الرئيسية / ميساج / كرة القدم .. العشق الجارح

كرة القدم .. العشق الجارح

وباء أو بلاء ذاك الذي أصاب بعض من يدعون عشقهم لكرة القدم. حولوا اللاعب رقم 12، من (جوكير) داعم ومحفز لكل اللاعبين ومساهم في الرفع من جودة العطاء الرياضي. إلى مجرد رقم مزعج، مصدر للانحراف والإجرام. ومحبط لآمال وطموحات اللاعبين والأندية الرياضية.  وبات الرأي العام الوطني والدولي يهتم بتغطية وتقييم مباريات التخريب والإجرام التي تخوضها عصابات منتحلة صفة الجماهير، عوض الاهتمام بتفاصيل المباريات الكروية.  قتل وتنكيل وإحراق للسيارات وتخريب للأملاك العمومية والخاصة، وعصابات تعترض الجماهير خارج أسوار المركبات الرياضية،بعد انتهاء المباراة ، أو تفاجأ بعضها البعض، فوق المدرجات. لتعيث إجراما وتخريبا. بل إن فسادها بدأ يمتد إلى الطرقات والشوارع والأزقة. ويضر بكل المغاربة.

عصابات تنتحل صفات جماهير محسوبة على هذا الفصيل أو ذاك، لا تهمها نتائج المباريات، بقدر ما يهمها استعراض عضلاتها، بالتهديد والوعيد والانتقام و.. وعرض غزواتها على منصات التواصل الرقمي.  ففي الوقت الذي سطع فيه نجم الجماهير المغربية عالميا، وبات لبعض الأندية الرياضية، جماهير منظمة، و إلترات تعمل وفق برامج ومناهج أذهلت كل رواد وعشاق الكرة المستديرة. وفي الوقت الذي بدأت مدرجات الملاعب الرياضية تعطي الدروس في الوطنية والتلاحم والتماسك وتدق أبواب الساسة من أجل التصحيح والإنصاف. تبرز بين الفينة والأخرى نماذج بشرية، تسير عكس التيار الآدمي.. لا هي ممارسة لكرة القدم ولا هي ذواقة لإبداعات نجومها. نماذج تستغل تجمعات وقوافل الجماهير  لكل مباراة، من أجل المتاجرة في نفوس وأجساد الأطفال والشباب، ببيعهم المخدرات والأقراص المهلوسة و الأسلحة البيضاء… وتغذيتهم بالتفاهات وكل مظاهر الانحراف، والدفع بهم لارتكاب الجرائم . ليتحول عشق الجماهير لكرة القدم، إلى عشق جارح.. لاذِع ومُؤْلِم.. يكلف الأرواح البشرية. ويتسبب في نزيف الدماء والعاهات المستديمة والدمار.

جماهير الكرة تتحسر على فترات من مجد الكرة المغربية. أو ما ينعته البعض بالزمن الجميل. كان ممتعا برغم ما كان يدار ويطبخ داخل الأندية وبمحيطها. كان جميلا بتواجد مجموعة من الممارسين الوطنيين، الذين كانوا يستمتعون بانتصاراتهم، وتمثيل أنديتهم ووطنهم أحسن تمثيل. رغم هزالة التعويضات والمداخيل المالية. وأجمل  ما كان فيه اللاعب رقم 12. جماهير معشوقة العالم، التي كانت تجمع بين أخلاقيات الفرجة، وسمو الاستمتاع، وطهارة المنافسة الجادة، وكرم الضيافة. كان الزمن جميلا بمن اعتادوا تزيين كراسي المدرجات، الملتزمون بميثاق شرف تشجيع فرقهم، واحترام الفرق المنافسة الضيفة. وإكرام جماهيرها. كان جميلا بصفوف وطوابير من كانوا يقتنون التذاكر ويركبون القطارات والحافلات ومختلف وسائل النقل المتاحة في نظام وانتظام وسعادة مشتركة.                                                                      مضى الزمن الجميل بعد أن انتشرت مظاهر الميوعة والعبث، و أصبحت بارزة على مستوى التدبير الإداري والمالي للأندية والعصب والجامعة الوصية، وعلى مستوى الممارسة والبيع والشراء. وهو ما أحبط الجماهير وصرفها عن المدرجات. وأغضب ممثلي الإعلام الجاد، وبدئوا يغيبون عن متابعة المباريات من أجل التغطية الصحفية. يلجون الملاعب الرياضية من أجل الفرجة والاستماع كأي عاشق ولهان.  تعددت الأسباب واختلفت بين رداءة العطاء الرياضي، والتلاعبات التي واكبت وتواكب المباريات والتسيير الإداري والمالي للأندية، والسمسرة في اللاعبين والأطر التقنية، وبين الأكاذيب والادعاءات التي يطلقها مجموعة من المدربين ورؤساء الأندية، واللاعبين لوسائل الإعلام. تضاف إليها النظرة السلبية والمفاهيم الخاطئة، التي يكونها مجموعة من اللاعبين والمدربين والمسيرين، على ممثلي المنابر الإعلامية. والتي تتجسد في طرق تعاملهم معهم، باعتماد أساليب قذرة لا تمت للمهنة بصلة. حيث تجد صفحات أو برامج رياضية، تتحدث عن سيرة  ومسيرة  ومميزات لا وجود لها في أرض الواقع. حوارات وبورتريات من وحي خيال بعض الصحافيين لتسويق وتلميع وجوه رياضيين ومؤطرين ومسيرين، وفرض الاهتمام بهم.

فقد فرضت كرة القدم حبها على معظم الشعوب، كما فرضت هيمنتها على باقي أنواع الرياضات. فرضت إحداث جامعات واتحادات وعصب و …  كما فرضت إحداث جرائد  وإذاعات وقنوات تلفزيونية وطنية وعالمية خاصة بالرياضة.                                   مكنت من نهضة شعوب وتقوية اقتصاد عدة دول.. وفتحت الطرق والمسالك للغناء الفاحش لنجومها. وجعلت بعضهم يوظفون أموالهم في أعمال خيرية ودعم فقراء بلدانهم. ومكنت آخرين من تسلق مناصب المسؤولية  والتموقع بقمة عدة أهرامات بما فيها قمة هرم التدبير السياسي .. وحولت آخرين إلى سفراء للسلام والدفاع عن مطالب شعوبهم.. لكن وبت للأسف فقد ضل شعارها بالمغرب وفيا للتخريب والإجرام والإحباط و… وكأن هناك من قرروا ركوب موجة كرة القدم من أجل ضرب المغرب في شبابه و زعزة أمنه واستقراره.

ألم يحن الوقت لإعادة النظر، في ما يجري ويدور بفلك رياضة كرة القدم. تلك الرياضة التي أغنت شعوبا مالا وحبا، وأمنت استقرار دول ؟.

ألا تستحق جماهير كرة القدم المغربية، أن تشد رحالها إلى الملاعب الرياضية في أمن وأمان. وأن تتابع مباريات أنديتها وتبسط برنامجها بحرية ومتعة. وأن تعود سالمة غانمة  (بغض النظر عن النتائج) إلى منازلها ؟ .

ألم ندرك بعد أن كرة القدم ليست (لعبة)، لنترك تدبيرها لمن هب ودب. وأنها الرياضة الأولى في العالم. التي لا تكتفي بإسعاد عشاقها وممارسيها، ولكنها تكسب المال والجاه والسلطة ؟.

ألم يحن الوقت لإعادة النظر في كيفية تشكيل المكاتب المسيرة للأندية، وطرق الانخراط التي تتم بانتقائية وولائية وسياسية. وأن تخضع باستمرار  للمراقبة المالية والإدارية ؟.

بفحص بسيط داخل مكاتب الأندية الرياضية بالمغرب. نجد أن معظم تلك الأندية يقودها رواد أحزاب سياسية. فمتى يترك السياسي المجال الرياضي وللكفاءات والخبرات. ؟. ومتى يتم فرض شرط (عدم الانتماء السياسي) لشغل مهام داخل المكاتب المسيرة للأندية للرياضية؟.

ومتى تتمتع بعض الأندية باستقلاليتها في التسيير والتدبير، بعيدا عن ابتزازات واستفزازات المنتخبين الداعمين وغيرهم؟..  ألم يحن الوقت لتغيير اسم نادي الجيش الملكي، وإبعاده عن القوات المسلحة الملكية التي هي قوة الشعب كله ، وليس جزء منه؟. ألم يحن الوقت لتقنين إدارة نادي شباب المسيرة. بتحويله إلى ناد عادي، يدبر أموره كباقي الأندية المغربية. بعيدا عن القوات المساعدة وقادتها، وعن كل ما هو ابتزاز سياسي ؟.

للأسف لم تعد مباريات كرة القدم الوطنية تطرب جمهورها الذي فضل معظمه الاحتجاب عن الملاعب الرياضية وفسح المجال للأطفال والمنحرفين الذين حملوا قميص اللاعب رقم 12. وعبثوا به داخل وخارج الملاعب الرياضية. لاعب جديد مشحون بالعنف والشغب لم يكتمل بعد نموه العقلي والنفسي. الشغب قائم كلما كان الحضور الجماهيري غفير، والمشاغبون أدخلوه ضمن طقوسهم الخاصة ولم يعد مرتبطا بفوز أو خسارة… بعض الجماهير العاشقة لكرة القدم باتت تتابع مباريات الأندية الوطنية عبر المذياع والتلفزيون والانترنيت، وأقسمت على عدم ولوج الملاعب الرياضية، لما يرونه من سلوكيات غير مسؤولة، وما يسمعونه من ألفاظ نابية وما يتعرضون إليه من عنف، أبطاله أطفال أصبحوا يشكلون جمهورا خليعا.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *