الرئيسية / كتاب البديل / مكانة المدرس بين الامس واليوم

مكانة المدرس بين الامس واليوم

يعتبر التعليم أساس تقدم كل بلد فهو قاطرة التنمية للمجتمعات ,فلا يمكن الحديث عن تطور مجتمع دون ان يكون مستوى التعليم فيه جيدا , فالمدرسة بمثابة مصنع الموارد البشرية التي يعتمد عليها في كل تطور .والمدرس هو قائد قاطرة التعليم وبالتالي قائد التنمية . ولا عجب عندما نجد أن أول ما نزل من القرآن هو (اقرأ باسم ربك )، وليس (لا إله إلا الله) ، وقد أنتج التعليم المغربي والمدرسة المغربية القديمة منها والحديثة العديد من العلماء في كل المجالات ،غير أن هذا القطاع الحيوي دخل في دوامة من المشاكل منذ إضرابات الثمانينات التي تزعمها قطاع التعليم و اقحم في مسلسل من العبث الذي نأمل ان ينتهي والذي ازدادت عبثيته بصدور الميثاق الوطني للتربية والتعليم مرورا بالمخطط الاستعجالي واستراتيجية 2015/2030 وما بينهما ، وانتهاء باعتبار الصباغة هي الدواء الشافي للمعضلة ، هذه الازمة المقصودة جعلت المسؤولين يوهمون فئة عريضة من الشعب يلقون باللوم على المدرس وتعتبره السبب في ما يتخبط منه التعليم من مشاكل , فاهتزت بذلك مكانة المدرس وتدهورت عما كانت عليه في السبعينات وما بعد الاستقلال ، بعد أن أصبح الآن مادة دسمة للتنكيت وتزجية الوقت واعتباره السبب المباشر في كال مشاكل التعليم

وسأحاول الوقوف على هذه الحالة التي وصل دور هذا المدرس وعلاقته بالأطراف التي يعمل معها من مدير ومفتش ثم مع التلميذ والأسرة كأطراف مشاركة في العمل التربوي بجانب المدرس , إن التعليمية التعلمية عملية متشعبة ومعقدة في نفس الوقت .وبالتالي فمهمة المدرس (قائد العملية التعليمية التعلمية )مهمة جد صعبة ، لأنه أمام إنسان – وليس أمام آلة – وبالتالي عليه للنجاح في مهمته ان يتقمص عدة شخصيات في الفصل ، بحيث يلعب دور كل من : – المربي والمعلم والقائد والأب والأخ والصديق والمنشط والقاضي والفاكهي , والرسام والخطاط ..-, وقد يؤدي دور الأم أحيانا خاصة في المستويات الصغرى ., هنا يتضح أن أي إصلاح للتعليم لا يمكن أن يتم دون النظر إلى هذا القائد الذي هو كل شيء في حقيقة الأمر بالنسبة للتعليم ، فلا إصلاح للتعليم بدون إصلاح وضعية المدرس التي نجدها اليوم – للأسف الشديد – تسير من سيء إلى أسوء , فهو فقط "معلم" ورجل البيض والطماطم والساعات الاضافية ويجري فقط وراء المال ، وعقله كعقل الأطفال وأصبح ينعت بكل النعوت السلبية

.ونحن نعلم أن الأمر مقصود من لدن المسئولين الذين يدرسون أبناءهم في المدارس الأجنبية ، بحيث يعاقبون المدرسين على ما يقومون به من نشر الوعي ومحاربة الجهل وفضح الفساد والمفسدين مما يشكل خطرا على الناهبين لخيرات الوطن ، وقد نجح النظام في بلوغ هدفه ونزع المصداقية من المدرس وخلق منه عدوا للمجتمع الذي من المفروض أن يصلحه ويساهم في تحقيق تنميته . وفي هذا الصدد لابد من الإشارة إلى أن الإضراب القطاعي الذي دعت إليه النقابة الوطنية للتعليم عام 1979 قد هز الطبقة السياسية بالمغرب وشغل الرأي العام، وقد تم اعتقال مئات من المعلمين والأساتذة المضربين كما تم فُصل عدد منهم عن وظائفهم وشردت عائلاتهم ، وفي انتفاضة الدار البيضاء 20 يونيو 1981 وانتفاضة مراكش ومدن الشمال عام 1984 تم اعتقال عدد كبير من رجال التعليم الذين حمّلهم الملك الراحل مسؤولية اندلاع الانتفاضة في خطاب ألقاه بالمناسبة. إن قراءة بسيطة لهذه المعطيات، تفضي إلى القول بأن المعلمين شكلوا دوما مصدر قلق أمني للطبقة الحاكمة بانتظامهم في الحركات النضالية والاحتجاجية التي عرفها الشعب المغربي و بتأطيرهم الإيديولوجي للشبيبة المدرسية وهو ما جعل الدولة تلجأ إلى انتهاج سياسة معادية لهذه الشريحة، فسخرت أجهزتها لصنع رأي عام يحتقر ، هذا إضافة إلى سيل النكت التي تتندَّر بفقره وبخله وهي النكت التي يُجهل مصدرها علما أن شرائح اجتماعية أخرى تعيش وضعا ماديا مزريا أكثر من المعلم دون أن يتحدث عنها أحد. لقد كان المدرس قبل التسعينات معلما ومرشدا وموجها ليس للتلاميذ فحسب بل للمجتمع كله , فمهمته حسب ما أشار إليه الدكتور محمد عابد الجابري ," ليست تعليم الصبيان فحسب بل أن مهمته أوسع من ذلك وأعمق , حيث أنه الأداة التي لا يمكن ان يتحقق التغير بدون مساهمتها الفعالة والمتواصلة ".وبالتالي كان دور المدرس هو قيادة المجتمع نحو الحضارة والتقدم .أما في الوقت الراهن وبعد عقد الثمانينات – للاسباب المشار اليها في الفقرة السابقة – فقد تراجعت نظرة المجتمع اتجاه المدرس ، فهو اقل مكانة من الشيخ والمقدم والدركي والحارس في الجماعة …..هذا في الوقت الذي نسى فيه المواطن بان الدركي والشرطي , الممرض , المهندس , القائد والوزير وكل الموظفين قد كانوا تلاميذ عند المدرس وقد مروا بيده ولولاه لما كانوا في تلك المكانة . والأغرب أن البعض يحاول أن يحمل المعلم مسؤولية تغيير مكانته داخل المجتمع من خلال سلوكات ومواقف يقوم بها ،والتي تعتبر في الواقع نتائج لهذا التغيير لا سببا له . فامتهان المعلم لمهن أخرى او ممارسته للتجارة ، او إعطاؤه دروس الدعم بالمقابل ، او جلوسه في المقهى وغيرها مما يعتبره البعض مسؤولية تغيير مكانته في المجتمع. فالمعلم ما لجأ إلى المهن الأخرى والتجارة ،والساعات الإضافية …إلخ إلا بعد أن صارت تكاليف الحياة باهظة ، ويئس من أن توفر له أجرة التعليم الحياة الكريمة وبالتالي فممارسته لهذه المهن هي نتيجة وليست سببا كما يعتقد البعض .

وسنعود قريبا لسرد العقبات التي تقف في طريق المعلم والمتعلم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *