحرص فرحات عباس الذي ترأس المؤتمر، علي أن يندد بمحاربة اللغة العربية في الجزائر مقارنا محاربة اللغة بقتل الأمة (6)

 

لقد كان غرض الوطنيين في مجال التعليم مزدوجا، إذ كان تلقين المعرفة مقرونا بتلقين تصور عن مغرب الغد الذي لن يكون إلا منفتحا علي الغير، وخصوصا الأمم الأوربية.  وسجل علال الفاسي في " الحركات الاستقلالية " (أنظر ما بين ص 475 و479) أنه لدى انعقاد اللجنة الملكية لإصلاح التعليم في آخر الأربعينيات، وكانت مؤلفة من مغاربة وفرنسيين، وقع استقطاب مصطنع حول مسألة اللغة، إذ مال الأعضاء المغاربة بالإجماع إلي إحلال اللغة العربية في مكانها المستحق، وأيدهم في ذلك ثلاثة خبراء فرنسيون أتوا من باريس، وانحاز ضد ذلك المطلب الفرنسيون الذين عينتهم إدارة الحماية محليا، وادعوا أن اللجنة معادية للغة الفرنسية، وكان هذا زعما باطلا.  ولكن بسبب موقف ممثلي الإدارة تعطلت أعمال اللجنة الملكية لإصلاح التعليم، وبقي محمد الخامس طيلة سنين يرد علي المقيم كل مشروع يخالف الميثاق الذي طرح في اللجنة الملكية.

 

ونشأ منذ وقت مبكر تنافس بين التعليم الرسمي والتعليم الحر، وكان الداعي إلي إنشاء التعليم الحر،، كما نجد في الكتاب السنوي لمعهد مولاي المهدي بتطوان أن التعليم التقليدي اختصر العلم في كتابين:الفقه والنحو، وان التعليم الرسمي اقتصر علي اللسان الأجنبي لتلقين المعارف. (7)

 

وانتشر التعليم الحر لأنه لقي قبولا قويا من لدن الشعب. وفيما كانت إدارة الحماية في الجنوب تتقبل ذلك الانتشار علي مضض، فإن الظروف السياسية في الشمال، سمحت بأن يحظى التعليم الحر بدعم مادي رسمي. وحدث في الشمال أيضا أن كل المواد كانت تلقى بالعربية ما عدا مادة اللغة الإسبانية، بينما كان الأمر بالعكس في الجنوب.

 

ويتعرض ع. هـ. الشرايبي في كتابه " ثمن الحرية " في فصل خاص عن مدرسة " الأمير مولاي الحسن " بالدار البيضاء فقال إنها غيرت وجه الحياة في المدينة. وأن حضور ولي العهد لحفلتها السنوية كان عيدا وطنيا. وأقبل الآباء علي تسجيل أبنائهم فيها، حتى أن الذي لم يكن يلقى مكانا لابنه فيها يعتبر ذلك نقصا في قيمته المعنوية. (8)

 

وطرح علي المدارس الحرة أن تتبع المنهج الرسمي لكي يشارك تلامذتها في  الامتحانات الرسمية، و يذكر أ. ب. القادري في كتابه " قصة (مدرسة) النهضة " أن المدارس الحرة كانت تضيف إلي المنهج الرسمي بعض المواد، وخاصة القرآن. وأورد في الكتاب رسالة منه إلي الصدر العظم بتاريخ 24/11/1951، و جوابا من هذا الأخير بتاريخ 12/1/1952، حول إضافة بعض المواد إلي ما هو مقرر في المنهج.

 

قام النموذج الفرنسي علي أساس مدارس مغربية متعددة كل منها موجهة إلي فئة من السكان. فكانت هناك مدارس أبناء الأعيان، والمدارس الفرنسية البربرية،  والمدارس ذات التوجيه الفرنسي المحض. بينما كانت الحركة الوطنية تعمل من أجل مدرسة مغربية موحدة لكل أبناء المغاربة، باستثناء المدارس العبرية ذات الطابع الخاص. وهذا ما ورد في دفتر المطالب المغربية، المشار إليه.

 

ولهذا أفرزت المعركة الثقافية منذ وقت مبكر شعار توحيد التعليم. كما طرحت منذ وقت مبكر مسألة التعريب التي قدمت خطأ علي أنها تعبير عن الانغلاق. وهذا زعم باطل كما قدمنا، لأن التعليم الحر في الشمال كما في الجنوب لم يفرط في تعلم اللغتين الإسبانية والفرنسية. بل إنه كان واضحا أن أقرب بلدين لتلقي التعليم العالي هما إسبانيا وفرنسا، وبالتالي لابد من الانفتاح علي لغتي البلدين.

 

ويوضح م. ع. الجابري في كتابه " أضواء علي مشكل التعليم بالمغرب "، المطبوع سنة 1973، وضع اللغة العربية في المدارس الرسمية في الجنوب بالإشارة إلي أنه " قبل 1944  (أي 32 عاما في ظل الحماية) كانت اللغة العربية والثقافة الإسلامية ممنوعة أو شبه ممنوعة إلا ما كان من بعض  الدروس الدينية في مدارس أبناء الأعيان. أما في الثانويات الإسلامية فقد كانت اللغة العربية لغة أجنبية مثلها مثل الألمانية والإنكليزية بل إنها كانت تعتبر أحيانا لغة ثانية مثل الدارجة المغربية التي كانت تقبل كلغة ثانية بدلا من العربية الفصحى. (9)

 

وقد سجل مؤلف كتاب حياة المرحوم مبارك البكاي، وهو ليس سوى إبنه، أنه وهو ضابط في الجيش الفرنسي المرابط بدمشق، توجه إلي البريد، فملأ استمارة الإرسال باللغة الفرنسية. فنبهه موظف البريد بلباقة إلي وجوب إعادة تحرير الاستمارة بالعربية علي غرار كل المعاملات الإدارية في ذلك البلد. ومثل ذلك التنبيه درسا لا ينسى – يقول المؤلف –  و أيقظ في أعماق الضابط الشاب حسا ثقافيا ووطنيا عميقا، وقرر منذئذ أن يعلم ابناءه اللغة العربية مهما كلف الأمر. (10)  

 

         من هذا الاستعراض حول المدرسة الوطنية المغربية، والمعارك التي دارت بشأنها في عهد الحماية، واستمر بعض تلك المعارك فيما بعد الاستقلال، يمكن إجمال إن ركائز عمل المدرسة الوطنية المغربية في تلك الفترة كانت تتمثل في الإسلام والوطنية والتقدم.

 

         لقد ورث الجيل المؤسس للحركة الوطنية، عبئا ثقيلا هو المغرب المتخبط في الاحتلال، والمنهزم من جراء تأخره الكبير عن اللحاق بتيار النهضة. وكان علي المدرسة وهي رأس الرمح في المعركة، أن تهيئ لاستعادة الدولة علي أن تكون غير الدولة المتخلفة التي لم تقو علي صيانة الاستقلال، وخلق مجتمع جديد بديلا عن المجتمع المتخلف الذي فقد مقاليد أموره في 1912.

 

         أوضح ما لقنتني إياه المدرسة هو أنني يجب أن أنتمي إلي وطني وإلي عصري وأن أتطلع دائما إلي الأمام. لم أنتبه إلي أنني سني أوشيعي. قرأنا شيئا ذلك في التاريخ كأنه شيء من الماضي.

        

         تلقيت أيضا أنني أنتمي إلي المغرب بمجموعه. وأن الفرد لا يستمد قيمته من مدينته أو قبيلته، أو من لقب موروث، بل بما يتميز به من مؤهلات، وبكده الخاص وباعتراف المجتمع بالنبوغ والابتكار والتميز.

وحدث لن كثيرا من أبناء الفقراء نبغوا وتصدروا الصفوف الأمامية، لأنهم علاوة علي مؤهلاتهم المكتسبة، مروا من السجن. 

لذا كان بالنسبة لي طبيعيا أن يترشح المرحوم بوعبيد في القنيطرة، ثم في أكادير في السبعينيات. بل إنني صدمت حينما لم ينجح هناك، في وسط الكلام الذي أثير بالمناسبة. 

* عضو قيادي في حزب الاستقلال ووزير للإعلام سابق

 

( 1) نص المقرر علي البنود التالية:

  1. مزايا الدين الإسلامي، يسره وصلاحيته لكل زمان ومكان.
  2. الحرية والمساواة والإخاء في الإسلام
  3. إكثار الإسلام من وسائل إبطال الرق
  4. المرأة في الإسلامز حقوقها/الزواج والطلاق/الحجاب
  5. الشورى في الإسلام
  6. حث الإسلام علي العمل والكسب
  7. نهي الإسلام عن المبالغة في الترف
  8. تبرج النساء

وكان يتم التطرق لهذه البنود علي امتداد السنة الثالثة. وفي السنة الرابعة كان يتم التطرق في مادة الدين والأخلاق إلي ما يلي:

  1. الحكومة في الإسلام
  2. التداين في الإسلام
  3. الربافي الإسلام
  4. الميسر وأوراق النصيب
  5. السباق والرماية
  6. البدع المخالفة للدين
  7. استنباط الأحكام الشرعية ونشأة الفقه الإسلامي
  8. تعريف المذاهب الأربعة مع العناية بمذهب مالك وعرض مسائل فقهية من مذهبه.

أنظر "منهج التعليم الثانوي". نشر وزارة المعارف العمومية. المنطقة الخليفية بالمغرب. 1949. مطبعة المخزن.. تطوان.

 

(2) جاء في الفصل الخامس من دفتر المطالب، في مقدمة المطالب المتعلقة بالإصلاحات الاجتماعية:

 4 – توحيد برامج التعليم الحديث لجميع الرعايا المغاربة المسلمين دون اعتبارات محلية ولا تفريق بين مختلف الطبقات الاجتماعية. ( العبري كان موحدا )

5 – جعل التعليم الابتدائي إجباريا في البوادي والحواضر ابتداء من 6 سنوات إلي 12 سنة.

6 – جعل تعليم القرآن، واللغة العربية، والديانة الإسلامية، والتاريخ المغربي، والجغرافيا المغربية، أساسا للتعليم الابتدائي الحديث، ومنحها في الامتحانات الاعتبار الذي لغيرها من المواد.

7 – جعل التربية البدنية إجبارية في جميع المدارس الابتدائية.

11- إحداث باكالوريا مغربية مساوية للباكالوريا الفرنسية والأجنبية.

12- تخصيص وقت كاف للغة العربية والثقافة الإسلامية والتاريخ المغربي والجغرافيا المغربية في برامج الباكالوريا المغربية

المطالبة بالتعليم العالي بدءا بالحقوق والآداب والصيدلة

المطالبة بالتعليم الفلاحي/ والتجاري/ والصناعي/ والفنون الجميلة( وقبول المغاربة في المدرسة الفنية المحدثة في الرباط والمحظور فيها قبول المغاربة الآن )التعليم العسكري (إدخال اللغة العربية والثقافة الإسلامية إلي مدرسة مكناس للضباط المغاربة) وتعليم البنات/ التعليم الديني/ التعليم الحر/ محاربة الأمية.

 

(3) أنظر النص في " أب الحركة الوطنية المغربية " الجزء الأول من ص 393 إلي ص 398 . 

 

(4) أنظر جريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 3 و4و 5 يناير 2007 . ترمجة الحبيب البكوش وتقديم مصطفى فنيتير

 

(5) ويشرح مونطاي أن خريجي تلك المدارس الإسلامية التحقوا بوظائف دنيا لدى المخزن. بينما أصبح خريجو معهد الدراسات العليا مترجمين في مختلف المصالح الإدارية. وسجل من جهة أخرى قيام نزاع بين تلاميذ تلك الثانويات الإسلامية والشيخ عبد الحي الكتاني، كما أشار إلي انتقال ثلاثة من تلاميذ تلك المدارس إلي مصر، وآخر التحق بالثورة الريفية، بينما وجه تلاميذ مدرسة الأعيان بالبيضاء برقية تحية إلي مصطفى كمال أتاتورك. وسجل أيضا نشوء حركة إنشاء مدارس قرآنية عصرية، قال إن عدد تلاميذها كان في سنة التقرير أكبر من عدد الملتحقين بالمدارس الرسمية.

(6) أنظر ص 49 و50 من كتاب " نشرة أعمال المؤتمر الثاني ". وقد شغلت مواد المؤتمر كتابا في 144 صفحة، احتوى علي نصوص التقارير والمناقشات والتوصيات وهي كلها تصب في إحلال اللغة العربية في مكانها كلغة أصلية للشعوب المعنية. وشارك في المؤتمر الطريس والشرايبي من المغرب، ومن الجزائر فرحات عباس، وعلي الزواش، ومفدي زكرياء، ومن تونس المنجي سليم والحبيب ثامر وعلي الباهلوان وآخرون.

 

(7) صحيفتنا التذكارية الأولى 1939/1940. مطبعة الوحدة المغربية . افتتاحية الكتاب وهي بعنوان: لماذا انشأنا معهد مولاي المهدي. ص 3

 

(8) ثمن الحرية ص 183 وما بعدها. ويذكر المرحوم الشرايبي أن أحد كبار مفتشي التعليم استغرب من النتائج التي تحصل عليها المدرسة المذكورة فجاء بنفسه يستقصي وسأل التلاميذ مباشرة، ومحص الدفاتر، ولم يسعه إلا أن يطرح السؤال: ما هو السر؟ فقال له المدير إنه يكمن في اختبار أحسن الأساتذة، وتمتيعهم بوسائل العيش الكريمة، واجورهم تضاعف أجور أساتذة التعليم الرسمي.

 

(9) ص 46 وما بعدها من كتاب " أضواء علي مشكل التعليم ". محمد عابد الجابري. وفي هذا الكتاب يستعرض المؤلف كيف أن مسألة التعليم هي في جوهرها سياسية، " لأن التعليم أحسن مطية تطرح من علي متنها قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ويعكس التعليم اختيارات تخص هذه الميادين نفسها ". وهي في نظره مسألة مزمنة، لأنها مرتبطة بتطور تاريخي معين، بحكم أن " تيار النهضة لم يصل إلي المغرب إلا متأخرا " كما يقول نفس الكاتب. 

 

(10) Achour Bekkai Lahbil : Si Bekkai, Rendez-vous avec l’Histoire. page 27

 

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال26 موضوعها (التمدرس، الهوية و\”الوسطية\” الانفصامية) مع كمال فريالي

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال26 موضوعها (التمدرس، الهوية و\”الوسطية\” الانفصامية) مع كمال فريالي

قبل مساري الحالي، تلقيت تكوينا في النظام التعليمي المغربي الذي رسخ في هوية محددة حيث كانت تسود روح الجماعة و لم يكن من الممكن تصور فكرة اختيار حر. إذ كان يردد على مسامعي باستمرار أننا “نحن” أفضل أمة عند الله من بين جميع الأمم وان الإسلام هو أصدق وأفضل الأديان.
ومع ذلك وفي الوقت نفسه، كان المقرر الذي درسته في مختلف المواد متضمنا لأفكار حول المساواة بين الرجال والنساء ولجاذبية الحداثة الغربية. ويعاني في الغالب الأفراد المتخرجون من هذا النظام التعليمي من أزمة هوية تأخذ شكل ضياع في الوعي الباطن، اختلال عميق يمس مرجعياتهم الثقافية، الروحية والسياسية.
وعندما يعبر هذا الاختلال عن ذاته في الفصل أو في خارجه، فهو يكون على العموم بطريقة جد متشنجة ومرضية إلى حد ما، تبحث بشكل محموم عن تفسيرات لأزمتها خارج الذات. وبشكل عام يتم إلقاء اللوم في النهاية على الآخر، الغرب، وعلى أعداء الحضارة العربية-الإسلامية، لكن أيضا على المسلمين الذين ينسلخون هم أنفسهم عن القيم “الحقة” للإسلام، والذين يمهدون بذلك لمؤامرة الغرب على الأمة. ومن جانب آخر، فعلاوة على أن المرء يريد نفسه مدافعا عن هويته، فهو يبدي بالمقابل انزعاجا حقيقيا، غامضا ومشوبا بنوع من الحرمان تجاه عناصر ثقافته. وهكذا، ففي الوقت الذي تظل فيه العربية مثلا اللغة الأكثر “كمالا” والأكثر “غنى” في العالم تبعا للمعتقد الثقافي السائد، تعتبر الفرنسية والانجليزية بالتأكيد، كلغتين أكثر “خفة”، أكثر موسيقية و أكثر تطورا.
وأحب أن أتناول مسألة التربية والهوية في المغرب بالانطلاق من تجارب شخصية. في السنة الماضية، طلب مني تدريس اللغة العربية لمستوى الثانوي في مدرسة خاصة على النمط الأمريكي لن أسميها. وقررت أن اخصص حصة (من بين 6 حصص كل أسبوع) للدراسة الأسلوبية والتاريخية لمجموعة مختارة من الآيات القرآنية، تمثل هذا الجنس الأدبي المعبر عنه في اللغة العربية، في إطار روح أكاديمية وبدون تقديس للنص. اخترت إذن آيتين تشيران إلى قيم كونية كالتسامح والاختلاف المذهبي في الأسرة البشرية ، وناقشناها طوال حصة أولى. وفي الحصة الثانية، بدأت إحدى التلميذات تحس الانزعاج قليلا ورغبت في أن نغير الموضوع. عبرت عن ذاتها باللهجة المغربية لكي تقول ما مفاده :”كفى . لقد طفح الكيل. لننتقل إذن إلى شيء آخر.” ومباشرة بعد ذلك انفجر أحد التلاميذ غضبا، وهو بالمناسبة ابن مسؤول كبير في المدرسة المشار إليها. كان يبدو على محياه أنه جد مصدوم، فقال منفعلا قائلا ما يلي تقريبا:
” كيف يمكن لك أن تقولي ذلك عن القرآن؟ ألا تخجلي من نفسك؟ ليس بهذه الطريقة نتحدث عن كتاب الله. ينبغي أن نبدي احتراما أكثر.”
لو كانت هذه هي المرة الأولى التي ألتقي فيها هذا التلميذ ذي 15 ربيعا، الذي استشاط غضبا، لما فاجئني رد فعله كثيرا، أخذا بعين الاعتبار الحساسية الكبيرة للعديد من المسلمين تجاه كل ما يبدو تجديفا حتى ولو كان من بعيد. ومع ذلك استغربت لأنني سبق و قرأت بعض كتابات هذا التلميذ نفسه. إنه هو الذي كتب لي في يوم سابق، إنشاء من أجل الإجابة بحرية على السؤال التالي:” ماذا ستفعل إذا كنت وزيرا لأي وزارة كانت في المغرب”. أقدم هنا إجابته مترجمة، هي خليط لغوي من اللغة العربية الفصيحة والدارجة المغربية والفرنسية:

لو كنت وزيرا للتربية الوطنية سأستبدل كل المدارس المغربية بمدارس أوربية. سألغي العربية وكل ما يتعلق بالنظام المغربي. سأضيف كذلك بنية تحتية وسأعطي أهمية كبيرة للرياضة بجميع أصنافها. سأجدد المدارس وسأبني مدارس في كل مناطق المغرب. هذا سيساعد الشعب المغربي على التفتح.

يمثل هذا التلميذ هنا أعراض شيزوفرينيا هوياتية عميقة، لكن غير معترف بها. شيزوفرينيا ثقافية معممة تتمظهر بذات الكيفية لدى العديد من مواطنينا الذين يجدون أنفسهم يبدون آيات الإعجاب والرغبة أمام صورة الغرب، صورة قيم الشفافية الاجتماعية واحترام الشخص، لكن مع التنديد، في نفس الوقت، بفرضية الانحطاط الأخلاقي لهذا الغرب، وخطورة المؤامرة التي يقودها ضد الإسلام. هذا القلق الهوياتي لا يعكس سلوكا حرا وتطوريا يبحث عن إمكانية التوفيق بين التقليد والحداثة (وهو شيء ممكن في نظري)، وإنما هو نتيجة خضوع المواطن المغربي في نفس الآن لنمطين ابستمولوجيين لا يمكن التوفيق بينهما على مستوى الزمن و المنهج. الأول، متمحور بشكل حتمي حول التفوق الجوهري لتراثه الخاص، والآخر، يشجع مبدئيا الانفتاح الفكري، لكنه مقلم الأظفار تماما في إطارالسياق الأول.
وتكشف حكاية ثانية أيضا عمق هذه الشيزوفرينيا الهوياتية. إنها أزمة مترسخة بعمق و صعبة الحل، لدى التلميذ المتعلم في النظام التعليمي المغربي الحالي. يتعلق الأمر بكتابة إنشائية من أجل اجتياز الامتحان الدوري النهائي في نفس القسم. جرى الامتحان في شهر رمضان، واستعنت فيه ببعض الأقوال المقتطفة من مجلة مغربية تتساءل حول ما إذا كان صدفة، أن شهر رمضان يكشف لدى المغاربة عن مشكل شائع هو النفاق الاجتماعي. لم يكن التلاميذ قد أطلعوا على المقال المقصود، فطلبت منهم، انطلاقا من هذا المقتطف، محاولة استكناه أفكار الكاتب والتعليق عليها (مع أو ضد) بالاستناد إلى أمثلة سوسيولوجية محددة، بدون اللجوء إلى أي خطاب بيداغوجي ديني. ما سيأتي هو بداية إجابة تلميذ تم تصحيحها نحويا وترجمتها :
بدون أدنى شك، رمضان ليس سوى “شهر نفاق” بالنسبة لغالبية المغاربة. هذا التعبير واقعي، لأن الكثير من المغاربة، بما فيهم أنا، لا يهتمون بالدين خلال السنة، لكن في رمضان يمارسون النفاق فيما بينهم وينتقدون أولئك الذين لا يهتمون برمضان.
المشكل الكبير هنا عند المغاربة.أنا مغربي واعرف أن الكثير من المغاربة يصومون من اجل إبراز الذات .نتحدث دائما عن مشاكل الآخرين، لكننا لا نرى مشاكلنا نحن. كل واحد منا يحتاج لاختيار أسلوب حياة شخصي يجعله سعيدا. الإسلام دين يعلمنا أشياء كثيرة، لكن كل مغربي له الحق في العيش على طريقته الخاصة وإتباع الدين الذي يختاره بدلا من التظاهر بأنه مسلم…

ولو أن الإنشاء كان مليئا بالأخطاء النحوية والأسلوبية ويفتقر لحجج دقيقة، كنت مغتبطا لأنه يشير على الأقل لمعنى النقد الذاتي، يعترف بنوع من الاختلاف في المجتمع المغربي و يبتعد عن اللغة الدينية الشائعة لكن مع احترام الإسلام. بدأت أهنئ نفسي على نجاحي، ولو المحتشم، على استئناس التلاميذ ببعض القيم الأساسية، قيم النقد والانفتاح على التنوع والاختلاف. لكن، تتمة هذا الإنشاء ستكشف لي أشياء أخرى مختلفة:
…في الواقع إننا نقوم بأشياء أكثر هولا من تلك التي يقوم بها اليهود والمسيحيين، حتى ولو كنا نتغير خلال شهر رمضان. والإسلام لا يسمح لنا بذلك. بعد رمضان نذهب إلى الحانة و نشرب حتى الثمالة. بينما الإسلام هو غير ذلك.
إن الدين الإسلامي يبين لنا الطريق الصحيح في الحياة. وإذا كان المغربي لا يحب هذا الطريق، فمن الأفضل أن يعمل ويعيش وفق الطريق الذي يختاره هو.
طبعا هذا التلميذ لم يتمثل جيدا القيم الأساسية التي حاولت ترسيخها فيه وفي زملائه. النفاق الاجتماعي الذي يكشف عنه رمضان لا يرتبط في اعتقاده بتوتر هوياتي أو بهاجس التطابق مع المعيار الاجتماعي،وإنما بابتعاد عام عن تعاليم الإسلام الحميدة، من أجل الانسياق وراء حياة الفسق كما يفعل اليهودي والمسيحي. هل يعتقد حقا هذا التلميذ أن غير المسلمين يعيشون ” في فسق” ؟ من الصعب قول ذلك. كان لديه أصدقاء غربيين وكان عاشقا متيما لموسيقى الروك ان رول.
وبالنسبة لتلميذ درس منذ زمن طويل في النظام التعليمي الوطني الحالي، لا يكفي في الغالب تفسير قيم التسامح والنقد الذاتي، لأننا هنا بصدد أزمة هوية مترسخة منذ لحظة الطفولة، و معبر عنها بفصاحة في المثل العربي: “التعلم في الصغر كالنقش في الحجر “.
المسألة التي تطرح طبعا، هي معرفة لماذا يوجد هذا المشكل في المغرب على مستوى التعليم وكيف يمكن أن نصل إلى تغييره. فمن الممكن، بطبيعة الحال، كما أنه من المفيد منهجيا، تشخيص المشكل التعليمي بالمغرب بطريقة مفصلة، كما لو كان ممكنا معالجة كل جزء على حدى. لكن من غير الممكن بالنسبة لي التخلي عن تصوري للأشياء الذي يقوم على تعدد الحقول المعرفية، والذي تبلور جزئيا في سياق توجهي الانثروبولوجي.
فالمشكل الهوياتي هو قبل أي شيء مشكل سوسيوسياسي، ولا يتعلق بالنظام التعليمي العمومي بشكل خاص. المدرسة التي كنت أدرس بها لم تكن مدرسة عمومية. إنها بعيدة عن ذلك كل البعد. بل إنها ليست مدرسة خاصة مثل مئات المدارس الخاصة التي تظهر كل يوم والتي تتبع البرنامج الدراسي العمومي. يتعلق الأمر بمدرسة متصورة كليا وفق النموذج الأمريكي والتي تريد أن تكون علمانية ودولية. فالمشكل هو انه حتى داخل مدرسة علمانية، لكن تشتغل في وسط سوسيوسياسي يتأسس فيه الحكم على الدين الإسلامي، هناك دائما من يلتف على المبدأ العلماني للمؤسسة.
عدد كبير من زملائي في التعليم، حتى أولئك الذين لا يدرسون التربية الإسلامية كمادة، لا يمكنهم الاستغناء بسهولة عن الخطاب الديني في تدريسهم للمواد الأخرى، وذلك باسم الروح المفترضة للجماعة الإسلامية. وبعيدا عن اتهام هذه الفئة المحترمة (وذات الأجور الدنيا في الغالب) بتبني نوايا إيديولوجية مغرضة، أشير إلى أنهم يقومون بذلك بعفوية كما لو أن الأمر يبدو هكذا طبيعيا. وحتى في المدارس “العلمانية” التي لا تتيح لهم، نظريا، هذا الأمر، فان السياق القانوني والسياسي للبلد يشجعهم على ذلك. فقوانين البلد تعتبر أنه، باستثناء أقلية يهودية تاريخية، كل مغربي هو بحكم الواقع، وبشكل لا رجعة فيه، مسلما سنيا مالكيا. وبشكل مفارق، هذه القوانين نفسها تمنح حرية المعتقد والتدين لكل المواطنين. وما علينا سوى أن نلقي نظرة على نص الدستور المغربي من أجل إدراك الشيزوفرينيا الهوياتية التي ينتجها ويعتبرها مسألة طبيعية. فزملائي هم ضحايا بقدر ما هم مسؤولين عن هذه الأزمة الهوياتية الممأسسة قانونيا.
إن الدستور يحسم مبدأ العلمانية، ويشير مع ذلك إشارة خاصة إلى التقليد الديني لغالبية المواطنين، و إلى الوضع التاريخي للملك باعتباره أميرا للمؤمنين، ليس مستحيلا. وسيكون من الأفضل بالنسبة للنص الحالي الذي يترك الباب مفتوحا، باسم دين نصف ممأسس، لتجاوزات سياسية، قانونية وتربوية خطيرة، تنفي الفرد وتخلق هوية ممزقة و غارقة في عمق الحقد على الذات، وهذا ما يلخص بحزن الوصف القدحي الشعبي “مروكي” (من الكلمة الاسبانية marroquí)
المشكل لا يطرح كذلك على المستوى السوسيو-اقتصادي. فالتلميذان اللذان كتبا ما قدمنا أعلاه، لم يأتيا من سيدي مومن، الحي الهامشي بالدار البيضاء الذي أعطى انتحاريي الشهر الماضي. فهما ينتميان إلى النخبة الاجتماعية. ويكفي أن رسوم الدراسة في هذه الثانوية تبلغ 100 ألف درهم في السنة للتلميذ. إن الأزمة الهوياتية تعاش على كافة المستويات الاجتماعية. فهي تمس جميع الناس بما في ذلك نخبة هذا البلد. ومن غير المفيد الانتظار إلى حين قيام فاعلين سوسيوسياسيين من النخبة المغربية بتغيير مجتمعي ايجابي، كمبادرة خاصة منهم، هذا إلا في حالة إذا ما تصالحوا هم أنفسهم مع فكرة الحرية الهوياتية. ففي أفضل الحالات، النخبة السوسيوسياسية قادرة، كما هي العادة دائما، على تصور إجابات غامضة انطلاقا من مذهب “الوسطية “، الذي ليس لا علماني بشكل منفتح، ولا إسلامي بشكل منفتح،والذي لا يزيد إلا تعقيد الأزمة الهوياتية. إن الهويات الإسلامية وغير الإسلامية، التي يتم التداول بصددها واختيارها بحرية من طرف أفراد أحرار في المغرب لا يمكن أن تزدهر إلا في سياق سوسيو-تربوي علماني فعلا، يحترم كل الناس ولا يفرض أي شيء على الفرد. إن التعليم الديني في الإسلام، مثلما في كل الأديان، ينبغي أن يظل بشكل حصري من اختصاص المؤسسات الدينية الخاصة، غير الخاضعة لرعاية الدولة.
ومن سخرية الأقدار أنني بدأت أعجب بالروحانية الإسلامية في الولايات المتحدة أكثر مما كنت في المغرب. ففي بلد حر، تتم حماية التعبير الإسلامي والاختيارات الإسلامية في تنوعها الكبير، بنفس القدر الذي تحمى به جميع الأديان الأخرى. وعلى العكس ينخرط المغرب في روح النفي المرضي للوقائع الطبيعية للتنوع. أعرف عائلات مغربية غير مسلمة، يجد أطفالها أنفسهم ملزمين بمواجهة صعوبات حقيقية في المدارس المغربية العمومية والخاصة. هناك خوف هوياتي يشلنا وغير مفيد لنا، يتحكم فينا، بحيث يجعلنا نعاند أنفسنا بقوة لنفي التنوع الطبيعي الذي لا يمكن أن يوجد في مجتمع جد متجانس مثل مجتمعنا. والواقع أنه ستكون هناك دائما بيننا أقليات مغربية ملحدة، شيعية، مسيحية، بهائية الخ. أقليات قامت وستقوم باختياراتها العقائدية بحرية و وعي.
وباختصار، أعتقد انه لا يمكن الاعتماد على مدرسي الوزارة، واضعي المقررات الدراسية، وهيئة أساتذة تعيش هي ذاتها أزمة هوية قاسية، لكي يكونوا قادرين على خلق أدوات بيداغوجية تشجع على حل هذه الأزمة بدلا من تعميقها. مع الأسف، ليست هناك إجابة سهلة على هذا المأزق، لأنه مأزق يتعلق بمجموع النسق السوسيوسياسي. هذا المشكل لا يمكن أن يبدأ في إيجاد حلول له إلا على المستوى القانوني وانطلاقا من مبادرة خلية من مناضلي حقوق الإنسان يكونون قد حسموا تماما أزمة الهوية على مستوى ذواتهم، والذين يكونون مستعدين لاعتبار مؤسسات بلدنا مسؤولة أمام التزامات المغرب في مجال حقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها كما يعبر عنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المعترف به من طرف المغرب. هذا الإعلان، وكذا باقي المعاهدات الدولية، التي انضم إليها المغرب، تفترض بالضرورة علمانية مؤسساتية نزيهة تحرر الفرد في المغرب وتؤكد على كرامته، بل وتحترم قيم غالبية المواطنين.
ولا ينبغي لجهود جمعيات حقوق الإنسان في المغرب أن تهمش مسألة حرية اختيار العقيدة الدينية لصالح الحقوق الاقتصادية و السياسية التي تشغل في الغالب “أجندة” هذه المنظمات. فهذه الحقوق هي جوهرية، لكنها لا يمكن أن تنفصل عن الكرامة الأخلاقية للفرد التي تؤسس اختياراته السياسية والاقتصادية. فالإنسان لا يعيش فقط بالخبز. ينبغي العمل جميعا، انطلاقا من خلايا للتفكير تضع الأصبع بشجاعة على المشكل، بدلا من الالتفاف عليه بأشباه حلول “الوسطية”، بهدف إيجاد الوسائل الملائمة لحله. وإلا فان المغاربة كما كل المجتمعات الإسلامية غير العلمانية (وباقي العالم معهم) سيعانون بطريقة دورية من نتائج أعراض أزمة هوية ما تفتأ تعوق عجلة التنمية البشرية في الشرق الأوسط والتي يمثل الإسلام ذاته ضحية لها.
* كمال فريالي باحث في الانثروبولوجيا بجامعة فلوريدا وناشط طلابي سابق

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال25 موضوعها ( السلفية الجهادية وشرعنة الإرهاب) مع جمال هاشم

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال25 موضوعها ( السلفية الجهادية وشرعنة الإرهاب) مع جمال هاشم

من السذاجة الاعتقاد بوجود قوانين واستنتاجات قطعية حين نتناول بالدراسة والبحث قضايا مرتبطة بتوظيف الدين في الصراع حول السلطة. فالمؤرخون أكدوا على أن نشأة الفرق والجماعات الإسلامية ارتبطت منذ وفاة الرسول (ص) بالصراع حول الحكم. وكان الموقف السياسي يغلف دوما بغطاء ديني لإكسابه شرعية أمام الناس، وهي نفس القاعدة التي بقيت سارية إلى الآن مع اختلاف السياق التاريخي.                       

إن مداخلتي سوف لن تكون مداخلة أكاديمية بالمعنى الحيادي للكلمة كما أنها ليست استنتاجات باحث يراقب الأحداث من بعيد، بل هي عبارة عن موقف يمتح من حمأة الصراع ضد حاملي المشروع الإرتكاسي، أعداء التسامح والتآخي والحداثة. إنها مداخلة تفتخر بانخراطها في الحرب على الإرهاب وفي معسكر الصراع الإيديولوجي الإعلامي والسياسي والجمعوي مع التيارات المتطرفة التي تحتكر الدين لتبرير أعمالها الإجرامية، سواء أكانت سلفية جهادية تعلن بصراحة عن نهجها العنيف أو سلفية تضمر استراتيجيتها العنيفة وتؤجلها مقدمة الوجه الذي يدعي الإعتدال (جماعة العدل والإحسان مثلا التي تتبنى تصور حسن البنا لمراحل العمل الإسلامي الثلاث الإعلام ثم الإعداد ثم التنفيذ..المنهاج النبوي ص412. ) فإذا كان الأكاديميون يتأملون الواقع فإن الفاعلين السياسيين والجمعويين ورجال التربية والإعلام يعملون على تغييره، لهذا ستتنازل هذه المداخلة عن بعض الصفات التي يحبذها الأكاديميون كالعلمية والموضوعية والحياد … وستبتعد عن برودة قاعات البحث المجرد لتقترب من حرارة الصراع الذي تخوضه عدة أطراف دفاعا عن كل القيم النبيلة التي تميز المشروع المجتمعي الديمقراطي الحداثي المنشود . لقد أكدت دوما على أهمية تكامل كل المقاربات في مواجهة الظاهرة الإرهابية، وعدم المفاضلة بينها لأن شروط الصراع هي التي تفرض أولوية مقاربة على أخرى سواء أكانت أمنية أو سياسية أو أكاديمية أو إعلامية أو ثقافية وجمعوية … فالظاهرة متشعبة لهذا لايحق لأي طرف أن يضع حولها سياجا ويحتكرها لنفسه سواء بمبرر أكاديمي أو مبرر أمني أو سياسي … لأنها شأن عام يحق لكل متدخل أن يقاربها من زاويته ووفق المصلحة التي تحركه.

السلفية الجهادية في المغرب

 تطلق هذه التسمية على التيارات الدينية المتشددة والمؤمنة بالعنف والتي تنسب نفسها لأهل السنة والجماعة ولنمط التدين البدوي الوهابي والتي انخرطت في الجبهة العالمية لقتال اليهود والنصارى المؤسسة سنة 1998. وقد اختلف الدارسون الذين تناولوا السلفية الجهادية حول تحديد طبيعتها: هل هي تنظيم مهيكل أم أنها حركة وحالة فكرية تضم خليطا من المنظمات والخلايا المتشددة العنيفة تنسب نفسها للسلف وللدين كما طبق في مراحل انتشار الدعوة  ضد من تعتبرهم كفارا، وتأخر ظهور الحركات الجهادية في المغرب بسبب ترسخ مؤسسة إمارة المؤمنين المعبرة عن وحدة المذهب والحامية للدين وبسبب التعددية السياسية والنقابية والجمعوية التي عرفها المغرب مبكرا. لهذا لم تجد هذه الجماعات التربة خصبة لترسيخ جذورها وبقيت معزولة الشيء الذي سهل على رجال الأمن القيام بعمل استباقي لتفكيكها كما أن تعاون المواطنين ورفضهم لهذه الجماعات يفسر تأثيرها الهامشي وعزلتها وصعوبة تغلغلها في المجتمع عكس ما حصل في الجزائرمثلا. كما أن التيارات الدينية التي توظف المؤسسات أدركت بدورها مستوى السقف الذي يمكنها التحرك تحته رغم مختلف أوهامها ولعل نتائج الإنتخابات الأخيرة خير درس لأتباع العثماني الذين صدقوا النبوءات وحلموا بمائة مقعد في الرلمان .

 كما تكمن الصعوبة في فهم الحركات السلفية الجهادية في كون انتشارها غير خاضع لمنطق محدد ولا لقيادات معينة، بل هي حركة دينية عنيفة تجد لها أنصارا بشكل تلقائي وتتشكل تنظيماتها في أية لحظة وحول أي متزعم يعلن نفسه أميرا ويشكل خلايا مستعدة لاقتراف أعمال إجرامية باسم الدين. وقد أثبت تطور الأحداث بعد مجزرة 16 ماي 2003 أن خلايا سيدي مومن لم تكن إلا الجزء البارز من جبل الجليد لأن الشرطة ستنجح في تفكيك العشرات من التنظيمات والخلايا الإرهابية التي كانت تستعد لتنفيذ مخططاتها الإجرامية.                                                  

ومن القواسم المشتركة التي تقرب بينها:

– عقيدة الولاء والبراء، الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين والتبرؤ من الكفار والمشركين وكل من تعامل معهم واتبع سياساتهم، وتؤسس هذه العقيدة لكراهية الآخر.

– الحاكمية وتعني رفض الحكم بغير ما أقره الله ورسوله واعتبار الشريعة أساسا لكل القوانين والتشريعات بدل القوانين الوضعية.                                         

  – تكفير الدولة والمجتمع ورفض الدساتير والقوانين الوضعية                                          

– رفض الديمقراطية واعتبارها كفرا ورفض الاشتغال في المؤسسات المنتخبة

– ضرورة تطبيق شرع الله على كل مناحي الحياة والعودة إلى تطبيق الحدود

 – عدم جدوى الوسائل السلمية وضرورة الخروج على الناس (التعزير وتغيير المنكر) والخروج على الحكام وقتالهم واعتبار الجها د فرضا على كل المسلمين      

– اعتبار المجتمع دار حرب يجوز فيها السلب والنهب والقتل

– إباحة قتل المدافعين عن الدولة من جيش وشرطة ورجال سلطة

– إباحة الخداع والتقية في العمل الجهادي

– محاربة كل البدع كالاحتفال بالمولد النبوي وبعض طقوس الجنائز

– هجرة المجتمع وعدم التعامل معه خاصة بالنسبة لجماعة الصراط المستقيم

– تكفير من لم يكفر بالحكام ومؤسساتهم المستوردة  (الطواغيت)

 

هناك من يرجع الحركة الجهادية في المغرب إلى تنظيم الشبيبة الإسلامية الذي أسسه عبدالكريم مطيع سنة 1970 برفقة النعماني وعبد اللطيف عدنان وابراهيم كمال ومحمد العبدلاوي، والذي انتشر في شكل خلايا شبه سرية وفي شكل جمعيات مدنية تكلفت بمواجهة التنظيمات اليسارية التي بلغت أوجها مع بداية السبعينات. وكان اغتيال القائد الإتحادي عمر بنجلون سنة 1975 أول جريمة سياسية يوظف فيها الدين من طرف هذه الجماعة التي اضطر أغلب قادتها إلى الهروب خارج أرض الوطن وتبني مواقف أكثر تطرفا. كما أن تفاقم خلافاتهم أدى إلى تأسيس جماعات صغيرة أخرى (كحركة المجاهدين المغاربة التي أسسها محمد النعماني الذي استقر بفرنسا وأصدر مجلة السرايا التي تكلف النكاوي بإدخالها إلى المغرب إلى جانب إدخاله للسلاح والذي سيعتقل فيما بعد) كما أن المراجعات التي قام بها بعض قدماء الشبيبة قادتهم إلى تأسيس إطارات جديدة، كرابطة المستقبل الإسلامي، والإختيار الإسلامي، وصولا إلى الإصلاح والتجديد سنة 1981. ومن الجماعات التي ظهرت في بداية السبعينات والتي زاوجت بين العنف والعمل الدعوي جماعة العدل والإحسان بزعامة مرشدها الدائم عبد السلام ياسين الذي انفصل عن الزاوية البوتشيشية، واتخذ لنفسه مسارا متشددا سيتجلى في بعض كتبه. وقد وجه سنة 1974 كتابا شديد اللهجة للملك الراحل الحسن الثاني  تحت عنوان ( الإسلام أو الطوفان ) ثم ( رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام ) ثماني سنوات بعد ذلك قبل أن يتكلف طلبة العدل والإحسان بالكشف عن الوجه الحقيقي للجماعة سنتي 91و92 بقتل وجرح العديد من الطلبة في جامعات وجدة وفاس ومكناس والقنيطرة…( كالمعطي أوملي بوجدة والذي حوكم قتلته العدليون ب20سنة سجنا وبن عيسى أيت الجيد الذي قتل بفاس سنة 92 واعتقل أحد قتلته مؤخرا). وكان ذلك بداية تنفيذ توصيات كتاب المنهاج النبوي الذي يكشف كل استراتيجية جماعة العدل والإحسان العنيفة واستعدادهم للقومة والزحف ( انظر الملحق ) بالإضافة إلى حرب الشواطئ بتساهل من إدريس البصري واستعراض القوة في المهرجانات التضامنية واستغلال العمل الخيري للإستقطاب قبل أن تتدخل الدولة من خلال مؤسسة محمد الخامس للتضامن وصولا إلى مناهضة تعديل قانون الأسرة في مسيرة الإسلاميين شهر مارس سنة 2000 قبل تدخل الملك. دون أن ننسى حرب المهرجانات والأخلاق ( ولعل نكتة قومة 2006 خير دليل على ذلك). وقد واصل عبد السلام ياسين نفس النهج  مع الملك محمد السادس حين أرسل إليه سنة 1999  رسالة إلى من يهمه الأمرثم وثيقة جميعا من أجل الخلاص التي وجهتها الدائرة السياسية للجماعة للفاعلين السياسيين في شهر دجنبر 2007 بعد انتخابات شتنبر.

                              لقد كان الاحتلال السوفياتي لأفغانستان والتوظيف الأمريكي والباكستاني والسعودي لجماعات المجاهدين تحت يافطة مناهضة الشيوعية بمثابة التوقيع على عقد ميلاد الحركات الجهادية في صيغتها الجديدة خلال النصف الثاني من الثمانينات، كما أن انتصار الثورة الإيرانية وإعلان الحرب على العراق ودخول القوات الأجنبية لحماية أنظمة الخليج أثار جدلا فقهيا حول جواز الإستعانة بالجيوش الأجنبية لحماية الوطن وفق عقيدة الولاء والبراء. وظهر فقهاء أباحوا الجهاد العنيف ضد أنظمتهم وضد المحتلين، كما أباحوا قتل الأبرياء والقيام بعمليات مفتوحة ضد الأعداء في كل مكان. وكان تنظيم القاعدة هو من أطلق شرارة العمليات الإٍرهابية ضد أمريكا بصفة خاصة ومصالحها في عدة  مناطق من العالم (السعودية وتانزانيا …). هكذا ومع نهاية الحرب الأفغانية ستبدأ جماعة الأفغان العرب في العودة إلى بلدانها لتتمة الجهاد الذي بدأته في أفغانستان (نموذج الجزائر). وقد أسهم تواجد العديد من المقاتلين المغاربة في أفغانستان في تأطيرهم تحت لواء الجماعة المغربية المقاتلة بزعامة الكربوزي اللاجيء في إنجلترا

ومن العمليات العنيفة التي هزت المغرب أواسط التسعينات عملية فندق أطلس آسني بمراكش صيف 1994 والتي ذهب ضحيتها عدة سياح أجانب ونتج عنها إغلاق الحدود بين  المغرب والجزائر.

لكن الجماعات الجهادية المنظمة ستنتشر تدريجيا بعد ذلك بمسميات متعددة :

الهجرة والتكفير

 تأسست من طرف محمد داوود الخملي الذي انفصل بداية الثمانينات عن الشبيبة الإسلامية التي تؤمن بتكفير الدولة والمجتمع وارتكب أعضاؤها عدة جرائم اعترف بها الزعيم يوسف فكري أمام المحكمة وللصحافة كما قام هو وأعضاء جماعته بالسطو على عدة أبناك وممتلكات. وقد اعتبرت هذه الجماعة المساجد القائمة مساجد ضرار ورفضت الصلاة فيها وتعارض الدين الرسمي. ومن ضحاياهم عبد العزيز فكري المقتول سنة 1998 وعمر الفراك سنة 1999 والشرطي سعيد رسين سنة 2000 والموثق عبد العزيز الأسدي سنة 2001

الصراط المستقيم

وهي إحدى الفصائل الجهادية التي أسسها زكريا الميلودي وذلك سنة 1996 بعد أن كان قد انفصل فل ذلك عن حركة التجديد والإصلاح، وضمت عدة مغاربة أفغان وانتشرت في عدة مدن مغربية، ومن أخطر عناصرها محمد فردوس

وكان أعضاء الجماعة يعتدون على الناس حسب ما يسمونه تعزيزا إلى درجة قتل المواطن فؤاد القردودي رميا بالحجارة بسيدي مومن ليلة عيد الأضحى دجنبر 2002 وتعتبر هذه الجماعة من الجماعات الأكثر تطرفا لأنها بدورها تكفر المجتمع والدولة وكانت وراء استغلال شباب الأحياء الهامشية وتنفيذ تفجيرات الدارالبيضاء يوم 16 ماي 2003

السلفية الجهادية

وهي تيار فكري يعتبر الجهاد فرضا على كل مسلم ويدعو إلى تطبيق الشريعة، وكان زعماؤه قد أيدوا تنظيم القاعدة وكفروا التعاون مع الجيوش الأجنبية ( فعمر الحدوشي مثلا حرم تعاون المغرب مع أمريكا في حربها ضد طالبان واعتبر مناصرة بن لادن واجبة). كما أن عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) بارك عمليات 11 سبتمبر وعمل بعد عودته من أفغانستان على تعبئة أتباعه للقيام بالعمل الجهادي من خلال دروسه التي كان يلقيها في بعض المساجد بفاس وهو ابن أحمد رفيقي ( أبو حذيفة ) أحد أقدم الأفغان المغاربة الموالين للقاعدة. ومن منظري هذا التياركذلك محمد الفيزازي الذي كان يعبيء الشباب الإنتحاري من خلال دروسه، وحسن الكتاني وعبد الكريم الشاذلي اللذان كانا يناصران القاعدة ويباركان عملياتها.                                                   

جماعة أنصارالمهدي

    بزعامة حسن الخطاب الذي أسس هذه الجماعة التي تضم أكثر من خمسين عضوا، فبعد قضاء سنتين من السجن في ملف إرهابي آخر بين 2003 و 2005، خرج الخطاب أكثر تشبعا بالقناعات الجهادية المتطرفة، وإن كانت إضافة إسم المهدي قد خلق لبسا حول ولاء الجماعة للشيعة أو تعاطفها مع إيران ومع حزب الله. ومن أبرز معاوني الخطاب ياسين الورديني العسكري الذي تكلف باستقطاب عسكريين للجماعة. وقد خطط أنصار المهدي لاستهداف عدة منشآت حيوية وشخصيات سياسية وقاموا بتجارب على المتفجرات بضواحي مدينة سلا لكن يقظة أجهزة الأمن كانت وراء تفكيك هذه الخلية الإرهابية شهر يوليوز 2006 ومحاكمة أفرادها.                                    

خلية محمد رحا وخالد أزيك

 وتم تفكيكها خريف 2006 وتضم أكثر من 20 فردا وهي مرتبطة بتنظيم القاعدة وتضم مغاربة يحملون جنسية بلجيكية ( رحا وخاله الزموري ) وبعض قدماء معتقل غوانتانامو من المغاربة ( بنشقرون ومزوز ).

خلية تطوان

  وتتكون من مغاربة مستقرين بتطوان وبإسبانيا هدفها تجنييد انتحاريين للهجرة للعراق وتضم عشرات الأعضاء الذين نجح كثير منهم في السفر إلى العراق عبر تركيا وسوريا ..

خلية الرايضي

 وقد ارتبطت باسم عبد الفتاح الرايضي  الذي كان معتقلا على إثر تفجيرات 2003 وعمل بعد إطلاق سراحه على تشكيل خلية من إخوته وبعض الشباب، كانت وراء تفجيرات مارس وأبريل 2007 بالبيضاء ( بنادي الأنترنيت وبحي الفرح وبشارع مولاي يوسف ) وكانت تستهدف مراكز حيوية بالمدينة بعد أن هيأت كمية هائلة من المتفجرات وجندت أكثر من خمسين انتحاريا.

خلية بلعيرج

 وقد تم تفكيكها شهر فبراير من هذه السنة 2008، وتكمن خطورتها في كون متزعمها المغربي الحامل للجنسية البلجيكية ارتكب عدة جرائم في بلجيكا وأدخل السلاح للمغرب بهدف القيام بعمليات إرهابية، لكن الغموض لا زال يلف دور بعض السياسيين الذين اعتقلوا في إطار الخلية والذين كانوا ينشطون في إطار مؤسسات شرعية كالمعتصم والمرواني وناجيبي والسريتي والركالة والعبادلة.

لاديمقراطية مع الإرهابيين                                    

إن التساؤل عن استيعاب الديمقراطية للحركات الجهادية المتطرفة هو تساؤل غير ذي معنى فالديمقراطية قيم حضارية نبيلة قبل أن تكون آليات وقواعد للحكم والتعايش داخل مجتمع محدد، ومن يؤمن بالقتل ويبرره ويكفر الناس ويقصيهم ويسمي الإجرام جهادا والسرقة فيئا والاعتداء سبيا لايمكنه أن يتعايش مع من يقدس حق الإنسان في الحياة ولا مع من يدافع عن استقرار الوطن وطمأنينة المواطنين. كما أن من يرفض التعامل مع المخالفين له حضاريا لايمكنه أن يقدم أية خدمة للإنسانية. ومن يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة لا يمكنه أن يتعايش مع الآخر ولا يمكنه أن يدرك أهمية الاختلاف ونسبية الحقائق. كما أن من يكفر بفكرة الوطن ويدين بالولاء للتنظيمات الإرهابية العالمية ويسعى إلى تدمير بلده لا يستحق معاملة ديمقراطية لأن مكانه الطبيعي هو السجن باعتبار أن العقائد التي يؤمن بها لا تشكل رأيا ولا موقفا سياسيا بل قناعات إجرامية مغلفة بغطاء ديني، هدفها تدمير كل ما بنته الإنسانية. إن الدول الغربية نفسها استوعبت هذا الدرس بعد فوات الأوان. فقد كانت تضمن الحماية للإرهابيين باسم حقوق الإنسان وبمبرر كونهم مضطهدين في بلدانهم الأصلية لكن المتشددين استغلوا هذا الوضع وعضوا اليد التي مدت إليهم فكانت تفجيرات مدريد ولندن بعد نيويورك وواشنطن. كما تم اكتشاف القاعدة الخلفية للإرهاب العالمي، التي كانت تحتمي بالقوانين الغربية المتسامحة لدعم شبكات الحقد والتدمير بالمال والعتاد والرجال في مختلف دول العالم الإسلامي ولعل الخلايا المفككة في المغرب خير دليل على ذلك.

كما أن حديث البعض عن مراجعات يقوم بها بعض شيوخ الإرهاب بين الحين والآخر يبقى مجرد خدعة تاكتيكية لربح الوقت وطلب العفو، فالثوابت بالنسبة لهم تبقى هي نفسها وإن تظاهروا بالتراجع عن العنف، كوثيقة حسن الخطاب ووثيقة عبد العالي علام التي يظهر من محتواها رفض الحداثة وكل قيم التسامح والتعايش، رغم استفادتهم من دعم بعض الجمعيات الحقوقية التي تتعامل مع مطالبهم بنوع من السذاجة.

 

 

                                            ملحق

مقتطفات من كتاب المنهاج النبوي لعبد السلام ياسين الطبعة الثانية البيضاء1989

ــ((نريد تغييرا جوهريا يأتي بنيان الفتنة من القواعد.)) ص 26    

ــ((نبرز بمشروعنا ونعلنه ونحارب دونه بأساليب السياسة ما انفتح لنا فجوة، وبكل الأساليب إن اضطهدنا .)) ص27                                        

ــ((عندها يكون التسرب اللطيف إلى أجهزة دول الجبر الإعلامية والحكومية خدمة للدعوة على المدى البعيد.)) ص27                                      

ــ((على أن التسرب لأجهزة الحكم، وإعداد الرجال لكل مناصب الدولة ومواطن الخبرة والقيادة فيها جزء أساسي من الخط اللاحب الذي يجب أن يمضي .)) ص28                                                                                 

ــ((السياسة الشرعية تجيب أن القومة الإسلامية على حكام الجبر مشروعة .))ص 28

     ــ((في تربيتنا وتنظيمنا وزحفنا نمسك عواطف المسلمين وأفكارهم من فروع أسباب الغضب على الجور، الأسباب الأرضية السياسية الإجتماعية الأقتصادية ثم نربط النقمة الطبيعية على الظلم بالدين .)) ص 374

ــ((واجبنا أنن نرفع الهمم حتى يكون الموت في سبيل الله هو غاية أمانينا حقا، حتى يتمنى كل منا أن يقتل في سبيل الله )) ص376

ــ((يجب أن ينصب جهادنا السياسي قبل القومة على تعليم الأمة أن الله أمر أن تكون أمة أي جماعة … تأمر بالمعروف الأكبر، وهو إقامة دين الله وإرجاع الخلافة على منهاج النبوة .)) ص410

ــ((…ماهو الخط السياسي أو المسالك السياسية التي من شأنها أن تتقدم بنا إلى نصل إلى الحكم وإلى أن نبني الخلافة على منهاج النبوة ؟… ومن حقنا وواجبنا أن ننوع أساليبنا ونراعي الظرف والعصر والمصر ومن حقنا أن ننتخذ الوسيلة الشرعية للهدف الشرعي دون أن نتبلد أمام حيل خصومنا وأ‘دائنا ونتصرف على أساس أنها حرب وأن الحرب خدعة كما جاء في الحديث .)) ص411

ــ((جهاد التنفيذ … أقصد بالتنفيذ نهوض الجماعة القطرية لتعلن نفسها أو تسر وجودها، ثم لتزحف إلى الحكم وتستولي عليه، وتعيد ترتيب البيت وتوجيه المسار، وتعرف المعروف وتأمر به بعد أن تنكر المنكر وتطيح به.))ص412  

  ــ((تورد هذا لبعض إخوتنا ممن ينسون في ظروف خاصة … أن التسرب عبر أشواك الواقع، وأسلاك الحصار وتموجات الباطل لايعني الإستسلام لكيد الإحتواء المنظم .))ص413 

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 24 موضوعها (الحركات الجهادية وتنظيم القاعدة أية علاقة ؟) مع سعيد الكحل

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 24 موضوعها (الحركات الجهادية وتنظيم القاعدة أية علاقة ؟) مع سعيد الكحل

المقصود بالحركات الجهادية التنظيمات والخلايا التي تمارس العنف وتؤمن به كعقيدة دينية وفريضة على كل مسلم. وهذه الحركات رغم تعددها وتكاثرها فهي تلتقي مع تنظيم القاعدة على مستويين :

المستوى الأول: عقائدي. بمعنى أن الحركات المتطرفة وتنظيم القاعدة لهما نفس العقائد ونفس المنطلقات الفكرية والإيديولوجية التي أصّـل لها محمد بن عبد الوهاب ونظّر لها، فيما بعد، المودودي وقطب. ومن أصولها قول محمد بن عبد الوهاب: " فالله … الله يا إخواني تمسكوا بأصل دينكم و أولِه و آخرِه … أسّه و رأسه، و هو شهادة أن لا إله إلا الله، و اعِرفوا معناها و أحِبوا أهلها و اجعلوهم إخوانكم – و لو كانوا بعيدين – و اكفروا بالطواغيت و عادوهم و ابْغُضوا من أحبهم أو جادل عنهم، أو لم يُكفّرهم، أو قال ؛ ما علي منهم، أو قال ؛ ما كلفني الله بهم، فقد كذب هذا على الله و افترى، بل كلفه الله بهم، و فرض عليه الكفر بهم و البراءة منهم – و لو كانوا إخوانه و أولاده – فالله . . الله تمسكوا بأصل دينكم لعلكم تلقوْن ربكم لا تشركون به شيئا " (الدرر السنية 1/78) . وتتلخص  عقائد التكفيريين/الجهاديين، كما وردت في البيان التأسيسي للجماعة الإسلامية للتوحيد والجهاد بالمغرب، في :

 »نعتقد أن الديمقراطية دعوة كفرية تعمل على تأليه المخلوق و اتخاذه ربا و تَرُدُّ له خاصية التشريع  والحكم من دون الله تعالى فهي كفر بواح و خروج عن دائرة الإسلام فمن اعتقد بها أو دعا إليها  وناصرها أو تحاكم إليها فهو كافر مرتد مهما تمسح بالإسلام وتسمى بأسماء المسلمين.

ونعتقد أن الأنظمة الوضعية السائدة في بلاد الإسلام نظام كفري مقتبس من قوانين اليهود والنصارى واضعوها شركاء لله في الحاكمية والعاملون بتلك الأنظمة أو المقرون لها أو المتحاكمون إليها مشركون .  

ونعتقد كفر الحكام الذين يبدلون شرع الله بشرائع وقوانين الكفر والحاكم الذي يجعل من نفسه ندا لله في خاصية التشريع فيشرع التشريع الذي يضاهي شرع الله.

ونعتقد أن العلمانية على اختلاف راياتها ومسمياتها وأحزابها المعمول بها في الأمصار التي تفصل الدين عن الدولة والحياة و شؤون الحكم والعباد و تجعل ما لله لله وهي زوايا التعبد وحسْبْ و ما لقيصر لقيصَـر و هي جميع مرافق و شؤون الحياة، وما كان لقيصر لا يصل إلى الله وليس من حقه ولا من خصوصياته التدخل فيه، غرْس خبيث و دخيل على الأمة وهي كفر بواح و مروق من الدين فمن اعتقد بها أو دعا إليها أو ناصرها أو قاتل دونها أو حكم بها فهو كافر مشرك.

ونعتقد أن الديار التي تعلوها أحكام الكفر هي ديار كفر و حرب ولا يلزم من هذا تكفير ساكنتها مع اعتقادنا بأنها خليط بين الكفار والفساق و المسلمين كل يعامل بحسب حاله و لا نقول بقول غلاة المكفرة أن الأصل في الناس الكفر .

و نعتقد أن الكفر بالطاغوت شرط في صحة الإسلام فمن لم يكفر بالطاغوت منفي عنه الإيمان و غير داخل في دائرة الإسلام إذ هو الركن الركين في شهادة التوحيد بنص القرآن. « 

 وبناء على هذه العقائد تتأسس مواقف التنظيمات الجهادية بحيث تلتقي عند :

أ ـ تقسيم العالم إلى دارإ سلام ودار حرب .

ب ـ التمييز بين الناس على أساس عقائدي: مؤمنون وكفار .

ج ـ الجهاد لنشر الإسلام ومقاتلة الكفار في أي مكان فريضة ملزمة لكل مسلم لا يصح إسلامه ولا يكتمل إيمانه إلا بالامتثال لهذه الفريضة وممارستها. لهذا فالجهاد فرض عين .

د ـ معاداة حقوق الإنسان بحجة أنها تتناقض مع أحكام الشريعة

هـ ـ تكفير  الديمقراطية كقيم وثقافة ومبادئ بحجة أنها تشرك الإنسان في سلطة التشريع التي هي من اختصاص الله تعالى وحده.

و ـ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لتبرير استعمال العنف والقتل والتدمير ضد من تعتبرهم هذه الحركات أعداء الإسلام.

ويوضح ناجح إبراهيم، أحد منظري الجماعة الإسلامية في مصر، أوجه الاختلاف والاتفاق بين تنظيم هذه الجماعة وبين تنظيم الجهاد كالتالي: "بدأت العلاقة بين الجماعة الإسلامية والجهاد.. بالعلاقة الوثيقة بين الشيخ كرم والشيخ محمد عبد السلام -رحمه الله- الذي أُعدم في قضية السادات.. وكان كلاهما مخلصًا لإقامة الدولة الإسلامية في مصر.. وكلاهما كان متعجلاً لأن يتحقق هذا الهدف على يديه قريباً.. ورأيا أن طريق الدعوة والتربية طريق طويل ولن يوصلهما لأهدافهما.. ويمكن إجهاضه من الدولة وعرقلته بين الحين والآخر.. فقررا توحيد جهودهما ودمج الجماعتين استعداداً لهذا الهدف.. وبعد تعارف المجموعتين رفض بعض قادة الجماعة الإسلامية طريقة ومنهج الجهاد في التعاطي مع قضايا كثيرة مثل تكفير الشرطة والجيش.. وعدم العذر بالجهل.. والعجلة الفظيعة التي لا نظير لها في الرغبة الانقلابية.. وعدم الراحة القلبية من الجماعة الإسلامية تجاه أشخاص مثل نبيل المغربي.. الذي يريد القيام بأي شيء تجاه النظام.. حتى لو كان ضارًّا، ولا يحقق أي شيء من مقصوده الشرعي أو حتى العملي .. . تتفق الجماعة الإسلامية مع جماعة الجهاد في أشياء كثيرة يفوق حصرها وأهمها منهج التلقي.. وكذلك الاتفاق على مرجعية الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح.. وكذلك على كل أبواب الأصول والفقه الموجودة في كتب السلف عمومًا.. ولكنهما يختلفان في بعض القضايا الفكرية والعملية والأساليب الدعوية.. وأهم هذه الاختلافات تكفير تنظيم الجهاد للشرطة والجيش مع عدم العذر بالجهل لعوام المسلمين الذين يقعون في شرك أو كفر أو غيره.. وكانت الجماعة الإسلامية ترفض ذلك كله."

إن التنظيمات الجهادية لا تختلف في عقائدها وأهدافها عن تنظيم القاعدة، بل جميعها يستند إلى نفس الشيوخ المنظرين الأوائل لعقائد التكفير والقتل والتدمير أمثال الدكتور سيد إمام عبد العزيز المشهور بالدكتور فضل. وفي هذا الإطار يؤكد الشيخ ناجح إبراهيم طبيعة العلاقة الروحية بين تنظيم الجهاد وتنظيم القاعدة كالتالي"ولكن إخوة تنظيم الجهاد والقاعدة خارج السجون تأثروا بالأفكار القديمة للدكتور سيد إمام الذي كان يدعو إلى تكفير الحكام وأعوانهم.. والشرطة والجيش وأعضاء البرلمان.. والقضاء والنيابة.. بل وبعض الجماعات الإسلامية.. وهذه الأفكار هي التي امتدت إلى إخوة الجهاد والقاعدة خارج مصر وانتشرت على مواقع النت."

وهذه العقائد هي التي ستتبناها باقي التنظيمات والخلايا الإرهابية  على امتداد العالم الإسلامي. ففي أحد بيانات تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي نقرأ "دعو كل إخواننا المسلمين للابتعاد عن مراكز وتجمعات الكفار والمرتدين الرسمية والأمنية من جيش ودرك وشرطة وحرس بلدي، وليتركوا مجاورتها ومخالطتها لأن المجاهدين عازمون على استهداف مقراتهم ومراكزهم وثكناتهم بكل وسائل النسف والقصف والتدمير الممكنة حتى يستأصلوا شأفتهم أو يعودوا إلى رشدهم." وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا البيان الذي أصدره تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي جاء بعد انتشار مشاعر التذمر والغضب وسط المواطنين الجزائريين بسبب العمليات الإرهابية التي يكون ضحايا بالأساس مدنيون. 

ونفس هذه العقائد التكفيرية التي تحرض على العنف والقتل ضد المواطنين ورجال الأمن والدرك، تعتنقها خلايا التيار الجهادي.

 المستوى الثاني : تنظيمي. إذ توجد حركات متطرفة إما تابعة لتنظيم القاعدة منذ تأسيسها، أو التحقت به فيما بعد وأعلنت ولاءها له، كما هو حال " الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية" التي أصبحت تحمل اسم تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي". وهناك تنظيمات أخرى لم تعلن انضمامها للقاعدة بل اكتفت بإعلان التحالف معه كما هو حال  تنظيم "أنصار الإسلام في الصحراء المسلمة بلاد الملثمين"، الذي بث، أخيرا، شريطا صوتيا أيد فيه تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" حيث خاطب عبد المالك دوردكال، زعيم فرع القاعدة في شمال إفريقيا بالقول "اعلم أننا في خندق واحد". وكذلك هو الحال بالنسبة لعمر الحدوشي أحد شيوخ التطرف وأمراء الدم الذي يقبع خلف القضبان، فقد سبق له أن وجه رسالة إلى بن لادن يثني فيها على أفعاله. ومما جاء فيها :"وأخيرا أقول للشيخ أسامة: تسامح في حق نفسك، وتشدد في حق أمتك، تكن عند الله عبدا كريما، وفي المجتمع مواطنا مستقيما، عليك أن تعلم أن لكل شيء ثمنه، فثمن الكرامة بعض الاضطهاد، وثمن السلامة بعض الأذى، وثمن الزعامة والبطولة والرجولة كل المزعجات، وثمن الجاه بعض العداء ...اللهم أردد لنا الكَرّة على أعدائك، ووفقنا إلى موجبات نَصرك، وأنزل علينا سكينتك، وامدد بعونك وتأييدك، واجعلنا أكثر نفيرا ..
اللهم اشدد وطأتك على أمريكا ومن حالفها وشايعها من الإنس والجن، اللهم جمد الدم في أعناقهم، اللهم سلط عليهم طيرا أبابيل، اللهم سلط عليهم جندك الذي لا يُعلم، اللهم سلط عليهم سيف انتقامك، اللهم اجعلهم وجنودهم وأموالهم ومُعدّاتهم وطائراتهم غنيمة للطالبان، اللهم أعز الإسلام وانصر الطالبان، وأذل الكفر والأمريكان  15/ رمضان /1422هـ."

وتجدر الإشارة إلى أن خلايا كثيرة باتت أشد خطرا من تنظيم القاعدة دون أن تأتمر بأوامره، بل لها شيوخها ومنظروها المحليون، لكنها تعتمد أسلوب تنظيم القاعدة في التخطيط وتنفيذ العمليات الإرهابية. وجل الخلايا الإرهابية التي تم تفكيكها في المغرب والتي يزيد عددها عن 70 خلية، هي خلايا لا ترتبط تنظيميا وعضويا بتنظيم القاعدة، بل تقاسمه نفس العقائد ونفس الأهداف، ومنها تلك التي أفصح عنها أحد المغاربة الأفغان وهوعلي العلام بقوله: " شخصيا كانت تلك الفكرة حاضرة عندي، بل كانت من الأولويات، كنت موطدا العزم على تجسيد تجربتي الأفغانية في المغرب … كنت قد جئت بعقيدة الولاء والبراء، حيث لا مجال للمداراة والمداهنة، فالكافر كافر، والمؤمن مؤمن " ما فيها لا إلا ولا حتى "، فليس كل من تسمى بعبد الرحمان أو ما شابهه يعتبر مسلما … لقد عملت على نشرها ـ أفكار التطرف ـ، ولحد الآن فالناس الذين انتشرت بينهم منهم من زاد تطرفا .. أقول للتاريخ إنني طلبت من بن لادن أن ننقل العمل المسلح للمغرب .. أنا شخصيا لا أومن بالحل الديمقراطي، وأعتقد أن الجهاد لا زال ضروريا" ( الصحيفة عدد 35 ـ 12 أكتوبر 2001 ) .

هل يمكن لهذه التنظيمات المتطرفة أن تتخلى عن العنف وتختار المنهج السلمي والنضال السياسي الديمقراطي ؟

هناك عوامل تحول دون ذلك، ومنها :

ـ العامل الأول عقائدي يناهض الديمقراطية كقيم ومبادئ وحقوق ويكفِّر النظم السياسية والقوانين الوضعية ويسعى لإسقاطها وإقامة نظم بديلة بمبرر التناقض بين الإسلام والديمقراطية في النقاط التالية، كما ذكرها عبد الآخر حماد الغنيمي في كتابه "مصطلحات ومفاهيم" :

1 .)  قضية التشريع "وهذه القضية هي لب الخلاف بين الإسلام والديمقراطية فالإسلام يقرر في جلاء ووضوح أن حق التشريع هو حق خالص لله عز وجل، فالحرام ما حرمه الله والحلال ما أحله الله، وليست هذه القضية مسألة فرعية كما قد يظن البعض بل هي قضية متعلقة بأصل العقيدة، وعلى من يمارى في ذلك أن يتدبر قول الله عز وجل: {أَمْ لَهُمْ شُرَكاء شَرَعُواْ لَهُم مِن الدِّينِ مَا لَمْ يَأذَن بِهِ اللَّهُ} (الشورى: 21)، وقوله: {أَلَم تَرَ إلى الذينَ يَزعُمُونَ أَنَّهُمُ آمَنُوا بِمَا أُ نْزِلَ إِ إليكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُون أنْ يَتَحَاكَمُوا إلى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيد الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعيداً} (النساء:60)، وقوله تعالى: {فلا وربكَ لا يُؤمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أَنْفُسِهِم حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسلِيماً} (النساء: 65). .. وأخطر من هذا أن يقال: إن الإسلاميين الذين وصلوا إلى الحكم عليهم أن يتركوه إذا اختار الشعب غيرهم؛ فإن معناه أن الحاكم المسلم الذي مكن الله له أن يحكم البلاد بشرع الله، عليه أن يسلم الأمر لمن يسوسه بشرعة الشيطان. إن القضية هنا ليست قضية أفراد ولكنها قضية منهج فإذا رأت الأمة أن حاكمها قد قصّر فيما أوجبه الله عليه وصارلا يصلح للولاية فإنها تعزله وتأتى بغيره ممن يتبعون نفس المنهج الإلهي ولا يصح أن يُترك للناس الخيار في إتباع أي منهج يشاءون."

2.)  قضية المساواة:

إن من الأمور المعروفة في ظل الأنظمة الديمقراطية الغربية أن أبناء الوطن الواحد يكون لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات دونما تفرقة بين شخص وآخر بسب اللون أو الجنس أو العقيدة، وهذا مما يتعارض مع الإسلام فإن الإسلام وهو دين العدل المطلق لم يأت بالمساواة التامة المطلقة بين البشر

  3. ) قضية الحريات: وهى النقطة الأخيرة في مناقشتنا لحكم الديمقراطية في الإسلام، حيث نرى الديمقراطية الغربية تفتح للناس باب الحريات على مصراعيه حتى لتكاد تكون بلا ضوابط. ولا شك أن الإسلام هو دين الحرية بمعناها الصحيح إذ يضع الضوابط المثلى لممارسة الحريات، الأمر الذي لا يرضى به الديمقراطيون، وأضرب لذلك مثالاً واحداً وهو حرية الاعتقاد ففي ظل الديمقراطية يحق للإنسان طبقا لحرية الاعتقاد أن يغير عقيدته فينسلخ من دينه إلى دين جديد أو إلى لا دين."

ـ العامل الثاني مرجعي إذ لا توجد تنظيمات جهادية تخلت عن العنف وانخرطت في العملية السياسية. فحتى تلك التي أعلنت وقفها للعنف لم تفعله عن عقيدة واعتقاد وإنما كان اضطرارا وتكتيكا.

العامل الثالث أن المراجعات التي تمت من طرف بعض الشيوخ لم تجد صداها وسط التنظيمات الجهادية، إما لكون التنظيمات المتطرفة اتخذت لها شيوخا محليين ولم تعد لها صلات وثيقة بالشيوخ المؤسسين . وإما لأن هؤلاء الشيوخ فكوا ارتباطهم بتنظيم القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى كما  هو حال الدكتور فضل، الذي يقول عنه أبو حذيفة في حوار نشره موقع إسلام أون لاين" معروف أن الجماعة الإسلامية قامت بتحولات كبيرة في تصورها، إلا أن جماعة الجهاد ما زالت على نهجها، والدكتور فضل لا يمثلها، بل كان أمير الجماعة في وقت ما وانسحب، وهو لم يعد يمثل جماعة الجهاد، أما هي فما زالت لم تعلن عن أي تراجع، والتراجع الحاصل جاء من عبد القادر بن عبد العزيز، الذي أعلن مراجعته، ومعروف لدى الجميع أن هذا الأمر يخصه وحده. وبالنسبة لمراجعة الجماعة الإسلامية التي أعلنت مراجعتها فقد حصل اختلاف حولها، فهناك من يؤيد منهجيتها، وهناك من هو ضد تراجعها؛ لأن كتاباتها وقعت في عدة أخطاء، منها الاعتماد على حديث أن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وما دامت وقعت في أخطاء فهي تريد التكفير عنها بتأدية الدية للمقتولين" . ومن التنظيمات الجهادية من رفض مراجعات الدكتور فضل بحجة أنه "لا ولاية لأسير" .

وفي كل الأحوال فإن الجهاديين وتنظيم القاعدة يضعون شروطا لأي كاتب حتى يكون كلامه معتبرا وذا مصداقية، ومنها ما ذكره الشيخ رفاعي سرور في كتابه  "التصور السياسي للحركة الإسلامية" :

– أن يكون صاحب الكتاب سلفي الفهم.

– أن يكون صاحب الكتاب هو نفسه من أصحاب التجارب الواقعية والعملية في مواجهة الجاهلية، وأن تكون كتاباته مرتبطة بواقعه وتجاربه ومواجهته بصورة مباشرة. مع مراعاة أن ينطبق على جميع هذه الكتابات وأصحابها… قاعدة: أن كل إنسان يخطئ ويصيب ويؤخذ من كلامه ويرد عليه. وأن تتجرد في نفس الوقت عملية الأخذ والرد من عوامل الغيرة والحسد والأحاسيس الحقيرة التي قد تسعى بصاحبها إلى التفكير في هدم شوامخ الفكر ورؤوس الهدى والرشاد.

وقد تكون هذه الشروط متوفرة في بعض الشيوخ، لكن متى أعلنوا خلاف ما كانوا يفتون به من قبل، فإنهم يفقدون مصداقيتهم، فيكون كلامهم محط تجريح ونقد. والشيخ سفر الحوالي نموذج حي حيث كانت بينه وبين يوسف صالح العييري سنة (1424هـ) مراسلات كتب في إحداها إلى سفر الحوالي يقول له مستنكرا "وإذا كانت عقيدتنا تأمرنا بأن نستهدف الكفار بكل مللهم، فمن نصدق حملتكم أم نصدق نصوص الشريعة التي تقول " قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفَرنا بكم وبَدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" وتقول "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير" وتقول "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"، فإذا كانت الشريعة تأمرنا باستهداف الغرب كله بالعداوة والبغضاء ومجاهدة الكفار والمنافقين، فكيف تزعم الحملة التي جاءت لتثبت عقيدة المسلمين، بأن الاستهداف لليمين المتطرف فقط، وأننا يجب أن نكون مع المنافقين في خندق واحد ضد عدو مشترك، صدق الله وكذبت حملتكم ومَن وراء حملتكم. أهكذا يُلعب بعقيدتنا، لا نستهدف الكفار جميعاً بل نستهدف اليمين المتطرف فقط ؟  من أين لكم دليل استهداف اليمين المتطرف فقط دون بقية كفار الغرب، أنتم تستغفلون الأمة وتخالفون الشريعة، الله يأمرنا باستهداف كفار الأرض جميعاً بما فيهم كفار الغرب، وأنتم تقولون لا، اليمين المتطرف فقط."

* باحث يهتم بالحركات الإسلامية

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 23 موضوعها (من أجل مقاربة لحقوق الإنسان قائمة على النوع الاجتماعي) أو ( أو كيف ننتقل من علاقات هيمنة إلى علاقات مؤسسة على الحوار والتشاور) مع مارغريت رولاند

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة 23 موضوعها (من أجل مقاربة لحقوق الإنسان قائمة على النوع الاجتماعي) أو ( أو كيف ننتقل من علاقات هيمنة إلى علاقات مؤسسة على الحوار والتشاور) مع مارغريت رولاند

كيف نواجه العنف، سواء كان صادرا عن الدولة أو عن جماعات متطرفة داخل المجتمع ؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال، أريد الانطلاق من سؤال مركزي يخترق كل النقاشات. إنه ينصب على الرهان المتضمن في كل الخطابات المنتجة حول حقوق النساء وحول المكانة التي تحتلها أو ينبغي أن تحتلها النساء داخل مجتمعاتنا في حوض البحر الأبيض المتوسط، ما دام صحيحا أن هذه الإشكالية تهم بلدان الشمال كما بلدان الجنوب.
لكن لماذا التأكيد على المسألة الخاصة بالنساء ؟ لأن مجتمعاتنا تسير وفق نموذج أبوي مؤسس على علاقات هيمنة تبدأ داخل الأسرة، في العلاقات بين الزوج وزوجته، الأب وابنته، والأخ وأخته. فهذا هو النموذج الذي يريد تعزيزه القائمون على شؤون دولة مؤسسة على الشريعة، تماما كالمدافعين عن نظام أخلاقي مؤسس على الدين الكاثوليكي، عندما يتعلق الأمر بسن قوانين حول الإجهاض أو حق التبني بالنسبة للأزواج المثليين.
فهنا تتأسس النواة الصلبة لهذه العلاقات التي تحكم المجتمع في كليته، سواء تعلق الأمر بالعلاقات داخل عالم الشغل، أو في العلاقات التي تقيمها الدولة مع المجتمع، باسم عنف يزعم أنه شرعيا، على المستوى الوطني، لكن أيضا على المستوى الجهوي أو الدولي، فهناك حيث تتقاطع صور متعددة من الشمال و من الجنوب، وتتواجه باستمرار، فيما وراء الحدود الرمزية المرسومة بفقر و بؤس جزء من الساكنة، في مواجهة جزء آخر ما يفتأ يضاعف ثرواته. وليست الحدود والأسوار المسيجة بالأسلاك الشائكة والخرسانة، التي تريد أن تفصل العالم المسمى غربيا، عن جنوب ينظر إليه كتهديد، التي يمكنها أن توقف ذلك .
فلنعد النظر إذن في العلاقات التي تحكم الرجال والنساء داخل الأسرة، و في كل العلاقات الاجتماعية التي تؤسس النظام الذي نشتغل داخله. فما يفسر الدور الموكول للنساء، والمتمثل في إعادة الإنتاج، بالمعنى المادي للكلمة، لكن أيضا بالمعنى الرمزي، لأن النساء تعيد إنتاج القيم والنماذج التي يبدعها الرجال وتضمن الحفاظ عليها. و لأن هؤلاء النساء ينتمين في نفس الآن إلى جماعة “النساء” وإلى واحدة أو إلى عدة جماعات قومية، دينية، قبلية أو طبقية، فإنهن يضطلعن بهذه المكانة التي توكل إليهن. يمكن أن نأخذ كمثال النساء البيض في إفريقيا الجنوبية في ظل نظام الابارتايد أو الفرنسيات في البلدان المستعمرة. ففي أي جانب كانت النساء ؟
هل جانب أزواجهن أو جانب خدمهن السود أو العرب ؟ وماذا نقول عن النساء رئيسات المقاولات أو الوزيرات ؟ وهل تدافع الوزيرة الفرنسية رشيدة داتي حقا، عن مصلحة النساء المنحدرات من أوساط المهاجرين، عندما تساند قوانين يغلب عليها الهاجس الأمني و خانقة للحريات ؟
فغالبا ما تؤجل النساء مطالبهن من أجل حقوق و مساواة أكثر، إلى ما بعد، وذلك باسم الانتماء- الموكول إليهن أو الذي يطالبن به- إلى تجمع أو جماعة ما. بل كانت النساء ملزمات في الماضي بإعطاء الأولوية للصراع الوطني خلال الاستعمار، وبالخضوع للنظام الأبوي المبرر بالدين، مخافة التعرض لخطر الاتهام بالتغريب أو بالانتماء إلى “حزب فرنسا” في الجزائر. وباختصار فهن هنا أولا، من أجل الدفاع عن جماعاتهن بوضع حد للظلم الذي يتعرضن له يوميا و بتربية أبنائهن على معتقد الرجولة والقوة، إلى أن تجعلن منهم رجالا مستعدين للموت من أجل الوطن، كما قالت جداتنا خلال الحربين العالميتين، أو الأمهات الأمريكيات اللواتي مات أبناؤهن في الفيتنام في الماضي، وفي العراق أو أفغانستان اليوم، وكما تقول أيضا الأمهات الفلسطينيات اللواتي يصنعن أطرا لصور أبنائهن الشهداء.
إنهن مرتاحات لهذا الموقف، بالنظر إلى أنه من أجلهن- هن النساء- يكون الرجال مستعدين لقتل الآخر، ذلك الذي يهدد الأمن، حرمة أو حرية النساء، وخصوصا ذلك الذي لا ينتمي إلى نفس الجماعة. فهكذا بعد اعتداءات 11 شتنبر، حولت الولايات المتحدة غزو وتدمير أفغانستان إلى بعثة من أجل إنقاذ نساء كابول، في حين أن هذا العدوان أملته أساسا المصالح الإستراتيجية والاقتصادية.
وبينما تتواصل الحرب الصليبية للخير ضد الشر في العراق، فلسطين أو في غيرهما من بقاع العالم، تتشكل تحالفات مع أنظمة شمولية، تبرر خضوع النساء بواسطة قيم عربية – إسلامية، مع التلويح في نفس الآن، بخطر التطرف والإرهاب. إذ يمكنها هكذا أن تفرض على كل مجتمعاتها، بما في ذلك النساء، سياسات يغلب عليها الهاجس الأمني أكثر فأكثر، وأن تجعل من حماية النساء والمجتمع حجة من أجل تبرير حماية اقتصاد الريع المكتسب من طرف جزء من الساكنة على المستوى الوطني، الجهوي، والدولي. فالمظاهرات التي تجري حاليا في سيدي افني بالمغرب، وفي ريدييف، في الحوض المعدني لغفسة بتونس أو في وهران بالجزائر، وعنف القمع الذي جوبهت به، هي هنا من أجل أن تبرز ما تصلح إليه هذه السياسات التي تنفذ خلال السنوات الأخيرة، في ضوء القوانين المناهضة للإرهاب.
لكن الاعتقاد بأن مثل هذه السياسة هي الطريقة الوحيدة لتوجيه العنف الفعلي، للجماعات الجهادية، ليس إلا وهما. فهل يستجيب القانون المناهض للإرهاب الذي جاء بعد اعتداءات 16 ماي بالدار البيضاء لانتظارات ساكنة الأحياء المهمشة التي ينحدر منها الانتحاريون ؟ وأي علاقة لطلبة مراكش، الذين حوكموا لأنهم يطالبون بالحق في الدراسة في شروط أفضل، مع الإرهاب ؟ ولم تضع مداهمات الحرم الجامعي، ووحشية الاعتقالات، والإذلال الذي تعرضت له زهرة، الطالبة التي اعتقلت في نفس الوقت معهم، حدا لإرادة الطلبة، كما يشهد على ذلك الإضراب عن الطعام الذي أقدموا عليه . وفيما يتعلق بالنظام البوليسي لتونس، يكفي ملاحظة ما يجري في السجون، حيث يعتقل شباب فقط لأنهم أبحروا في مواقع انترنيت ممنوعة، ويلقى بهم أحيانا في غياهب السجن لسنوات بدون محاكمات عادلة، ويخضعون للتعذيب وللمعاملات التي تحط من كرامتهم. وعندما يغادر البعض منهم السجن، يقرر الذهاب من أجل الجهاد.و أيضا، إذا كان لا يمكننا إلا أن ندين الاعتداءات الانتحارية التي تقتل النساء والأطفال في فلسطين، أليست السياسة القمعية لدولة إسرائيل هي التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية، ليس فقط معاناة وموت الأطفال، النساء و الضحايا المدنيين الفلسطينيين، لكن أيضا النقص في الأمن الذي تعيش في ظله ساكنتها.
يواجه إذن رجال ونساء ضفتي البحر الأبيض المتوسط تحديا حقيقيا، بين عنف الدولة وعنف الجماعات التي تريد أن تفرض عليهم، بواسطة العنف، نموذجا من المجتمع لا يؤمنون به بالضرورة. اختار البعض منهم والبعض منهن دعم دولة تعدهم بالأمن والحرية لنسائهم، مع تأجيل تحقيق تطلعاتهم، إلى عالم مؤسس على الحق والعدالة، إلى ما بعد، مع احتمال التغاضي عن القمع الذي يستهدف معسكر الآخرين، بما فيهم النساء والأطفال. لكن يستمر أخر ون في مقاومة ورفض ممارسة منطق الكيل بمكيالين فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان. إنهم محامون و محاميات، مناضلون في مجال حقوق الإنسان، صحافيون، مثقفون، لكن أيضا مواطنون أو مواطنات بسطاء. لأن هنا أيضا توجد النساء في المقدمة. ويكفي فقط رؤية المعركة التي قادتها العديد من الجمعيات المغربية من أجل مراجعة المدونة، أو صراعات النساء الجزائريات من أجل الكشف الحقيقة حول أقربائهن المختفين، أو أيضا في الآونة الأخيرة، مظاهرة النساء المتشحات بالسواد، من أجل مصاحبة الإضراب العام في 12 يونيو الأخير، عقب القمع الوحشي الممارس ضد ساكنة سيدي افني، اللواتي نزلن للشارع من أجل الاحتجاج على الوضعية الاقتصادية للمنطقة. يمكننا أن نشير أيضا إلى أنه في أصل المظاهرات التي شهدها الحوض المعدني التونسي، الإضرابات عن الطعام التي قامت بها أرامل المنجميين، الذين توفوا نتيجة الحوادث أو الأمراض المهنية التي لم يتلقوا أي تعويض عنها.
هذا لا يعني أن النساء تخلين عن الصراع من أجل حقوقهن الخاصة. المعركة من أجل المساواة تتم أيضا على المستوى القانوني. وتعتبر الحملة من أجل مراجعة المدونة، من أفضل الأمثلة الدالة على ذلك .
وبعيدا عن هذه الأشكال النضالية، نرى انبثاق خطاب جديد تحمله نساء يبحثن في ثقافتهن الخاصة عن تفسير لعلاقات الهيمنة السائدة في مجتمعاتنا. من خلال الإشارة إلى العلاقات القائمة بين الباطرونا والاستعمار، فإنهن يخضعن للنقد نزعة نسائية مهيمنة تنفي البعد التاريخي والجغرافي الاستعماري والعنصري للعلاقات بين الجنسين، أفكر هنا في كل الأدب الإفريقي الذي يجد صداه أكثر فأكثر في الفكر النسوي الفرنسي.ويقترح آخرون، في المغرب على الخصوص، إعادة قراءة القرآن من أجل العثور فيه على الدعوة إلى ما يفيد”تحرير المرأة التي ينبغي أن تكون حرة في أن تجسد اختياراتها الخاصة، وإعادة كتابة تاريخها وتحديد مجالات حريتها الخاصة. تحرير يتجذر بقوة في مجال انتمائها الروحي، لكن ينفتح أيضا على القيم الكونية، القيم الأخلاقية وقيم العدالة” . نحن بعيدون كثيرا عن التأويلات الأبوية والطائفية التي يقوم بها الجهاديون كما التقليدانيين للقرآن، سواء كانوا ينتمون للسلطة أو للمعارضة.
وقرر البعض الآخر أخيرا، الدخول في علاقة مع نساء الجهة الأخرى، جهة المعارضة، للبحث معا عن طريق نحو الديمقراطية من أجل الجميع نساء ورجالا، وذلك بالانطلاق من تجربة مشتركة، تجربة النساء سجينات علاقات الهيمنة التي تفرضها عليهن جماعتهن الخاصة. وأفكر هنا على الخصوص في نساء الحركة من أجل السلم في إسرائيل وفي فلسطين، لكن أيضا أمهات المختفيين وضحايا الإرهاب في الجزائر. إن ما يوحد بين هؤلاء النساء إذن، هو أولا الوعي بالقدرة التدميرية للعنف، كيفما كان، على مجتمعاتهن.فعندما يعود جندي إسرائيلي شاب من الأراضي المحتلة، كيف ينعكس ذلك على علاقته مع خطيبته الشابة ؟ كيف ستدبر حياتها اليومية، تربية وصحة أبنائها، عندما يسجن زوجها لسنوات أو عندما يختفي؟ نفس المشكل يطرح بالنسبة لتلك التي اختطف الجيش ابنها، والتي ذبح زوجها. الأمهات الجزائريات فهمن ذلك وقررن مجتمعات، كأسر للمختفين وعائلات لضحايا الإرهاب، مطالبة السلطات الجزائرية بالحقيقة وبالعدالة .
وتختلف السياقات، وتتفاوت كذلك مستويات التعبئة والتوعية، لكن ما يوحد كل هؤلاء النساء، هو أنهن يرفضن التقيد بنموذج مفروض و يعارضن الظلم بمختلف أشكاله، سواء كان قوميا، اثنيا، اجتماعيا أو اقتصاديا، وهن بذلك يتجاوزن الإطار المرتبط فقط بالعلاقات القائمة على الجنس. ويكتسبن، في خضم سيرورة لا تدين بأي شيء للطبيعة، وإنما لتجربة الظلم المكتسبة من طرف تربيتهم وفي تنشئتهم الاجتماعية، الوعي بأنه في مواجهة عنف الجهاديين، كما في مواجهة القمع، ينبغي عليهن إيجاد رد آخر. إنهن أذن يتطوعن، بوصفهن نساء، أو باعتبارهن أمهات، ويستندن على شرعية وضعهن كنساء أو أمهات من أجل الخروج للفضاء العام، للمطالبة بالحرية باسم الإسلام، وفرض الحق في العدالة بالنسبة للأطفال، مهما كانوا، ورفض إرسال أبنائهم للموت من أجل الوطن.
ودخلن هكذا إذن في خلافات مع الأدوار الموكولة لهن وطنيا وجماعاتيا، بفعل هذه الإجراءات المدمرة التي استهدفتهن . فقد خبرن حرية الاختيار والقرار بأنفسهن ومن هنا أيضا رسمهن، أحيانا بدون معرفة ذلك، طرقا من أجل ثقافة جديدة لا تكتفي بتحديد حقوق كل واحد وكل واحدة، بل تتجاوز الحدود التي تفصل الأمم، الجماعات، الرجال والنساء، وتستبدل علاقات الهيمنة بطريق الحوار والتشاور، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لتجاوز الصراعات.
* باحثة مختصة في الحركات الاجتماعية
بعض المراجع البيبليوغرافية
Cynthia Cockburn, From where we stand : war, women’s activism and feminist analysis, City University Press, Londres, Grande Bretagne, mars 2007.
Ayesha Imam, Amina Mama et Fatou Sow (dir.), Sexe, genre et société. Engendrer els sciences sociales africaines, ed. Codesria-Karthala, Paris, 2004
Asma Lamrabet, Le Coran et les femmes, une lecture de libération, ed. Tawhid, Rabat, 2007
Nouvelles questions féministes, « Sexisme, racisme et postcolonialisme. Faux universalisme », vol.25.N°3/2006
Valérie Pouzol, Clandestines de la paix. Femmes israéliennes et palestiniennes dans le conflit israélo-arabe, Complexe eds, Paris, avril 2006.
Marguerite Rollinde, Le mouvement des droits de l’Homme au Maroc. De l’engagement national à la lutte pour la citoyenneté. Karthala-Institut Maghreb-Europe, Paris, mars 2002.
Marguerite Rollinde, « Face aux violences et à l’absence, les collectifs de famille dans les pays du Maghreb » in Christiane Veauvy, Marguerite Rollinde et Mireille Azzoug (dir.), Les femmes entre violences et stratégies de liberté. Maghreb-Europe du Sud, ed. Bouchène, Paris, octobre 2004.
M. Rollinde, « Stratégies des femmes face aux violences », in Fatima Sadiqi (dir.), Femmes méditerranéennes et leurs droits, actes du colloque international, 28-30 avril 2005, Université Sidi Mohamed Ben Abdellah, Fès, 2006

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة 22 موضوعها (مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية والمسلمة) مع حسني عايش

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة 22 موضوعها (مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية والمسلمة) مع حسني عايش

يؤمن الذين يتحدثون في الديموقراطية أو لها وعنها، والذين يدعون إلى تبنيها بأن الديموقراطية هي الحل وسبيل الخلاص إلى أجل ٍ غير مسمّى . وعليه يجدر بنا بل يجب علينا تحديد معالم هذه الديموقراطية، لنعرف عن ماذا يتحدثون، وأن نتحدث بالتصريح لا بالتلميح .

 الديمقراطية المقصودة أوالمرغوب فيها

يختلط الأمر – ديموقراطيا ً – على الناس وحتى على كثير من المثقفين، فلا يفرّقون بين الديموقراطية الأصيلة   (Genuine Democracy)والديموقراطية الزائفة أو الفاسدة(False/Corrupt Democracy)  والديموقراطية المراوغة(Manipulative Democracy)  أو ديموقراطية التنورة (Skirt Democracy) كما يسميها الأستاذ سين ل.يوم (MERIA, Vol..No.4 December,2005) أو الديموقراطية الجزئية (Partial Democracy ) أو الديموقراطية الدفاعية  (Defensive Democracy) أو الديموقراطية المصغرة (Micro Democracy) أو الأتوقراطية الملبررة (Liberalized Autocracy) كما يسميها الأستاذ دانيال برومبيرج(Carnegie Endowment  Working Papers,No.37 may, 2003 ) حيث الإصلاح السياسي جزئي وانتقائي، ويستعير من الديموقراطية فقرتها الانتخابية، وليس العملية الديموقراطية وأركانها، ويسمح بقدر من المساحة السياسية، أو بالحرية والمعارضة المقيدتين، ويستخدم سياسة فرّق تسد …التي تُغطي – أحيانا ً– بمراكز حكومية لحقوق الإنسان كما يفيد الأستاذ يوم تنتهي بما يسميه الأستاذ برومبيرج بفخ (Trap)  الأوتوقراطية الليبرالية أو العسر السياسي (غير المنتج للديمقراطية الأصيلة) .

 ويضيف : ” أن هذا الإصلاح السياسي الجزئي ليس من الديموقراطية في شيء، بل هو أوتوقراطية ملبررة هدفها تنفيس الضغوط المتراكمة ( وكأن المجتمع طنجرة بخار ينفسها كلما كادت تنفجر أو يضعها على الأرض إلى أن تبرد ) ليبدأ مرحلة جديدة لاكتساب شيء من شرعية الإصلاح والمحافظة على البقاء وليس إطلاق الديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والمعارضة القوية . ربما لأن الحكام المتغطرسين والمترددين يرون في الديمقراطية ثقبا ً أسودا ً يمكن أن يبتلعهم أو يحجم سلطاتهم وسبيلا ً للفوضى والعنف “.

وإذا كان الأمر كذلك فإن للديمقراطية الأصيلة ثلاث طرق

1-   بالإرادة السياسية الصلبة الصادقة الملتزمة بكل عملياتها أي كاستراتيجية لا رجعة عنها

2-   بالتطور                                                                                                     

3-  أو بالثورة: Revolution أو بالعنف Violence وهو ما لا أحبذه ولا أدعو إليه

وتتميز الديمقراطية الأصيلة  بما يلي

1 – الشعب مصدر السلطات والمصدر النهائي للتشريع والقوانين بالفعل لا بالشكل أو النص فقط .

 2 – الفصل بين السلطات و الرقابة المتبادلة بينها .

3 –   تداول السلطة في مرحلتي الذهاب إليها و الإياب منها إليها، أي احترام حق الناس في اختيار من يحكمهم و خضوع المنتخبين للمساءلة .

 4 –  السلطة و المسؤولية متلازمتان .

5 –   بالتعددية بأوسع معانيها وأشكالها، وبالأحزاب … ومؤسسات المجتمع المدني والصحف ووسائل الإعلام، تـُسجّل للعلم ولا ترخص .

6 –  بحرية تعبير سقفها السماء والحَكـَم فيها هو القضاء، أي بفك الارتباط ( المشبوه ) بين الحرية والمسؤولية (الحرية المسؤولة ) كما تراه إدارة الإعلام أو المطبوعات أو الأمن أو المخابرات، وبإقامته بينها وبين القضاء النزيه والعادل، دون أن يعني ذلك أن الحرية تعفى من المساءلة . إن الحرية والمسؤولية متلازمتان ولكن ربط الحرية أو المسؤولية عنها بالقضاء يكبل إدارات الإعلام والمطبوعات والأجهزة الأمنية في تفسيرهما على هواها، ويوقف استباق القضاء في تقرير مصير أصحابهما . 

7 –  قاعدة الأكثرية الملتزمة باحترام الحقوق الإنسانية للأقليات و بحقوق أقل هذه الأقليات وهو الفرد / المواطن بالإعتراف بها وقبولها بالسماحة لا بالتسامح، فالتسامح فضيلة خادعة إذا تجاوزت الحقوق الشخصية إلى الحريات العامة المدنية و السياسية .

8 –  تكافؤ الفرص الديموقراطية وتكافؤ التمثيل بين مختلف فئات المجتمع وبين المرأة والرجل.

9 –  المعارضة السياسية فيها مخلصة للوطن، بمعنى أن جميع الأطراف السياسية تشترك في الإلتزام بالمبادئ الديموقراطية الأساسية والتعاون في حل المشكلات العامة، وأن السياسيين وإن كانوا متنافسين ولا يحبون –  الضرورة – بعضهم بعضا ً إلا أن كلا ً منهم يتحمّل الآخر  ويعترف بشرعيته أو بدوره المشروع ويقبل الخاسرون النتيجة أي قرار الناخبين، وأنهم لن يفقدوا حياتهم أو يودعوا السجن، بل بالعكس يستمر المعارض بالمشاركة في الحياة العامة لأن ّ دور المعارضة أساسي لأنها مخلصة للمشروعية الديموقراطية للدولة، وليس لسياسات الحكومة.

10 – الديموقراطية الأصيلة صاخبة وشديدة الجلبة : كلما كانت الديموقراطية صحية وقوية اشتد صخبها وبدا للسذج أن المجتمع أو الدولة على وشك الانهيار مع أن الأمر بالعكس، لأن الناس وإن كانوا ينشدون الأمن والسلامة والحرية والمساواة … إلا أنهم يحبون المغامرة والمناكفة أيضا ً. ولذلك تنشأ توترات وتناقضات ظاهرية وحقيقية بل وصراع وتوافق وتنازلات بين الأفراد والأحزاب … والحكومة والمعارضة في كل مجتمع ديموقراطي . وإن دل ّ ذلك على شيء فإنما يدل ّ على حيوية الديموقراطية ومؤسسات المجتمع المدني وتطورهما نحو مستويات أعلى .

 لعل هذه الحالة الديموقراطية الصاخبة أو الحيوية غير المألوفة في بلاد العرب و المسلمين هي التي تجعل أعداءها فيها يخشون الديموقراطية و يحاربونها أو يدعون إلى تقييدها أو يقبلون بجزءٍ أو فقرة ٍ منها أو يزيفونها. ربما لأنهم نشأوا في أطر اجتماعية و تعليمية وسياسية أبوية / ديكتاتورية وتعودوا على الصمت والخمول والانصياع حيث لا إبداع ولا ابتكار ولا حيوية أو حراك، فالديموقراطية صيغة (Figure) تبرز في خلفيةBackground )  ) وهي الثقافة السائدة في المجتمع . وللأسف فإن الصيغة الديموقراطية البارزة في بلاد العرب والمسلمين عبارة عن إجراءات شكلية (انتخابية) أو آلية.أي أن الديموقراطية العربية والمسلمة مجرد آلية لإجراء الانتخابات الزائفة في معظم الأحيان، وليس إفرازا ً أو ثمرة لثقافة وقيم ديموقراطية راسخة في المجتمع . وبالرجوع إلى التاريخ الديموقراطي نجد أنه يسبق كل إنطلاقة ديموقراطية أرضية فكرية مؤاتية تمهد لها أقامها المفكرون الديموقراطيون وراكموها. لكن هذا لا يعني التريث أو انتظار التطور إلى حين تتكوّن الأرضية أو إلى حين وقوع الثورة لتحدث، بل الدفع نحو تكوين إرادة سياسية تلتزم بها، وإلا كان مَثـَل المنتظرين لنشوء أرضية ديموقراطية تلقائية مثل الذي يرفض النزول إلى الماء قبل تعلـّم السباحة .

      من هنا يقع الكثيرون في الخطأ أو في الزيف عندما يماثلون (الإجراءات) الديموقراطية بالديموقراطية. إن الديموقراطية ثقافة وقيم تكوَّن عليها الفرد والمجتمع. إنها سلسلة كاملة من العمليات المؤسسية وغير المؤسسية القادرة على إحداث التغيير السياسي وضمان الحرية والمساواة والعدل في المجتمع. إنها جزء رئيس من هوية الفرد والمجتمع في الغرب الديموقراطي التي لا يستطيع أن يتصور نفسه بدونها، لأنها تشكل المدماك الرئيس من هويته أو ثقافته الذي لا يهدمه حتى وإن برزت أحيانا ً ممارسات غير ديموقراطية في مجتمعه. المدماك المفقود بعد في ثقافة أو هوية العربي والمسلم .

 إن الديموقراطية الأصيلة هي مصدر مناعة المجتمع والدولة داخليا ً وخارجياً لأن مصدر التحكم في مصير الفرد ومصير المجتمع والدولة (Locus Of Control) ينتقل بالديمقراطية من خارج الفرد و المجتمع إلى داخل كل ٍ منهما. و بما أن مركز التحكم هو مصدر السيطرة على السلوك والموجه له، فإن انتقاله من خارج الفرد والمجتمع إلى داخله يجعل كلا ً منهما مسؤولا ً عن تقرير مصيره . لعل التحول الأكبر أو الأعظم الذي وقع في أوروبا إبان النهضة وبعدها كان نتيجة انتقال مركز التحكم عند الفرد والمجتمع فيها من الخارج إلى الداخل و من فصل الدين عن السياسة لا عن الدولة كما يزعمون . ولعله لذلك لا يريد أعداء الديموقراطية الأصيلة أن تنشأ وأن تستقر وتصبح طريقة حياة وبقاء في بلاد العرب والمسلمين، وإن ينتقل مركز التحكم من خارج الإنسان والمجتمع العربي والمسلم إلى داخله .

   وأستغل هذه المناسبة لأقول: قد يشكل التزام الأحزاب الإسلامية بالديمقراطية قلبا ً وقالباً وفي مرحلتي الذهاب إليها والإياب منها (تداول السلطة ديموقراطيا ً) مكسبا” عظيما” للديمقراطية في بلاد العرب والمسلمين. لقد بدأت الأحزاب المسيحية الديموقراطية بالظهور في المجتمعات الكاثوليكية في القرن التاسع عشر، معارضة لسلطة الكنيسة لا بتأييد منها لها . ومثلما هم عليه الأصوليون الإسلاميون اليوم لم تقبل الكنيسة آنذاك الفصل بين الكنيسة والدولة أو بمشروعية الوجود السياسي الخاضع لقاعدة الأكثرية وليس للقانون السماوي ( الله ) . وقد احتاجت الكنيسة ومعظم الكاثوليك إلى وقت ٍ طويل وحروب كثيرة محلية وإقليمية وقارية وعالمية، وكذلك إلى فقدان جميع المناطق أو الدول التي كانت تحكمها مباشرة لترويض أنفسهم على التعايش مع ظاهرة الأنظمة الديموقراطية العـَلمانية. وعليه أعتقد أنه ما لم نتعلـّم من تجارب مَن سبقونا في هذا الأمر فإن المشوار العربي والمسلم إلى (ثقافة) الديموقراطية العـَلمانية الإنسانية وقيمها التي تحترم كرامة الإنسان و حقوقه طويل جدا ً . وربما يحتاج إلى قرون أو  إلى القرن الواحد والعشرين الهجري لنصل إلى المستوى الديموقراطي الغربي القائم اليوم لأنه – كما يبدو –  لا يتعلم فرد أو حزب أو شعب من أخطاء غيره فيكررها .

إن تكوين الثقافة والقيم الديمقراطية وانتقال مركز التحكم من الخارج إلى الداخل، ليس بالأمر اليسير أو السريع، فالإجراءات الديموقراطية يمكن أن تتم بسرعة لكن الثقافة الديموقراطية والقيم الديموقراطية وانتقال مركز التحكم إلى الداخل يحتاجان إلى وقت طويل جدا ً ليرسخا. كما أن الديموقراطية لا تعمل في فراغ : يجب أن يرافقها ويعززها تعليم ديموقراطي يقوم على حرية التفكير، والتعبير، والتفكير الناقد الذي هو ” مصدر الكمال الأخلاقي والمواطنة المسؤولة ” والفلسفة ونظريات المعرفة والأنشطة المعبرة عن ذلك بممارسات ديموقراطية في الفصل والمدرسة والكلية والجامعة، أي تعليم يحرر و لا يهيمن، و يستلهم فلسفة ابن عربي :

  لقد كنت قبل اليوم أنكر صـاحبي     :          إذا لم يكن  ديني إلى دينه دانـــي

فقد صار قلبي قابلا ً كلّ صـورة     :         فمرعى ً لغزلان ودير ٌ لرهبــان ِ

وبيت ٌ لأوثان ٍ وكعبة ُ طائـف ٍ     :  وألواح توراة ٍ ومصحف قـرآن ٍ

أدين بدين الحـــب أنـّى توجـهت      :         ركائبه فالحب ديني و إيمـــــاني

ويجب أن تدعمها مؤسسات مجتمع مدني قوية ومستقلة، وصحافة حرّة، وإعلام مفتوح وغير مدجّن، وقضاء نزيه وعادل، ودولة تلبي الحاجات الأساسية أو الضرورية للناس من الغذاء والكساء والمأوى والأمن لتتعزز وتزدهر، فعندئذ ٍ يمكن للديموقراطية استيعاب التطرف والمتطرفين وتصريف طاقاتهم سلميا ً (لأنه لا يجوز محاربة التطرف بالتطرف أو الإرهاب بالإرهاب). وفي جميع الأحوال فإنه لا يجوز جعل الديموقراطية رهينة للأمن أو للإرهاب أو مقيدة بقدرهما . يجب أن تظل عاملة وفاعلة وقوية لضمان الأمن وكبح جماح التطرف والإرهاب . 

وأكرر هنا قولي : لا تصلح هذه الأمة إلا بما صلح به غيرها وهو:العقلانية، والديمقراطية، والعلمانية، والمعرفة ( العلوم والتكنولوجيا )، فهل نحن مدركون ؟!

 

مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية والمسلمة

تعاني الديموقراطية المرغوب فيها في البلدان العربية والمسلمة من الصد والرّد، والتشويه المتعمد، ومن تزييف وعي الناس بها بمقابلتها بالشورى في كل مرة يرتفع فيها مدها (1) . ولذلك فإن مستقبل الديموقراطية في الوطن العربي، بالمعنى والمبني الذين أشرت إليهما بعيد المنال وضعيف الاحتمال . ولكن الوطن العربي لن يشذ عن القاعدة إلى مالا نهاية، لأن ( تماثله) في المنهج الاقتصادي – إنتاجا ً واستهلاكا ً – والمنهج الإعلامي، والتحديات والحلول . غير أنه بدلا ً من اختصار المسافة أو الزمن والكلفة بالاستفادة من تجربة الغرب ومسيرته، وتجنب أخطائهما وكلفتهما، ­­­­­­­­­يكررهما (بالحروب الدينية والأهلية…) كما هو حادث الآن . ولعل ّ ذلك يعود للعوامل والأسباب التالية :

1 – معاداة الثقافة العربية الإسلامية للديموقراطية

 وإلى أن تصبح الديموقراطية جزءا ً من هذه الثقافة وجزءا ً من هوية الفرد والمجتمع، فإن ذلك سيحتاج إلى وقت طويل جدا ً . إن الشارع العربي ينتمي إلى الوعاظ والمعلمين والمعلمات والأساتذة والأستاذات والإعلاميين والإعلاميات والسياسيين و السياسيات المعادين للديموقراطية مصطلحا ً ( مع أنه تعبير عن آيات الله : ” ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم . إن في ذلك لآيات ٍ للعالمين ”  ( 30 / 22 ) ) ومنهجا ً )مع أنها كانت معروفة (منهجاً) في مكة قبل الإسلام في إدارة شؤون الكعبة والمدينة وسوق عكاظ، وفي دولة سبأ : ” قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا ً حتى تشهدون ” ( 32 / 27 )(  الذين يبررون رفضهما وتكفير الداعين إليهما بالاستناد إلى قوله تعالى: ´ومن لم يحكم بما أنزل اليه فأولئك هم الكافرون” (44/5)                                                                                                                          

” ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الظالمون” (45/5)

” ومن لم يحكم بما أنزل فأولئك هم الفاسقون” (47/5)

     وإن كانوا يسكتون عن هذه الآيات وغيرها في حوارات الأديان باستحضار آيات أخرى : ” وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (29/18).” ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة …” (48/5)” لكم دينكم ولي دين”(6/108).

    أما “السلفيون الحركيون” أو ” سلفية الاسكندرية ” فيرفعون شعار: الإسلام هو الحق ” إن الدين عند الله الإسلام” وأن المشاركة في الانتخابات – كما يفعل سلفيو الكويت والإخوان المسلمون (الإسلام هو الحل) – تضحية بعقيدة التوحيد، .    أما منهجهم في التغيير فيقوم على ثلاث مراحل وهي: 1- مرحلة لتصفية: تصفية عقائد الآخرين مما يعتبرونه مخالفة شرعية، وإقناعهم بالمنهج السلفي في الحياة.2- مرحلة التربية لجعل المواطن سلفياً صالحاً.   3- مرحلة التمكين الشامل دون انتخاب أو انقلاب” (روز اليوسف 14-20/6/2008 العدد 4175).

2 – تبعية مؤسسات المجتمع العربي المدني للحكومات

 تعتبر مؤسسات المجتمع المدني التربة أو البنية التحتية اللازمة لانطلاق الديموقراطية في أي مجتمع معاصر . و بما أن المؤسسات المدنية العربية لا تزال عاجزة عن تكوين الكتلة الحرجة المؤيدة للديموقراطية فإن مستقبل الديموقراطية في الوطن العربي سيظل غامضا ً .

إن أيكولوجية السيطرة على الحياة المدنية في الوطن العربي في رأي الأستاذ و الباحث سين .ل .يوم ( MERIA, Vol .9, No.4 , December 2005 ) تتكون من ثلاثة مداميك أو أجزاء و هي :

أ – القمع الناجح أو الملفت للنظر لمؤسسات المجتمع المدني و دعاة الديموقراطية الذي توفره قوانين الطوارئ للحكومات، لدرجة أنه يقال : لقد فشلت أنظمة الحكم العربي في كل شيء ولكنها نجحت نجاحا ً منقطع النظير في القمع . و بسببه فشلت مؤسسات المجتمع العربي في تكوين كتلة حرجة من المتطوعين المنضمين إليها، الداعين إلى الديموقراطية والمطالبين بها لأنها :

  1. غير مستقلة تماما ً عن الحكومات
  2. لأن أجندات كثير منها غير ديمقراطية
  3. و لأنها عاجزة عن إقامة أوسع التحالفات الديموقراطية مع نفسها

ب – التضييق القانوني و الإداري و الأمني الإستباقي عليها كي لا تتحول إلى تهديد للنظام القائم

ج – إقامة مؤسسات بديلة ( عميلة ) ممولة جزئيا ً أو كليا ً من الدولة لجعل مؤسسات القطاع المدني أدوات بيد الحكومات، لاعتمادها في بقائها عليها . و بدوره أدى إلى ما يسميه الباحث بالعجز في المصداقية (Credibility Deficit ) عند هذه المؤسسات و ابتعاد المواطنين عنها أو نفورهم منها، لأنها لم توفر منابر ديموقراطية لهم لمتابعة مصالحهم المشتركة ـ و تعلـّم القيم الرئيسة للديموقراطية كالمشاركة و العمل الجمعي … و هو ما دعا الباحث ( يوم ) للتساؤل : لكن ما الذي يجعل القسر أو الإكراه أو العنف ( العربي ) قليل الكلفة ؟ يجيب على هذا التساؤل بالقول: إن أقوى تفسير ملزم لذلك يأتي من أطروحة الدولة الريعية . إن كثيرا ً من الأنظمة العربية موجود في دول تتلقى معونات  كبيرة من الخارج، أو من عائدات النفط و ليس من الإنتاج الوطني و الضرائب المتحققة عليه، مما يجنب النخب العربية و المؤسسات المدنية  و لأحزاب السياسية الكثير من المطالب أو الضغوط الداخلية، لأن دور الدولة يصبح توزيع الثروة السائلة و ليس تكوينها و عدم إعتماد الموازنة الكامل على الضرائب . و من المتفق عليه أن القاعدة المعروفة (الأولى) لا ضرائب دون تمثيل  (No Taxation) without Representation ) لم تصل بعد إلى مسامع العرب و المسلمين  فما بالك بالقاعدة الثانية الجديدة التي تقول: لا تمثيل دون ضرائب(No representation without Taxation)  كما يفيد الأستاذ مايكل مور بمعنى أن الدولة لن تكون مضطرة للاستماع إلى المواطنين ومساءلتهم لها ما لم تكن قائمة على الضرائب التي تجبيها منهم (D+C,No. 2,2007). لعل العلاقة بينهما هي التي جعلت بعض الباحثين يربط بين مستوى دخل الفرد والضرائب التي يدفعها واستمرار الديموقراطية، و إن كانت الهند تشذ – ربما بالإرادة السياسية – عن القاعدة الأولى .

   وفي رأي آخرين إن الانطلاقة الديموقراطية في إندونيسيا، وبلدان الكتلة الشرقية التي كانت تابعة للإتحاد السوفييتي، ما كانت لتحدث لولا الفشل أو الانهيار الاقتصادي لأنظمتها الحاكمة .

3 – تنافس الدعوة الى الديموقراطية بالحقوق المجردة (Abstract Rights) كالحرية  والمساواة والعدل وتداول السلطة … وعملياتها ( Processes )  مع حركات أو جماعات… رافضة للديموقراطية ولكنها  تعد بالمادي أو الملموس (Tangible Benefits)، الذي تعبر عنه سريعا ً بخدماتها الاجتماعية والصحية والتعليمية والمالية … عبر مؤسساتها المدنية، و بما هو أعظم منها وأبقى أي بجنة عرضها عرض السماوات والأرض أيضا ً، لا يجرؤ أحد أن يجادل فيها . ومن هنا تنبع قوة الحركة أو الجماعات… الإسلامية السياسية أو الإسلام السياسي – وكذلك اليمين المسيحي وغيره من الأصوليات – وتفوقها على منافسيها السياسيين جماهيرياً. لكن استخدام هذه الخدمات لأغراض سياسية يخرجها عن هدفها الأصلي أو الديني، ويجعلها أشبه برشوة سياسية مسبقة. فما بالك إذا كانت الحركات أو الجماعات الإسلامية… محكمة التنظيم، والأحزاب والجماعات … غير الإسلامية تابعة للنظام أو فاقدة للمصداقية أو غير منظمة !!

4 – السلطوية القوية: يدعي كل حزب أو حركة سياسية … في الوطن العربي أنه الأفضل لحكم البلاد، والأمين على مستقبلها، فلا يقبل بأريحية أو عن احترام حقيقي الرأي الآخر، أو تداول السلطة .

ويبلغ التسلط الأوج عند الإسلاميين ادعاؤهم … بامتلاك الحقيقة المطلقة، والقول: أن منهجهم رباني ( على الرّغم من تعدد تفسيراته وأحزابه وحركاته وجماعاته ) وأنه لا يجوز للإختيارات البشرية التناقض معه. إن ذلك يعني في بداية التحليل وفي نهايته إلغاء الآخر المخالف أو المختلف سواء أكان شخصا ً أو فكراً أو  رأيا ً أو حزبا ً … (أو شعباً أو أمة).

وبما أن الأحزاب والحركات والشعوب لا تتعلم – كما يبدو – من تجارب غيرها لتتجنب الكلفة (التاريخية)  للتطور الديموقراطي فإن الأحزاب والحركات الإسلامية … – في اعتقادي – لن تتعلم من تجارب الأحزاب المسيحية الأوروبية من دون دفع الكلفة .

وإذا كان الأمر كذلك فإن مستقبل الديموقراطية المرغوب فيها في البلدان العربية المسلمة بعيد جدا ً، وستظل سجينة نمط ثابت من الحكم والإسلام السياسي الذي يصعب تجاوزه .

5 – الإلتباس الناشيء عن الخلط بين التحديث(Modernization والدمقرطة  (Democratization)

يخلط الناس ( جهلا ً ) والحكومات ( عمدا ً ) والمثقفـون (إنتهازية أحياناً) بين عمليات أو أشكال التحديث التي تقوم بها أنظمة الحكم، والدمقرطة، مع أنها ليست – إجمالا ً – من الديموقراطية في شيء .

6 –  الإلتباس الناشيء عن الخلط بين ديموقراطية الاستهلاك و الديموقراطية السياسية : تركز الرأسمالية (الأمريكية ) المتوحشة على توسيع الإستهلاك باضطراد، حتى لا تتوقف عجلتها . ونتيجة لذلك يرى الناس في تنوع السلع التي تعج بها أرفف البقالات والأسواق والمولات مجالا ً واسعا ً للإختيار، مما يجعلهم يحسون – بخداع ذاتي – بالحرية والديموقراطية .

     والحقيقة أن نزعة الإستهلاك انتقلت إلينا بقوة في السنوات الأخيرة بالإنفتاح والعولمة وأن مراكز التسوق الجديدة أخذت تحل محل مؤسسات المجتمع المدني والمرافق والميادين والحدائق العامة التي يجتمع فيها الناس ويتلاقون ويتحدثون وإن كانت بغياب المجتمع المدني القوي، كالمراكز لا تزيد من وعيهم السياسي .

تســــاؤلات

1 –   هل تساعد خيبة أمل الشعوب العربية في الأنظمة الديكتاتورية أو الشمولية على إعطاء دفعة جماهيرية قوية للديموقراطية ؟ أم أن عليها أن تنتظر إلى حين فشل أنظمتها التام إقتصاديا ً ؟ كيف نجعل الناس أو المسلمين يفسرون الظواهر والأحداث علمياً لا دينيا ً لأنه كلما وقعت أزمة وكارثة أو هزيمة سارع رجال الدين إلى تفسيرها – دينياً – بالابتعاد عن الدين وإعادة الناس إلى المربع الأول . إن هذا طبيعي أو عادي في المجتمعات غير المستقرة أو غير الناضجة كما يرى علماء النفس والاجتماع (اوجست كونت).كما أن كل ثقافة أو أمة تشعر أنها محاصرة أو مهزومة تعود إلى الغيبيات، وكلما اشتدت الهجمة على الإسلام في الغرب أو من الغرب زاد تمسك المسلمين به، ولجوء بعضهم إلى التطرف فيه .

2 –    إلى أي مدى يؤثر ديموقراطيا ً ( سلبيا ً أو إيجابيا ً ) وجود إسرائيل في قلب الوطن العربي، على الحركة الديموقراطية العربية ؟ لعل ذلك يدعونا عند التفكير في الإجابة على هذا السؤال، إلى ما يلي :

  • البعد العنصري لديموقراطيتها.
  • مدى صدق أو كذب الضغوط الأمريكية والأوروبية على البلدان العربية والمسلمة لتبني الديموقراطية          واحترام حقوق الإنسان
  • تأثير هذه الضغوط السلبي أو الإيجابي على الجماهير العربية والنخب ديمقراطياً

إن الشعوب العربية و أجزاء من نخبها الثقافية والديمقراطية تشك في نوايا الغرب ( الازدواجية ) بما في ذلك نواياه الديمقراطية لها، لكن ذلك لا يعفيها من مواصلة الضغوط لتحقيق ماغناكارتا ديمقراطية عربية (واحدة على الأقل ) لتحدث الإنطلاقة.

وفي الختام نقول: : إن مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي في المدى المنظور معتم، وأنه لن ينير أو يستنير بدون صياغة ثقافة وقيم وممارسات ديمقراطية مستدامة وقوية في الأسرة والمدرسة  والجامعة  والإعلام  و المجتمع، ومن إرادة سياسية صلبة – منعا ً للثورة ا و العنف – وتلبية حاجات الناس الأساسية من طعام أو كساء و سكن وأمن.     *  كاتب وصحفي فلسطيني من الأردن 

 

 

 

 

 

  1. لم توجد الشورى كعملية (process) مستقرة في التاريخ العربي الإسلامي. وان كانت الشورى او التشاور حالة يومية في كل جماعة ومجتمع. ويذكر المفكر الإسلامي حسين احمد أمين  أن أبا بكر (رضي الله عنه) لم يستشر أحداً عندما عين عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) خليفة على المسلمين من بعده. كما لم يستشر عمر (رضي الله عنه) أحداً حين عزل خالد بن الوليد من القيادة (روز اليوسف: 3-19/8/2005 العدد 4027).

