الرئيسية / اقلام حرة / مهن على باب الله مع الأستاذ الباحث خالد احديدو : الكارديان

مهن على باب الله مع الأستاذ الباحث خالد احديدو : الكارديان

ركبت سيارتي مباشرة بعد صلاة التراويح، و أنا أهم بالخروج من المركن  إذا بي أسمع صوتا خافتا يقول …زيد زيد زيد… توقف تفكيري للحظة بعد أن أبصرت من جهات المرآة، فلم أرى أي شيء سوى الظلام الذي يحف المكان. بدأت أشك في قدراتي السمعية  ربما كان طنين ما سمعت من هذه القراءة  الجميلة و الرائعة لإمام مسجدنا الشاب … لا زلت اسمع ذلك الصوت… سأقطع الشك باليقين و أترجل من سيارتي. ذلك ما فعلت،و إذا بي أرى طفلا لا يتجاوز طوله 80 سنتمتر لابسا سترة مضيئة أو بالأحرى تلبسه سترة تغطي جسمه متجاوزة ركبتيه. أما العصا التي يحمل فوزنها يؤرجح  جسمه النحيل معها يمينا و شمالا سألته من أنت قال بثقة و ثبات أنا… الكارديان  .

نعم وجدت هذه المهنة مكانها و موطئ قدم لها بين المهن السهلة  في هذا الوطن. فهي لا تحتاج إلا لسترة عاكسة للضوء تقدمها مجانا الشركات و المحلات الخدماتية و التجارية لهدف استشهاري. و ربما إلى عصا و صفارة.هذه هي المستلزمات الأساسية بالإضافة إلى كثير من "الجبهة و الفياقة" على حد قول مجموعة من الكارديانات المنسباتيين الذين يؤثتون شارعنا  بمناسبة السوق الأسبوعي أو بتزامن مع الصلوات الخمس أو بمناسبة كل موسم من مواسم النشاط التي لا تتوقف على طول الحول .

أما الكارديانات القارين أو الرسميين فيتوزعون نهارا على مواقف السيارات القريبة من المصالح الإدارية و المستشفيات و التجمعات التجارية وهم من الجنسين بعضهم يدفع نظير استغلالهم لتلك المواقف و بشكل رسمي من خلال صفقات الكراء العمومية أو الخصوصية و بعضهم يستفيد من التفويتات المؤقتة أو الدائمة من خلال  المقاربة الإجتماعية التي كانت أساسا لظهور هذه المهنة في سنوات التسعينات حيث اقترن الترخيص بالمزاولة  في البداية بالحالة الصحية  التي غالبا ما كانت تتسم بالإعاقة الجسدية … و أصبحت اليوم مقاربة نفعية من خلال اقترانها بالسلطة  سواء كانت تلك السلطة مجلسا ترابيا أو إدارة حكومية بل أن التفويت أصبح مرادفا لزبونية سياسية في المواسم والمناسبات.

و إن ارتبطت المهنة لعقدين من الزمن بالحالة الصحية الخاصة لممتهنيها  فإنها بالنقيض من ذلك  تعرف اليوم تنوعا  سواء من حيث الجنس باعتبار دخول الجنس الناعم لها من بابها الواسع حيث ساهمت المهنة في التخفيف من الآثار السلبية لأسر فقدت معيلها  لتضطر الأرملة قصرا لا اختيارا  لمواجهة إرهاصات الحياة  من نافذة مواجهة أصحاب "الحديد " الذين لا يتسمون دائما بتقدير تضحية من يقفن أمامهم .أما من  ناحية التنوع داخل الجنس الواحد خاصة الذكري فبغض النظر عن العمر الذي يبتدئ ب6 سنوات و ينتهي عند أرذل العمر فإن اختلاف الوجوه  التي تطل عليك كلما هممت بالخروج  بسيارتك من موقف ما, تجعلك حائرا إمام إيجاد إطار جامع لكل هذه "الفيكورات" و التي تتدحرج بين الآداب و التسامح و حسن اللفظ من خلال وجوه طيبة تقرؤك السلام و تشبعك من دعوات الخير ما تستحيي أن ترد يدها فارغة و لو استدعى ذلك الرجوع مرة أخرى. و بين وجوه مخططة بالسكاكين  ترفع دقات قلبك كلما دقت عليك نافذة سيارتك…الباركينك آ لخوادري … فتحس كأنك تتعرض لمحاولة سرقة أكثر منها طلبا "لرسوم البركينك".

وإن كان البعض يسترزق من هذه المهنة من أجل قوته اليومي فإن الظاهرة عرفت انحرافا خطيرا بعد أن امتهنها شباب  يبحثون عن المال السريع بأي طريقة أكثرهم مدمنون على المخدرات لا يتوانون في تهديد أصحاب السيارات إذا ما امتنعوا عن مدهم بالنقود كما أصبحت المواقف التي يتواجدون بها  مكانا للفوضى و المشاحنات ..ورغم أن المجالس الترابية فوتت مواقف السيارات في كبريات المدن لشركات الدفع المسبق إلا أن إخواننا الحراس وجدوا أكثر من وسيلة لأخذ حقهم بطريقتهم…..

و من جانب أخر يقوم الحراس الليليين بمهمة صعبة يستحقون عليها التنويه نظرا لمخاطرتهم بحياتهم في سبيل القيام بما يستوجبه عملهم. كما أن مساهمتهم في حفظ الأمن و استباقهم  بمساعدة السلطات الأمنية لمجموعة من الجرائم يجعل واجب المواطنة حاضرا لديهم. رغم أن المجرمين و خاصة ممتهني السرقة قد  طوروا من أساليبهم و فضلوا "الحيلة على العار" فكم من حارس ليلي و جد الدكاكين المكلف بحمايتها قد  "كشطت" و السيارات التي يحرسها قد  وصلت إلى مدينة آكادير أو طنجة و هو نائم بعد أن ناوله  "أولاد الحرام" مشروبا منوما أو (كاسكروط صوصيط) به منوم أو مخدر …و تلكم أخطار المهنة.

و لا زال الحراس الليليون ينتظرون تقنين قطاعهم، ومكانهم ضمن فئات المجتمع المدني بعد  أن كونوا جمعيات لهم في مجموعة من المدن ينتظر بعضها التوصل بالإيصالات النهائية  من أجل المساهمة في الرفع من مستوى الملتحقين بهذه المهنة و تنظيمها تنظيما يخرجها من الفوضى التي تعيش فيه و في انتظار أن يتذكرهم  أيضا المشرع بقانون يؤطر مهنتهم و يحميهم من مخاطرها و يجيب عن حاجياتهم الإجتماعية و الصحية… في انتظار كل ذلك لا تنسى أخذ  (20 درهم مصرفة ) يوميا فإن بكل توقف و غرض تقضيه  أو صلاة تصليها هناك كارديان في انتظارك " أما إن جاءك الحارس الليلي يطلب واجبه الشهري فلا تقل لأبنائك أن يجيبوه أن أباهم ليس موجودا فهو يعرف برنامجك ربما أكثر منك و تذكر فقط أن سهر الليالي لا يمحوه نوم النهار… أما إن جاءك طفل يطلب ثمن (البركينك) فاشرح له أن ما يقوم به هو تسول مقنن و أن هناك من هو مسؤول عن حاجياته حتى يحتلم. أما إن صادفت من جسمه في الأرض و عقله يسبح في الخيال فأنت و إيمانك و على الله ما يديرهاش بك "الديمارور"  .

و إلى مهنة جديدة قريبا….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *