الرئيسية / ميساج / .. كاد المعلم أن يموت مقتولا..

.. كاد المعلم أن يموت مقتولا..

يبدو أن الوقت حان لترسيخ ثقافة تربوية تعليمية جادة، بمشاركة كل الأطراف الفاعلين، وإعادة النظر في ثقافة وسلوك وكفاءات المنظرين أنفسهم داخل قطاع التعليم ببلادنا. قبل أن تتفاقم الأوضاع أكثر داخل قطاع التعليم، ونهوي مستقبل البلاد إلى المنحدر المجهول. ثقافة لا يمكن أن تنفرد في صياغتها الوزارة الوصية، ولا المجلس الأعلى للتعليم. بل يجب أن تفتح من أجلها أوراش داخل القطاعات الحكومية والمجتمع المدني والإعلامي، والقطاع الخاص. ويجب أن يكون الهدف منها إعادة الثقة في المدرسة، وإنصاف المدرس.  لم يعد لمعلمي أمير الشعراء الراحل أحمد شوفي أية مكانة داخل مؤسساتنا التعليمية، ولم يعد لهؤلاء التربويين الذين صنفهم قبل وفاته في خانة الرسل والأنبياء، أدنى احترام ولا قيمة داخل مجتمعنا. بعد أن أصبح (المعلم) شماعة الحكومات، تعلق عليها فشلها في كل برامجها ومخططاتها.. وبعد تواطؤ الكل من أجل النيل من سمعته وشرفه، وقتل روح التربية والتعليم في داخله.. فقد المعلم هيبته..لا قيام ولا تبجيل ولا تقدير، ولا حتى وقار.. المفروض أنه الأستاذ والأب والمربي. يتلقى المهانة والسخرية والتهم الملفقة من التلامذة والآباء والوزارة الوصية.     قبل أيام تعرض أستاذ لعنف جسدي أثناء مزاولته مهامه.. والجاني ليس مجرما ولا مضطربا نفسيا.. بل تلميذا من تلامذته.. وبحضور كل تلاميذ صفه، داخل مؤسسة أحدثت من أجل التربية والتعليم.. مدرس وارزازات الذي تعرض لاعتداء عنيف، لو سقط تحت رحمة لص أو مجرم في الخلاء، لكان أرحم وأحن عليه من ذاك التلميذ المنحرف الذي ضل يتلذذ بتعنيفه..هناك الكثيرون.. ضحايا تلاميذ منحرفين، .. استباحوا أجسادهم وشرفهم، وضربوهم باللكمات والصفعات والرفس، وباستعمال العصي والسكاكين والمديات داخل المؤسسات التعليمية وخارجها..أثناء الامتحانات الإشهادية، أو داخل أقسام الدراسة ومحيط المؤسسات التعليمية.. ولم يتم إنصافهم.. بل إن معظم الضحايا استجابوا لتوسلات أقارب وأصدقاء أو زملاء أو أفراد من أسر الجناة، وتنازلوا عن متابعتهم قضائيا.. فيما بعضهم تنازلوا خوفا من الانتقام..  هؤلاء لم تعد تحق عليهم الأبيات الشعرية التي تغنى بها في حقهم، الأمير الراحل شوقي. بعد أن نسجت الحكومة بديلا لها في صيغة جديدة  مطلعها ( قم للمعلم وفِّه التبهديلا…. كاد المعلم أن يموت مقتولا)… ليتم  ترسيخ ثقافة العنف والإهانة والسخرية من المدرسين..  من منا سينسى لائحة المتغيبين، التي أشهرها وزير القطاع السابق. والتي تضمنت أساتذة يرقدون في المستشفيات، وآخرون ذهبوا لحج بين الله. كما ضمت بالخطأ اسم أستاذة لم يسبق لها أن تغيبت. من منا سينسى ما صرح به وزير الوظيفة العمومية، عندما لم يستسغ الأمر الملكي بقطع العطلة الصيفية على بعض الوزراء المعنيين بمشاريع منارة الحسيمة. حيث طالب بمنع العطلة الصيفية على الأساتذة بحجة أن هناك تلاميذ داخل فصولهم الدراسية رسبوا..  ومن منا لا يتذكر العنف اللفظي والجسدي الذي تعرض له الأساتذة المتدربين، حينما طالبوا بإنصافهم. و(السلخة والتبهديلة) التي تغذى بها هؤلاء. هجوم دموي يوحي وكأن هؤلاء الأبرياء كانوا بصدد ارتكاب عمل إرهابي أو عدائي للبلاد. أو أنهم قاموا بالهجوم على الأمن العمومي أو تخريب ممتلكات عمومية أو خاصة. والحال أنهم كانوا مسالمين يؤمنون بقوة وفاعلية الاحتجاج السلمي. لابد إذن من تغيير منهجية التعليم، والاعتماد على المدرس، من أجل تشخيص وتشريح واقع التعليم، واقتراح الآليات والسبل الكفيلة بنهضته.. ولابد من تغيير حتى اسم الوزارة الوصية التي لا تتضمن كلمة (التعليم المدرسي)، وتكتفي بكلمتي (التربية الوطنية)..  لأن هذه التربية الأخيرة هي واجبة على كل المغاربة داخل وخارج فصول الدراسة وبغض النظر عن أعمارهم.. ويمكن أن تلقن دروسها داخل كل المرافق والقطاعات العمومية والخاصة.. ونحن في حاجة إلى التعليم الذي افتقدناه وسط زحمة الكتب والبرامج  ورؤى المنظرين القصيرة..

 

 

 

 

 

 

الرئيسية / ميساج / كاد المعلم أن يموت مقتولا …

كاد المعلم أن يموت مقتولا …

يبدو أن حكومة عبد الإله بنكيران سنت قانونا جديدا، خاص بقمع الاحتجاجات السلمية. يحمل شعار (العصا لمن عصا وقاوم من أجل الإنصاف). وأعدت له كل المبررات الواهية اللازمة. من أجل التبرؤ من كل تجاوز خطير، قد يتم في حق المحتجين والمتظاهرين المسالمين. وتحميل أفراد قوات التدخل السريع والقوات العمومية  المشكلة من أفراد تابعة للأمن الوطني والقوات المساعدة، كامل المسؤولية في كل ما قد يفجر غضب واستنكار الرأي العام المغربي. علما أن هؤلاء حملة العصي والهراوات والمتدربين على السلخ والجلد. لم يبادروا وحدهم إلى الهجوم على المحتجين وتعنيفهم. وأنهم ملزمون بتنفيذ أوامر وتعليمات، تصب تدريجيا من مسؤول إلى مسؤول أقل منه درجة، قبل أن يطلب منهم تنفيذها ميدانيا. وإلا فإن مصيرهم السجن والتأديب.

ويبدو أكثر أن هذه الحكومة المبتدئة سياسيا، تبحث أكثر في إيجاد التبريرات لتجاوزاتها الخطيرة، عوض التحقيق والبحث في كل التجاوزات التي بات يتعرض لها المحتجون سلميا، أمام البرلمان، وخلال تنفيذ وقفات ومسيرات من أجل إسماع أصواتهم المبحوحة. ولعل ما تعرض له أخيرا الأساتذة المتدربون من اعتداءات وحشية، أدت إلى إصابة العديد من الشباب الواعد من الجنسين، بجروح متفاوتة الخطورة. أكبر دليل على أن التماسيح والعفاريت التي شغل بها رئيس الحكومة طيلة ولايته التي أشرفت على نهايتها. هم أفراد داخل حكومته وأجهزته الحاكمة والنافذة. لأن التماسيح وحدها هي التي تستطيع أن تبكي وهي تأكل فريستها. وأن العفاريت وحدها هي التي تستطيع أن تختفي للتهرب من المسؤولية. وهي التي بإمكانها أن تلفق التهم إلى الآخر، بتغيير معالم الجريمة أو إتلافها أو إلصاقها بأي شخص أو طرف آخر.    

إن الأذرع والأيادي والأرجل والرؤوس والعصي التي أسالت دماء الأساتذة المتدربين، تخصكم، ولا يمكن تحريكها إلا بإيعاز منكم، ومن حكومتكم. هذه الهجمة الشرسة التي أغرقت أرض المغرب التي تعاني شح السماء. بدماء بريئة، لأناس يرون أن من حقهم الإدماج في الوظيفة العمومية بعد استكمال تكوينهم. شأنهم شأن مئات الآلاف من المدرسين والمدرسات الذين سبقوهم في التكوين…   

ف(السلخة والتبهديلة) التي تلقاها هؤلاء، تمت من طرف العشرات من عناصر الأمن، وليست من فرد واحد. وهذا يعني أن كل المجموعة التي كانت حاضرة بمتابعة مسيرتهم السلمية، تلقت أوامر الهجوم والتعنيف من مسؤول أمني (ضابط) أو قضائي (وكيل الملك). والطرفان تابعان لوزارتي الداخلية والعدل والحريات. اللذان هما عضوان داخل الحكومة. علما أن هجوم كهذا يوحي وكأن هؤلاء الأبرياء كانوا بصدد ارتكاب عمل إرهابي أو عدائي للبلاد. أو أنهم قاموا بالهجوم على الأمن العمومي أو تخريب ممتلكات عمومية أو خاصة. والحال أنهم مسالمون يؤمنون بقوة وفاعلية الاحتجاج السلمي، لذا لم يتعرضوا لليأس والإحباط وضلوا صامدين في نضالاتهم السلمية التي تفننوا فيها. من أجل كسب عطف ودعم المغاربة. كما أن صمودهم هذا يؤكد ثقتهم في الحكومة وفي دستور البلاد. وهو ما يحسب لهم لا عليهم. عندما تضع نقطة سوداء فوق الشعب، فإنك طبعا ستجد أن الشرطة في خدمة الشغب وليس الشعب. وعندما يعطى لوزارة الداخلية (لقب أم الوزارات) الذي ورثته عن أيام الرصاص. فإن المسؤولين بتلك الوزارة سيرفعون شعار (دخل سوق راسك)، وعندما تسمى وزارة الرميد بوزارة العدل والحريات. فإن هناك من قد ينسى أو يتناسى بأن العدل والحريات في ضل الدستور المغربي، وليس في ضل خيارات ونزوات بعض النافذين داخلها…وأن عليهم الحفاظ على ما تبقى من العدل والحريات.                                    إن المؤسف والأمر هو أن تتوارى الحكومة كهيئة عليا وسلطة تنفيذية عن الأنظار. عوض أن يدعو رئيسها عبد الإله بنكيران إلى اجتماع لمجلس الحكومة طارئ من أجل مناقشة فضيحة الاعتداء الهمجي. الذي أحال العشرات من الأساتذة المتدربين ذكورا وإناثا إلى المستعجلات والعناية المركزة. وأن تشكل لجنة من أجل معرفة الحقائق ومعاقبة المتجاوزين. وعوض ذلك، يخرج بعض وزراءها لينددوا أو يحتجوا أو يبرروا ما وقع. كما أنه من المؤسف ألا يخرج النواب البرلمانيين بالغرفة الأولى وزملائهم المستشارين بالغرفة الثانية، بلجنتين للتحقيق. خصوصا أن مثل هذه القضايا تدخل ضمن اختصاصاتهم ومهامهم في مراقبة عمل الحكومة. وأن نسمع أن الأغلبية والمعارضة في البرلمان تندد.. وكأن المعتدون على الأساتذة فريق نزل من السماء أو تسلل إلى المغرب عبر الحدود.  ليس هذا فقط. بل إن معظم قادة ورواد الحزب  الحاكم (العدالة والتنمية)، غاضبون. فهذه شبيبة العدالة والتنمية تصدر بيانا استنكاري، وهذا مستشار إسلامي بإحدى الجماعات يتبرأ من رئيس الحكومة وحزبه العدالة والتنمية، وذاك فريق العدالة والتنمية بمجلس المستشارين يطالب وزير الداخلية محمد حصاد، بتوضيح حول ما وصفوه بالاستعمال المفرط للعنف ضد متظاهرين. وبمعاقبة المعتدين على الأساتذة المتدربين، وبضرورة ضمان عدم تكرار تلك الممارسات. وهذا مصطفى الخلفي وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، يبرئ الحكومة من مسؤولية تعنيف الأساتذة المتدربين ويعتبرها تجاوزات أمنية. وتصح عليه عبارات الزمن الجميل (أنا في الصف… أنا في الخلف ي … أنا يمناك … أنا يسراك… سارع سارع أنت البارع). فهو الحزب الحاكم وهو الذي لا يحكم، وهو المترنح بين الإسلامي والمحافظ والأرنبات وداكشي… وذاك زميله في الأغلبية والحكومة، نبيل بنعبد الله، يقول كلاما غامضا ليبقى في الوسط، يعتبر أن حق التظاهر مكفول وأن التعامل السلمي (خاصو يكون)، ولكن يرى أن حق التظاهر يجب أن لا يعرقل عمل أي أحد. وأنه (يجب احترام الضوابط التي نبنيها). ونسي صاحبنا  أن هؤلاء المعنفون هم الأمل والرجاء في أن يعلموا ويكونوا أجيالا مبدئها احترام الضوابط، لكن ليست تلك الضوابط التي تبنيها الحكومة بعشوائية وبدون ترخيص من طرف الكفاءات والفعاليات المغربية. وليست تلك الضوابط التي تبنيها الحكومة بالاستثناء، إرضاء لنزوات بعض أعضاءها على حساب المغاربة الطيبين والشرفاء…

 

 

هؤلاء الذين لم تعد تحق عليهم الأبيات الشعرية لأمير الشعراء أحمد شوقي … والتي نسجتها الحكومة في صيغة جديدة:  قم للمعلم وفِّه التبهديلا…. كاد المعلم أن يموت مقتولا…   

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: المحتوى محمي !!