 

 

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة ال21 موضوعها (نقد المقاربة الأمنية ضد \\\”الجهاديين السلفيين\\\” في المغرب) مع هند عروب

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة ال21 موضوعها (نقد المقاربة الأمنية ضد \\\”الجهاديين السلفيين\\\” في المغرب) مع هند عروب

\” لقد كانت تفجيرات 16 ماي صرخة يأس شبيهة بارتماء الآلاف في أحضان الموت سنويا لعبور البحر وبلوغ الحلم الأوروبي. و لا توجد مصادفة في حمل الحزبين الإسلاميين الرئيسين في كل من المغرب وتركيا نفس التسمية \” العدالة والتنمية\” لأن هذا ما يفتقده المسلمون في عالمهم\”.**

هل يمكن للأمن أن يؤمن للأمن؟ بصيغة أخرى هل يمكن للأمن بمفهومه المادي أن يحقق أو يحافظ عل الأمن بمفهومه الاجتماعي؟ إلى أي حد هذه المقاربة الأمنية كافية لمواجهة عنف الإرهاب وتهديدات المتطرفين؟ وقبلا عن أي أمن نتحدث، أمن المجتمع كما يدعي الخطاب الرسمي؟ أم أمن النظام السياسي الحاكم؟ وبالتالي ما الهاجس المحرك لهذه المقاربة الأمنية- العنفوية، هاجس الحفاظ على الأمن الاجتماعي أم هاجس الحفاظ على الوجود والخوف من الاندثار الهاجع في نفسية النظام السياسي المغربي؟

إن النظام السياسي المغربي كنظام ملكي ثيوقراطي مطلق، يركن إلى رزنامة من الشرعيات الداعمة لطبيعته التقليدية والشاحنة لاستمراريته، كالمقدس والشرعية التاريخية وجينيالوجيا الشرف والعنف بشقيه الرمزي والمادي. أما الدين فيتصدر القائمة كمورد شرعياتي يلعب دورا مركزيا في شحن عملية الشرعنة السياسية التي تزود النظام الملكي المطلق بالاستمرارية والقدرة على الحفاظ. فالدين هو الشيء الوحيد القادر على أن يزع الناس و أن يتحكم فيهم دون أن يجادلوه، لذا سعى الحكم في المغرب إلى صهر الحقلين السياسي والديني، و اصطناع شرعيته الدينية الممتحة من تقاليد الخلافة الإسلامية القائلة بمؤسسة السلطان القاهر الغالب الذي يحيي ويميت، يمنح ويمنع، \” ظل الله\” الذي له الأمر والنهي، وعلينا السمع والطاعة، لأنه بمنزلة \” الروح من الجسد\” حسب تعبير الأديب السلطاني محمد بن الوليد الطرطوشي1.

و ما حقيقة هذا المنطق التسويغي سوى التقعيد لامتلاك السلطة بإطلاق و واحدية دون أدنى مشاركة، ف\”على قياس الشرك بالله توزن مسألة مشاركة الحاكم الإسلامي الثيوقراطي في حكمه\”2، وأيضا تجنبا للمساءلة من قبل المحكومين، لذا التجىء إلى الدين لتسويغ السلطة الرعوية/ الواحدية. فالسطوة السياسية على الحقل الديني كمجموعة من الخيارات الرمزية التي تهم مجال المقدس، وفق بيير بورديو، تبررها رغبة الحاكم في التعالي السياسي والرمزي عبر إضفاء طابع القداسة على ما هو مدنس أصلا. وأي معارضة لهذه البنية المدعية للقداسة تصنف في خانة المدنس، لتنطرح هنا تقابلية \”المقدس/ المدنس\”3، وما تحدثه من صدام وعقاب ناتج عن هذا الصدام، الأمر الذي يشرعن لجوء السلطة الحاكمة المصنفة لنفسها في خانة المقدس إلى استخدام العنف لاستئصال ما تعده مهددا لها بالدنس.

فالأنظمة القهرية أنظمة مرتعدة خائفة، لا تستطيع أن تنشىء صلاتها بمحكوميها بعيدا عن القمع والعنف والإكراه، إذ لا وجود لأدنى درجات الثقة والمحبة المتبادلة بين الطرفين، بل، فقط، صلات التوجس والريبة. فالغاية من تبني العنف ضبط الجماهير، وضمان الاستمرار في الحكم وتقليص دور القوى المعارضة والمنافسة لها، و تمارسه – أي العنف- من خلال أجهزتها الإكراهية، كالجيش والبوليس والمخابرات والقوانين الاستثنائية كقانون مكافحة الإرهاب، والمقاربات الأمنية-القمعية. 4

في هذا الإطار تندرج علاقة النظام السياسي بالحركات الإسلامية، خاصة المتطرفة منها، التي عمد إلى خلقها، سنوات الستينات والسبعينات، كذروع لمحاربة التيارات اليسارية القوية والجماهيرية آنذاك. لكن المسخ سيجابه فيما بعد بالمسوخ التي خلقها حيث ستتنامى الحركات الإسلامية، وَسُيمسي \”الإسلام السياسي \” محتلا لمكانة مركزية في الحقل العام المغربي5. والإسلاميون بمطالبهم، و بالنسبة للبعض، تعطشهم للمشاركة السياسية، شكلوا تحديا فعليا للملكية\”6. و يشرح الأمر كارل ويتفوكل قائلا \” إن المجتمعات الرعوية لا تسمح بقيام أي توجه مستقل عن نسقها سواء عسكري أو اقتصادي، ترفض ظهور سلطة دينية مستقلة\”7. لذا شددت الملكية في خطابها،الذي تلا حدث التفجيرات، على أحقيتها وتفردها بحماية الملة والدين، إذ أقر الملك ب ( أن الوظائف الدينية هي من اختصاص الإمامة العظمى المنوطة بنا). وفي خطاب العرش لسنة 2003 أكد على ( عدم قبول استيراد مذاهب دينية أجنبية منافية للهوية المغربية المرتكزة على وحدة المذهب المالكي).

يكتب برهان غليون \” عندما يصبح خطاب الإسلام خطاب دولة – أي تحد للسلطة القائمة – هنا يجب على الدولة أن تملك رؤية سياسية وسائل عمل للتحرك ضد الفاعل الديني الذي تحول إلى فاعل نشط\” 8، وقد سرى هذا النشاط الإسلامي في جميع قطاعات الحياة اليومية، عن طريق شبكة مكثفة من الجمعيات، تستمد عناصر قوتها من ضعف الهياكل المحلية وعجز السياسيين على القيام بالمأموريات العامة. واستشعرت الملكية خطر توغل الإسلاميين بين ثنايا المجتمع عبر المساعدات الاجتماعية، فقررت ولوج المجال الاجتماعي. وتقوت حركية الإسلاميين إبان العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، بل توج النشاط بمشاركة حزب العدالة والتنمية في السلطة عقب الانتخابات التشريعية 2002، وبروز قوة جماعة العدل والإحسان خاصة من حيث الجماهيرية. أما ذروة الحركية فتجسمها تفجيرات البيضاء 16 ماي 2003 حيث صفع النظام بتوغل التيارات الإسلامية المتطرفة في جسمه إلى حد خلخلته. وبالتالي خرج المغرب من \” المنطقة الرمادية\”، التي صنفه في خانتها \” جيل كيبل\”، والمتواجدة بين مغازلة العناصر المعتدلة والضغط على العناصر المتطرفة9، لقد غيرت هجمات 16 ماي تغييرا جذريا ذلك المعطى السياسي الذي لطالما ظل لصيقا بصورة المغرب كبلد يمثل معقلا للسلام والأمن، بعيدا و نائيا عن العنف الإرهابي لوجود مؤسسة إمارة المؤمنين.

هذه الصورة المهشمة ستدفع بالنظام السياسي إلى تبني مقاربة أمنية متشددة، واستراتيجية جديدة لتدبير الشأن الديني عن طريق إعادة هيكلته، وإحكام تطويقه. وستغدو مواجهة الحركات الإسلامية المتطرفة، التي تنعت بالسلفية الجهادية، معركة تتقدم كل المعارك حسب خطاب البيضاء( 29 ماي 2003) الذي أعقب الأحداث، والذي جاء فيه على لسان الملك محمد السادس( إن الشعب سيجد خديمه الأول في مقدمة المتصدين لكل من يريد الرجوع به إلى الوراء وفي طليعة السائرين به إلى الأمام لكسب معركتنا الحقيقية ضد التخلف والانغلاق). هي معركة إذن ضد من زايدوا على إسلام إمارة المؤمنين بل كفروها و كفروا النظام، وطمحوا في الاستيلاء على الحكم عبر آلية الجهاد، فلقوا سخط النظام ومعتقلاته في انتظارهم، كما الأمس ولج اليساريون المعتقلات، اليوم يلجها الإسلاميون.

وآلية الولوج إلى المعتقلات تجسمت في \” المقاربة الأمنية\” التي ليست وليدة مكافحة الإرهاب بل هي سياسة ممنهجة ينتهجها النظام السياسي المغربي منذ حكم الحسن الثاني، والملك الحالي أكد غير ما مرة أنه على نهج أبيه. فالمقاربة الأمنية تمثل السياسية العمومية الأبرز والأكثر اعتمادا والتي يحرص الحكم على سريان مفعولها حين يلزم الأمر وحين لا يلزم الأمر، بل إن مكافحة الإرهاب منحتها نفسا جديدا، وفرصة للارتداد عن المكاسب الحقوقية وقمع الحريات باسم الحفاظ على الأمن. يبرز إشكال وضع الأمن مقابل الحقوق والحريات والعدالة، بينما الصلة الواصلة بين هذه المفاهيم الأصيلة صلة دياليكتيكية، إذ ليس من المنطقي أن نضع هذه المفاهيم في إطار تقابليات متضادة لتعارضها مع طبيعة هذه المفاهيم في حد ذاتها، ولأنه لا يمكن تحقق الواحد دون الآخر.

لقد سارعت الدولة المغربية تحت الضغط الأمريكي إلى تبني قانون مكافحة الإرهاب في وقت وجيز عقب تفجيرات البيضاء في 16 ماي 2003، ( ولو تعلق الأمر بقوانين الشغل ومجانية التطبيب ورفع الأجور- وملف البطالة… لتركت دهرا أو إلى أجل غير مسمى)، وأمسى هذا القانون الاستثنائي، الإرهابي في حد ذاته، عصب المقاربة الأمنية- القمعية، وسندها القانوني، الذي بالاستناد إليه، أضحى أي فعل قابلا للتصنيف في خانة الإرهاب وفق هذا القانون، نظرا لتبنيه تعريفا فضفاضا لجرائم الإرهاب، مما يعطي للمصالح الأمنية الحرية التامة في تلفيق التهم ( كالمس بأمن الدولة الداخلي والخارجي – زرع الفتنة- زعزعة الاستقرار…)، كما تضمن القانون:
– مسا بحقوق الدفاع، إذ يمكن منع الاتصال بين المحامي والمشتبه فيه.
– تشديد العقوبات ( المدد الطويلة- السجن مدى الحياة- الإعدام).
– تحويل بعض الجنح كتزوير الوثائق الإدارية والأختام إلى جنايات.
– تجريد المتهم بجريمة إرهابية من حقوقه المدنية حتى بعد قضاء مدة العقوبة.
– التضييق على حرية الرأي و التعبير. وهو الأمر الخطير، فأي فكرة قدر أنها تزكي الإرهاب زج بصاحبها في غياهب المعتقلات.

وكانت قد سجلت الشبكة المحلية لمناهضة مشروع قانون مكافحة الإرهاب بالدار البيضاء في بيانها الموقع بتاريخ 17-2-03، قلقها الشديد من:
– التسرع في عرض القانون على مجلس النواب في دورة استثنائية دون إشراك الفاعلين والمختصين.
– انعدام الحاجة القانونية أو المجتمعية أو الأمنية لتبني مثل هذا القانون
– تضييق هذا القانون عل الحريات الخاصة والعامة
– ضرب المعايير الدولية للمحاكمة العادلة وفتح المجال أمام الشطط والتعسف في استعمال السلطة

و ما يثير الاستغراب وجود مطالبين بتعديل هذا القانون في اتجاه تشديده، وكأن الإرهاب المتضمن بين ثناياه والبارز فوق سطوره، غير كاف لإشباع إرهاب الدولة، وعنفها الفوقي. وفي مقابل اتجاه المطالبين بالتشديد، هناك من يطالب بتخفيفه، بينما ينادي فريق آخر ( كالجمعية المغربية لحقوق الإنسان) بإلغائه.

وقد سبق لمنظمة هيومان رايتس وتش أن أكدت في إحدى تقاريرها ( حقوق الإنسان في المغرب عند مفترق الطرق / 2004) أن المغرب ينتهك الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، كما وجهت للحكومة المغربية عدة توصيات أبرزها:

– رفع تحفظات المغرب عن اتفاقية مناهضة التعذيب.
– عدم انتزاع الاعترافات تحت التعذيب.
– ضرورة احترام شروط المحاكمة العادلة.
– عدم تعارض مكافحة الإرهاب و المعايير الدولية حقوق الإنسان.

والملاحظ أن الدولة المغربية لم تكترث إلى الآن بتوصيات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية على حد سواء، مؤكدة لراعية الإرهاب الأولى، أمريكا، أنها معها وليست ضدها في حملتها المسعورة ضد \”الإرهاب\” . فمنذ 16 ماي 2003 إلى اليوم، شنت حملة اعتقالات عشوائية، وسجلت ضد الدولة المغربية لائحة من الخروقات والتجاوزات كالمحاكمات غير العادلة، الاختطافات، تلفيق التهم، التعذيب في المخافر السرية ( مخفر تمارة)، التعذيب داخل السجون، نزع الاعترافات تحت التعذيب، عدم إشعار العائلات، إهانة العائلات أثناء الزيارة، التفتيش المهين للعائلات والمعتقلين، المعاملة القاسية المهينة الحاطة من الكرامة داخل السجن، ازدراء الأوضاع داخل السجون، الترحيل التعسفي والقسري لبعض المعتقلين إلى سجون بعيدة عن ذوويهم، نقل بعضهم إلى الأحياء السجنية الخاصة بالحق العام، النطق بأحكام قاسية تبلغ حد المؤبد والإعدام.10

والحصيلة إضرابات عامة عن الطعام داخل السجون، رسائل استغاثة وبيانات فضح ما يجري من تعذيب داخل المعتقلات السرية والسجون، و محاولات الهرب و الهرب الفعلي من جحيم السجون، ثم التوعد بتصعيد المواجهة والمزيد من التفجيرات. و بالرغم من ذلك، مازالت الدولة مواصلة لإرهابها، ليس فقط ضد من يسمون ب \”الجهادية السلفية\”، ولكن ضد الحقوقيين والنقابيين والصحافيين، مستغلة بذلك فرصة مكافحة الإرهاب لتمارس الإرهاب، إذ بتنا نشهد تصاعدا في وتيرة الاعتقالات السياسية باسم المس بالمقدسات مثلا، وهي تهمة قروسطية تعكس الطبيعة الرجعية للنظام11. وقد سجل تقرير أمنستي لسنة 2008 تراجعا في الحقوق والحريات بالمغرب. فقد ضرب المغرب عرض الحائط التزاماته الدولية و الدستورية فيما يخص احترام حقوق الإنسان وكفالتها، الأمر الذي يثبت بالبينة أن النظام السياسي المغربي الحالي، وإن كان يتبنى خطابا حقوقيا، فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد كذب شعاراتي، فالواقع يعكس حقيقته الازدواجية المتألفة من كذب الخطاب وعنف الممارسة.

وتبدو هذه النتيجة منطقية ومنسجمة مع حقيقة الأوضاع في البلاد، فلا وجود لمشروع مجتمعي فعلي ولا إرادة سياسية حقيقية للتخلي عن ممارسات الماضي، و لضمان الحريات والحقوق، والدليل أن مكافحة الإرهاب تصب في اتجاه أحادي يتجسم في حماية النظام وتخليصه من كل مناوئيه وخصومه ومنافسيه، فالمقاربة الأمنية المتبناة من قبل الدولة المغربية، لا يعنها أمن المجتمع بقدر ما هي مسخرة للحفاظ عل أمن النظام السياسي ووجوده. فقد سجل تقرير ‘‘المؤشر العالمي للسلم والاستقرار\’\’ الذي يصدره \’\’الصندوق الدولي من أجل السلام\’\’ و\’\’مجلة السياسة الخارجية\’\’ لسنة 2008، تراجع المغرب من المرتبة 48 إلى المرتبة 63. إذن، هي مقاربة أمنية بوليسية و مخابراتية و قمعية صرفة، لم يوازها التفكير في مقاربة حقوقية واجتماعية لاستئصال المجتمع من بؤسه ولاقتلاع الإرهاب من جذوره، ولو كان الأمر كذلك، لما تراجع المغرب إلى المرتبة 126 فيما يتعلق بالتنمية البشرية.

فالمجتمع المغربي مجتمع مترنح بين الانتحار والانفجار، بين تفجير الغضب في وجه الدولة كما يفعل \”الجهاديون\”، أو مواجهة الدولة عبر انتفاضات الجوع وحرب شوارع المعطلين، وبين تفجير الغضب في الذات كإقدام بعض المعطلين عل الانتحار الجماعي و العلني، الارتماء في دروب الانحراف والدعارة والمخدرات والجريمة، الصراع اليومي من أجل الخبز في ظل استعار الأسعار، وفي ظل الفروق الطبقية الصارخة، محاولات العيش اليائسة، محاولات الهروب إلى العالم الغربي، من أجل الوجود، عبر قوارب الموت و قوارب الأدمغة…ولا من سميع ولا من مجيب فقط آليات الإكراه المادي والتعذيب العلني والسري، الأمر الذي يجعل من مجتمع المقطورات المتفاوتة، الذي يأن من شدة وطأة اللاعدالة الاجتماعية مرتعا خصبا لتفريخ المزيد من الإرهاب.

والمقاربة الأمنية والاعتقالات وسياسة القمع و الاحتواء، لن تعالج لا ظاهرة الإرهاب ولا المعضلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أفرزت ظاهرة الإرهاب، ما لم يتم نهج مقاربة حقوقية و اجتماعية، إلى جانب مقاربة أمنية تحترم المعايير الكونية لحقوق الإنسان، ينصت من خلالها للآلام المجتمع، كما تفعل الحركات الإسلامية التي تستغل هذه الآلام والدين على حد سواء لتحقيق مشروعها السياسي.

إن عنف الدولة وإرهابها لن يستدعي سوى المزيد من عنف وإرهاب الجماعات، ما لم يكن هناك – على سبيل التقدير وليس الحصر و لا الترتيب-:

-الاستجابة للمطالب الاجتماعية
-توفير فرص الشغل
-استثمار الأدمغة وتشجيع البحث العلمي
– تقوية المجالات التعليمية
– توفير شروط العيش الكريم من أجور تتلاءم والأسعار
– مجانية التطبيب ومجانية وجودة التعليم
– التقليص من الأوعية الضريبية
– التوفر على اقتصاد منتج ينتفع به الجميع وليس اقتصادا طبقيا يرضخ لمعايير السوق الحرة
– ضمان الحريات والحقوق والمساواة بين الجميع
– فصل السلطات واستقلاليتها
– التوفر على دستور ديمقراطي
– فصل الدين عن الدولة
– اقتسام الحكم و توفير شروط المشاركة السياسية الحقيقية.

ختاما أعود إلى سؤال البدء، هل يؤمن الأمن الأمن؟ لأجيب جازمة أن الأمن لن يؤمن الأمن، إذ لا أمن مع الاستبداد والجوع والجهل والقهر.
* باحثة في العلوم السياسية
1- محمد بن الوليد الطرطوشي، سراج الملوك، تحقيق جعفر البياتي، رياض الرئيس للكتب، طبعة لندن.
2- Bertrand Badie, Culture et politique, Ed. Economica, Paris 1984, p :84

3- Voir: Emile Durkheim, Les formes élémentaires de la vie religieuse, livre de poche PARIS, p : 538.
– Mercia Eliade, Le sacré et le profane, Gallimard 1965, pp :60-77-57.
– Jean Jacques Weneburger, Le sacré, P.U.F – Paris 1981, p :3.
– Ernest Cassirer, La philosophie des formes symboliques, T.2, Ed.Minuit 1972, p :61.
– René Girard, Des choses cachées depuis la fondation du monde, ED.Greset & Fasquelle 1978, p : 49
4- Voir: Ives Michaud, « Violence », Encyclopedia Universalis, 2004.
– Max Pages, La violence politique, Ed. Eres 2003, p : 31-185.
– Hannah Arendt, Du mensonge à la violence, Ed. Calman- lévy 1972 p :106.

– حسنين توفيق ابراهيم، ظاهرة العنف السياسي في النظم العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، 1-1992
5- هند عروب، الحركات الإسلامية في 2006 : جماهيرية، سيطرة على المجال وتحد للملكية، تقرير منشور ضمن التقرير السنوي ل \”وجهة نظر\” 2007، الرباط.
6- Malika Zeghal, Les islamistes marocains et le défi à la monarchie, Ed. le fennec 2005, p :7.
7- Karl Wittfogel, Le despotisme oriental, Paris Ed. Minuit, 1977 p :111-112.
8- برهان غليون، الإسلام و أزمة علاقات السلطة الاجتماعية، مركز دراسات الوحدة العربية سلسلة كتب المستقبل العربي، ع 14، ط 1، 1999.
9- جيل كيبل، جيل كيبل، من اجل تحليل اجتماعي للحركات الإسلامية في الإسلام وآفاق الديمقراطية في العالم العربي، مركز طارق بن زياد للدراسات والأبحاث، أكتوبر 2000 الرباط، ص 45.
10- هند عروب، حقوق الإنسان في مغرب 2007: إعدام الحق في الحياة، تقرير منشور على موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان بباريس، وأيضا ضمن التقرير السنوي ل \”وجهة نظر\” تحت عنوان \”حالة المغرب في 2007- 2008\” أبريل 2008، الرباط.
11- المصدر نفسه. وأيضا هند عروب، \”بحثا عن الصلة بين المقدس والاعتقال السياسي في المغرب\” نص ألقي في إطار ندوة حول \” المقدس والاعتقال السياسي\” يوم 18 -2-2008 بسلا.
** Marvine Howe, Morocco: The islamist awakening and other challengers, Oxford University Press, 2005
p. 357.

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة ال20 موضوعها (الجهاد في تصور السلفية الجهادية المغربية) مع عبد اللطيف حسني

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين بالمغرب) الحلقة ال20 موضوعها (الجهاد في تصور السلفية الجهادية المغربية) مع عبد اللطيف حسني

 

                    باعتبار الإشكال المعرفي هو الكيفية التي بمقتضاها يتم تصور المشكلات في منظومة معرفية معينة، فإن اشكاليتنا تقوم في هذا العرض على مستويين. المستوى الأول مستوى التسمية: " الجهادية " أو " السلفية الجهادية " . والمستوى الثاني، مستوى المفهوم المرتكز لهذه المداخلة وهو مفهوم " الجهاد " .

  في التسمية   

      تتعدد التسميات المنعوتة بها الحركات الإسلامية الجديدة الموسومة بالتطرف، غير أن المسمى ليس واحدا في جميع الحالات. ومن هذه التسميات: " الهجرة والتكفير "، تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي "، " جماعة الصراط المستقيم "، " الأفغان المغاربة "، " جماعة التوحيد والجهاد "، " أنصار المهدي "، " حركة المجاهدين المغاربة "، " الجماعة الإسلامية المغربية "، " حزب التحرير الإسلامي "، " الجماعة الإسلامية للتوحيد والجهاد " .

       هذه التنظيمات دعيت بشكل تبسيطي من قبل الإعلام ب " السلفية الجهادية " بغية تمييزها عن باقي السلفيات، باعتبار تبنيها للجهاد،لأول وهلة يبدو أن القاسم المشترك الذي تتجمع من حوله هذه التنظيمات هو الجهاد، غير أن القول بهذا ينطوي على نوع من التضليل والتمويه، ذلك أن القاسم المشترك الذي يجمع بين هذه التنظيمات ليس هو الجهاد، ولكن هو الإسلام. فهم يتوحدون في التدين بالدين الإسلامي، ولكنهم يختلفون في تفسيرهم للإسلام وللمفاهيم المحورية التي بني الإسلام عليها. تمت صورة دقيقة يقدمها " أبوحفص " الموصوم بكونه من رواد السلفية الجهادية المغربية عن هذه الخلطة التنظيمية المسماة إعلاميا ب " السلفية الجهادية "، يقول " أبو حفص " : " … ما يسمى إعلاميا بتيار السلفية الجهادية، وكأنهم على فكر واحد ونسق واحد، أو كأنهم تنظيم فكري له أدبيات ومرجعيات موحدة، والواقع أن الإسلام فقط هو الذي يوحدهم جميعا، أما الأفكار والتصورات والمستويات فتفرقهم إلى تيارات ومناهج ومنازع مختلفة، فمنهم أصلا من له انتماء فكري معروف وواضح، كبعض المعتقلين المنتمين إلى " حركة التوحيد والإصلاح " أو " حزب العدالة والتنمية "، أو " جماعة العدل والإحسان "، أو جماعة الدعوة والتبليغ " . وحتى من لا يغرف له انتماء، وهم الأغلبية، فأصناف وألوان وأشكال، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فمنهم من تبنى الفكرالجهادي العالمي بأدبياته المعروفة، ويصرح بذلك ويفخر به. ومنهم من يتبنى الفكر الاخواني بلوازمه ومقتضياته، ومنهم من اتخذ موقعا بين الطرفين، ومنهم من لا يتورع عن تكفير المجتمعات المسلمة والعاملين بها حتى يصل التكفير به إلى أصغر موظف في أصغر مؤسسة عمومية، ومنهم من جند جهده للتحذير من الوقوع في هذا المنزلق الخطير داعيا إلى الانسجام مع مجتمعاتنا المسلمة والتعايش معها والاندماج فيها، ومنهم من يكفر كل المنتمين إلى الأحزاب والهيئات السياسية، ولا يرى في القنافذ أملسا. ومنهم من يفرق بين الأحزاب والهيئات والأشخاص، ولا يكفر لمجرد الانتماء، ويرى ضرورة الإنصاف في الحكم والتصنيف والإسقاط. ومنهم من يؤمن بالتعامل مع الهيئات المدنية من جمعيات ومنتديات وغيرها، ويرى ضرورة التعاون معها لرفع الظلم وإحقاق الحق وإن كانت مرجعياتها غير إسلامية، ومنهم من يرى الكفر بكل هذه الهيئات، ويعتبرها صنائع طاغوتية، وألاعيب سياسية، ويحرم التعامل معها في كل الظروف والأحوال، ومنهم من يكفر بالديموقراطية ويكفر تبعا لذلك كل انخراط أو مشاركة في أي وجه من وجوهها، فلا يسلم من تكفيره النواب لبرلمانيون والمستشارون. ومنهم من يشارك هؤلاء هذه الفكرة، إلا أنه يتوقف عن تكفير الأعيان لتخاف الشروط وانتفاء الموانع في رأيه ونظره، ومنهم من يرى جواز العمل السياسي في المؤسسات القائمة، جلبا للمصالح ودرءا للمفاسد ودفاعا عن الشريعة وصونا لحقوق الأمة، وتوسيعا لباب الاجتهاد والسياسة الشرعية، ومنهم من يكفر الحركات الإسلامية، وفي أحسن الأحوال يضللها ويبدعها، وقد لا يفرق بينها وبين الأحزاب اللائكية ويعتبرها حركات تدجين وتخذيل وتثبيط، وصنيعة من صنائع الأنظمة الطاغوتية، وحبلا من حبالها. ومنهم من يرى أن هذه الحركات تمثل حصون الأمة وسدود الممانعة، ويرى ضرورة الاجتماع والتواصل والتعاون معها مع الإعذار والأدب والإنصاف، ومنهم من لا يعذر أحدا من المسلمين في زلة ارتكبها، وإن كان ذلك عن جهل أو خطأ أو غفلة. ومنهم من يوسع جانب العذر، ويغلب جانب الرأفة ولا ينصب نفسه رقيبا على الناس، متتبعا لعوراتهم وزلا تهم. ومنهم من لا يرفع بعلماء الأمة رأسا، ولا يعظم من قيمتهم وأثرهم في الأمة، ولا يعظم إلا من وافق منهجه ورؤيته، وإن كان قليل الزاد والبضاعة، ويعتبر غالبهم من علماء السلطان الذين باعوا دينهم بثمن قليل. ومنهم من يعرف لأهل العلم قدرتهم ومنزلتهم وينشر محاسنهم ويستر أخطاءهم بغض النظر عن مناهجهم ومواقفهم. ومنهم المتعصب لكل الأقوال الفقهية التي أخذها عن شيوخه، معتقدا أنها الحق المطلق الذي ليس بعده إلا الباطل، منكرا على كل مخالف مهما علا شأنه، أو عظم علمه. ومهم من يدرك اختلاف الفقهاء، ويعتبر ذلك سعة ورحمة، ولا يغرق الأمة في خلافات جزئية وفرعية. ومنهم من يغلب في تعامله مع الناس جانب الرفق والكلمة الطيبة والابتسامة الجميلة والأدب الرفيع. ومنهم.ن لا تراه إلا مقطب الوجه، مكفهر الملامح، خشن العبارة، سمج الأدب. ومنهم .ومنهم. . "

 رغم طول هذا الاستشهاد، ورغم إغراقه في التفصيلات أو بلغة فقهية في التفريعات فإن مجموع هذه التوجهات يمكن العودة بها إلى توجهين رئيسيين وذلك وفقا لأطروحتها الأساسية:

  ـ توجه ينتمي للسلفية العالمية.

  ـ توجه يدين بانتمائه للإخوان المسلمين.

 

1 ـ التوجه السلفي العالمي أو الجهادي

       بحسب المتابعين والراصدين لنشأة وتطور التنظيمات الإسلامية تعود ولادة هذا التوجه لامتزاج مدرستين فقهيتين مختلفتين: هما المدرسة الوهابية، والمدرسة المصرية لسيد قطب. فالوهابية التي يعود تأسيسها لمحمد بن عبد الوهاب ( 1703 ـ 1792 ) تستند على الطبيعة الشاملة والأبدية للإسلام، كما فسره ابن حنبل وابن تيمية وابن قيم الجوزية. ومن مرتكزاتها الأساسية عقيدة الولاء والبراء، التي تؤدي إلى المفاصلة مع مجتمع الجاهلية. فالولاء كل الولاء للإسلام والبراءة من المشركين وغير المسلمين، ولا يكتمل إسلام المرء عندهم بدون اعتناق هذه العقيدة. وبصدد المدرسة المصرية لزعيمها سيد قطب، فهي المدرسة التي نظرت لنظرية الحاكمية الإلهية كطريق للأخذ بالعنف من أجل تغيير أنظمة الحكم. والمدرستين معا امتزجتا بمفعول حدث استقبال السعودية لفلول الإخوان المسلمين من مصر وسوريا، وهو ما نتج عنه التوجه " السروري " نسبة إلى " محمد سرور بن نايف زين العابدين " الذي مزج بين المدرستين معتبرا أن ما ينقص السلفية هو أن تكون مسيسة وثورية

.

2 ـ توجه الإخوان المسلمين

     المكون الثاني من مكونات التنظيمات الإسلامية الحركية في المغرب مكون نبت على الأرض، مع حرب أفغانستان ضد السوفيات، وتمثل في الجهاد الأفغاني الذي يستقي جل مفاهيمه من " أبو الأعلى المودودي «، والذي انتشرت عقيدته عبر المدارس الدينية التي ترعرعت فيها حركة طالبان، وقد كان الإعلان عن تنظيم القاعدة والجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين بمثابة ترجمة واضحة لعقيدة الولاء والبراء الممزوجة بتنظيرات سيد قطب.

 

   في تصوراتهم للجهاد

        السلفية الجهادية تيار يؤكد على الربط بين السلفية والجهاد. إذ لا يمكن تصور سلفية بدون جهاد، وهي ترى في القرون الثلاثة الأولى للإسلام خير القرون دعوة وجهادا وحضارة، وفي تعريف السلفية الجهادية للجهاد يذهب أحد روادها الذي يحمل اسم " المقدسي " إلى القول: " … السلفية الجهادية تيار يجمع بين الدعوة إلى التوحيد بشموليته والجهاد لأجل ذلك في آن واحد، أو قل هو تيار يسعى لتحقيق التوحيد بجهاد الطواغيت "

  هذه الأطروحة ترى بأن الشرك داخل الأمة من جوانب عدة، وعليه فإنها تقدم التوحيد أو إقامة الحاكمية كهدف وغاية، ليس الجهاد إلا الوسيلة الرئيسية لتحقيقها إلى جانب الدعوة. هذه الرؤى كما يبدو تنسف كافة الأطروحات الدعوية السابقة عليها، سواء تلك التي نأت بنفسها عن الخوض في الوضع القائم، أو تلك التي شاركت فيه. كتلك الحركات السلفية التي لا تتعرض من قريب أو بعيد إلى شرك الحكام والمشرعين والقوانين، بل قد تكون مما يسير في ركاب الحاكمين وتعمل على تتبيث عروشهم، أو تلك التي عبرت عنها أطروحات بعض الحركات الجهادية التي تبوثق جهادها وتحصره في منطلقات وطنية وترفض رفضا جازما وحاسما أن تتعدى بجهادها حدود الوطن.

 فالتيار السلفي الجهادي يخالف هؤلاء وأولئك، وهو من أجل ذلك يدعو إلى التوحيد بشموليته، وفي كل مكان. فحيث وجد الخلق شرعت دعوتهم إلى التوحيد بشموليته، وحيث وجدت هذه الدعوة، وجد الجهاد من أجلها وفي سبيلها… إن ميدانه هو الأرض كلها، فتجد أبناؤه مجاهدون في شتى بقاع الأرض.

   إن توصيف " المقدسي " هذا يمكن اعتباره نموذجا ممتازا للغوص في أعماق الأطروحة السلفية الجهادية. فإذا ما استبعدنا الجهاد كوسيلة لإقامة الحاكمية، وانطلقنا من التوحيد بوصفه أهم المفاهيم التي تميز السلفية الجهادية. فإن التوحيد بمعناه الشرعي يستدعي الكفر بالطاغوت، فكل من لا يحكم بما أنزل الله فهو كافر شرعا أو فاسق أو ظالم أو كلها معا. وبالتالي فهو مفهوم يحيل السلفية الجهادية إلى مرجعية وحيدة في الحكم على الأقوال والأفعال والنوازل أيا كان مصدرها ومكانها، فإذا ما وافقت الشريعة كان بها، وإلا فهي قطعا باطلة ومنبوذة ومحاربة. وبالتبعية فإن السلفية ستجد نفسها في واقع التصادم مع منتجات الحضارة الراهنة إبتداءا بالنظم الفكرية والإيديولوجية والدينية والأخلاقية. وانتهاء بكل تجلياتها المادية من هياكل وبنى. فالقضاء منظومة قانونية ودستورية وضعية، والحكم في الدولة يستند إلى مؤسسات تشرع من دون الله، والتعليم غيب العلم الشرعي، وأنتج علماء وفقهاء يشرعون للوضع القائم، والاقتصاد تحركه قوانين الربا، والتجارة بيد نخبة تمارس الاحتكار والهيمنة والربح غير المشروع، والثقافة غربية الطابع، والعلاقات الدولية مرهونة بإرادات القوى العظمى ومصالحها.

   وإلى جانب عقيدة التوحيد في فهم الجهاد لدى السلفية الجهادية، توجد عقيدة الولاء والبراء. فهما المعيارين المعتمدين في قياس مدى نقاوة التوحيد لدى الأفراد والجماعات الإسلامية. ووفق هذين المعيارين رأت السلفية الجهادية في الحكام " طواغيت " هم ومن والاهم وساندهم أو شرع لسلطانهم ودعم تشريعاتهم، لكن مع التفصيل في الأمر فقهيا، فمن كان كفره ظاهرا أو خفيا أو نحو ذلك. ووفق هذه العقيدة فالمسلم الموحد ملزم بمبدأ الأخوة الإسلامية بديلا عن الأخوة الوطنية، وملزم بالنصرة بديلا من التخذيل، وملزم بالنصح لإخوانه بديلا عن تتبع عوراتهم، وملزم بالحاكمية بديلا عن التشريعات الوضعية. وذروة عقيدة الولاء والبراء تصل مداها الأقصى في النماذج التطبيقية. فما تراه بعض الجماعات والعلماء مسائل خلافية تحتمل التأويل والتفصيل، تراه السلفية الجهادية تمييعا للعقيدة وتخذيلا أو إرجافا أو إرجاء.

 وهكذا يتبدى واضحا أن السلفيات المتعددة التي سبق لشاهد يعيش معها في السجن وهو " أبو حفص " والتي يشهد على تنوعاتها واختلافاتها، تبقى في العمق هذه الاختلافات مجرد اختلافات شكلية، لا تمس جوهر المعتقد الذي يعتقد بالتوحيد في شموليته، وبالولاء والبراء، وهو المعتقد الذي أضفى على تصورهم للجهاد طابعا خاصا لم يقل به القدماء من فقهاء الإسلام ولا المحدثون منهم.

 أستاذ العلوم السياسية، فاعل مدني ومدير مجلة وجهة نظر*

الرئيسية / كتاب البديل / قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال19 موضوعها (الدولة ومسألة الحوار مع معتقلي \”السلفية الجهادية\” بالمغرب) مع سليم حميمنات

قراءة في كتاب المعطي منجب الذي يحمل عنوان (مواجهات بين الإسلاميين والعلمانيين) الحلقة ال19 موضوعها (الدولة ومسألة الحوار مع معتقلي \”السلفية الجهادية\” بالمغرب) مع سليم حميمنات

يقصد بمعتقلي “السلفية الجهادية” مختلف الحساسيات السلفية التي تمت محاكمة أعضائها إبان الحملة الأمنية الذي أعقبت أحداث 16 ماي 2003. فالأمر يتعلق بخليط من الخلايا و المجموعات الإسلامية التي يتزعمها شيوخ و رموز اشتهر جلهم في السنين الأخيرة من خلال فتاواهم التكفيرية و خطبهم المتعاطفة مع الجهاديين في كل أنحاء العالم، خاصة تنظيم القاعدة و زعيمها أسامة بن لادن، كما اشتهروا أيضا بخرجاتهم الإعلامية المثيرة على صفحات بعض الجرائد المستقلة، و التي جعلت البعض يعتبرهم كرموز تمثل مجموعات سلفية معينة، كما هو الشأن بالنسبة لمحمد الفيزازي (جمعية أهل السنة و الجماعة)، الميلودي زكرياء (جماعة الصراط المستقيم)، يوسف فكري (الهجرة و التكفير)، زكريا بوغرارة (الجماعة الإسلامية بالمغرب)، حسن الحطاب (أنصار المهدي)، محمد النكاوي (حركة المجاهدين المغاربة)، حميد مرزوك الملقب بأبي الزبير المغربي (جماعة التوحيد و الجهاد)، علي العلام ( الناطق باسم السلفية الحركية بالمغرب الأقصى)…الخ، بالإضافة إلى الشيخين حسن الكتاني و أبي حفص الملقب بعبد الوهاب الرفيقي اللذين يقدمان، إعلاميا على الأقل، باعتبارهما من الرموز الفكرية المنظّرة لتيار “السلفية الجهادية”.
و الجدير بالذكر أن جل نشطاء و ممثلي هذا التيار يرفضون تسمية “السلفية الجهادية” باعتبارها مجرد تعبير إعلامي لا يعكس هوية هذا التيار، بل و يعتبرون بأن لا وجود لها على الإطلاق على أرض الواقع. و عوضا عنها، فهم يفضلون تعبير “أهل السنة و الجماعة” أو “معتقلي الرأي و العقيدة” بالنسبة للأفراد المعتقلين داخل السجون.
إن الحديث عن موضوع الحوار بين الدولة و معتقلي “السلفية الجهادية” بالمغرب يحيل في البداية على التوتر الذي بدأت تشهده العلاقة بين الطرفين مند مطلع الألفية الثالثة، و ذلك بعد تورط عدة أفراد و خلايا محسوبة على هذا التيار في تنفيذ عمليات إجرامية متطرفة بمسوغات دينية استهدفت مدنيين بعدة مدن بالمملكة. و ستصل هذه الانزلاقات إلى ذروتها مع تنفيذ العمليات الانتحارية التي هزّت الدار البيضاء ليلة 16 ماي 2003. ففي هذا الوقت بالذات، ستستفيق الدولة من غفلتها، و ستعي أن هذه المجموعات و الخلايا قد أصبحت تشكل خطرا جديا على أمنها و استقرارها، و بالتالي يتوجب عليها العمل على محاربتها و القضاء عليها. و سنعاين هذا التوجه بوضوح منذ الأيام الأولى التي تلت أحداث 16 ماي، إذ تحت وقع الصدمة، ستشن السلطات الأمنية حملة تمشيط واسعة و عشوائية شملت كل من له علاقة من قريب أو من بعيد بهذا الفكر السلفي الجهادي .
و الملاحظ أن الرد الأمني المتشدد الذي نهجته الدولة في تتبع المتورطين في تلك الاعتداءات الدموية خلّف تجاوزات خطيرة، سواء أثناء اعتقال المشتبه بهم أو عند التحقيق معهم و توجيه التهم لهم، هذا بالإضافة إلى ما تعرض له هؤلاء داخل السجون من تعذيب نفسي و جسدي زهقت معه أرواح العديد منهم . هذا الواقع سيدفع عدد من الهيئات الحقوقية الوطنية و الدولية إلى التعبير عن إدانتها و استنكارها للتجاوزات التي كانت تحصل، كما سيعمل المعتقلون أنفسهم و أسرهم على تنظيم عدة وقفات و إضرابات احتجاجية لإثارة الرأي العام و الضغط على الدولة لإطلاق سراحهم أو إعادة محاكمتهم بشكل عادل.
هكذا وبعد مرور حوالي سنتين تقريبا على النهج الأمني الصارم الذي تبنته السلطات، و ما خلفه من تجاوزات متعددة تمت تحت غطاء قانون الإرهاب الجديد، و نتيجة للضغوط القوية التي بدأت تمارسها المنظمات الحقوقية وطنيا و دوليا بخصوص هذه القضية، ستشرع الدولة، و إن بشكل محتشم، في بلورة مقاربة أخرى للموضوع كانت تتوخى إصلاح التجاوزات الأمنية العشوائية الم