الرئيسية / ميساج / هذا عيد أضحى .. وذاك عيد أمسى ..

هذا عيد أضحى .. وذاك عيد أمسى ..

لم يعد لعيد الأضحى المكانة الدينية والأهداف الربانية التي سن من أجلها. ولم تعد الأسر المسلمة مهتمة بطقوس الاحتفاء بهذا العيد الديني، وفق ما تتضمنه الشريعة الإسلامية من تكافل وتضامن اجتماعي وإنساني، وما يتوجب عليها من تربية وتخليق لأطفالها، وترسيخ للنموذج الإبراهيمي في كيفية الخضوع والخنوع لخالق الكون، والامتثال الكامل لفرائضه وسنن رسوله الكريم محمد (ص)… هذا عيد أضحى.. وبات وأصبح..  وبعدها أمسى.. فما برح.. لكن ككل سنة هجرة .. صار وضل عيدا مع وقف التنفيذ ، بسبب ما شابه من نواقص.. من جراء تل الأفعال الناقصة،  لن يكتمل بدون طقوسه الكاملة قلبا وقالبا..وأمست طقوسه وشعائره في خبر كان…   

 النبي والرسول الكريم سيدنا ابراهيم، رزقه الله في شيخوخته  طفلا عاش يترجاه.. وعاد الإله ليطلب منه ذبح ابنه في شبابه.. وقبل أن يتأهب لذبح ابنه النبي مولاي إسماعيل.. فاجأه رب الكون وكافأه بكبش بديل لأضحيته البشرية.. بعدما تأكد من صدق طاعته وإيمانه بوحدانية الله… هكذا أصبحت الأضحية سنّة للمسلمين كافة، يؤدونها أيام الحج، يوم العاشر من ذي الحجة من كل سنة هجرية.

سنّة كان من الواجب أن تكون مناسبة سنوية لدعم الفقراء، ومشاركتهم طقوس العيد، وكان من الواجب أن نستمد منها قوة التصدي للتفاهات ومتاع الدنيا، والتنافس في التقرب لخالق الدنيا، وكسب رضاه… عوض أن تكون بدعة، حيث التنافس في استعراض أغلى الأضاحي، إرضاءا للأطفال والزوجات وترسيخ مفاهيم مغلوطة لدى الناشئة. وحيث تعمد الأسر إلى تخزين لحوم الأضاحي، أو تجفيفها (القديد).. عوض توزيعها على المحتاجين ممن وجدوا صعوبة في شراء أضاحي. 

هو إذن عيد ليس لكل الناس.. هو عيد لأسماء بعينها فقط.. عيد ل (لكبير.. ومبارك .. وسعيد ..)..هؤلاء الميسورين الذين بإمكانكم تدبير أموال الأضاحي بدون عناء..  لكنه عيد مع وقف التنفيذ لمجموعة كبيرة من الفقراء ومتوسطي الدخل.. بسبب عدم قدرتهم على شراء الأضاحي.. منهم من ينتظر مبادرة إنسانية، ومنهم من أرغم على سلك طرق القروض والسلف.. ومنهم من أفرغ منزله الصغير من بعض الأثاث أو التجهيزات من أجل بيعها، وتوفير مبالغ مالية لشراء الأضاحي.. هؤلاء الذين يتصنعون الفرحة أمام أطفالهم، بينما قلوبهم تنزف دموعا ودما.. نزيف قد يطول لأيام وشهور ..

هو إذن عيد (اللحوم) و(الشحوم) و(الجلود).. حيث التنافس على تنوع الوجبات الغذائية، إلى درجة التخمة.. وحيث التبذير اليومي للحوم من طرف الأطفال والزوجات، في الوقت الذي تبادر فيه مجموعة أسر فقيرة إلى بيع لحوم أضاحيها في اليوم الموالي للعيد. بعدما اشترت تلك الأضاحي من أجل العمل بالسنّة كسائر المسلمين.

يحل عيد الأضحى كل سنة وسط الأجواء المتعارف عليها داخل كل منطقة، وفق طقوس وعادات، تلاشت معالمها من جيل لآخر، وأخرى جرى إبداعها لتجديد التراث وتلقيح جذوره. فالعائلات أفرغت برامجها الاحتفالية باليوم السعيد من كل ما هو ثقافي تراثي ديني، وحملت شعار التنافس على شراء أسمن وأبهى أضحية، وتكريس أسلوب المساومة على ( شكون أحسن من الآخر)، باعتماد سعر الأضحية وندرتها، وإغفال جموع الأسر الفقيرة التي يقتاد فيها الأبناء أمهاتهم أو آبائهم للتفرج على ذو القرنين الطويلين والصوف البيضاء الناصعة الذي يصعب اقتناءه، والذي أسال لعاب الأبناء غير ما مرة ، وأدمعت له العيون الفقيرة، ويستمر البحث عن ما قل سعره  ليعودوا  آخر النهار من السوق أو من   بأضحية مرفوضة من لدن الأبناء وأولياء أمورهم. 

 فيوم الوقوف بعرفة الذي يأتي قبل العيد… حيث كانت تلتقي معظم الفتيات المغربيات في الصباح الباكر، يلبسن أحلى ما لديهن من (دفاين وتكاشط وشرابل ومضام وقفاطن…)، يحملن طبق مصنوع من الحصير (طبك) به قطعة سكر وأوراق النعناع، ويبدأن رحلة البحث عبر الخيام والمنازل المجاورة عن  مصروف وليمة اعتادوا الالتفاف حولها مساء كل يوم عرفة، والاستمتاع بالغناء القروي الشعبي بواسطة عتاد فني بدائي(طعارج وبنادر وصواني و…)، كانت الفتيات تكون مجموعات متفرقة وتستعين بالأغاني القديمة الخاصة بالمناسبة(عرفة عرفة مباركة… مايمونة مايمونة…). وينتظر الذكور من أطفال وكبار ليلة يوم العيد، ليخرجوا بدورهم في مجموعات متنكرين بأقنعة أو كما يسمى ب(السبع أبو البطاين)،  لإخافة أطفال أصحاب الخيام التي يدقون أبوابها، ويطلبون نقودا  ولحوما أو مواد استهلاكية تعينهم على الإعداد لوليمتهم.                                                          وتزداد شهية البحث في طقوس وأعراف العيد، وما تشمله من غرائب وعجائب، منها ما اعتمد فيه على ما روي من أحاديث نبوية، ومنها ما تم توارثته الأسر… وتكفي الإشارة إلى الأساليب المختلفة التي ينهجها البعض من أجل الإعداد لذبح الأضحية، فمنهم من يمد الأضحية بالماء ثم يوضئها الوضوء الأخير لتخرج  روحها طاهرة بعد نحرها. ومنهم من اعتاد على وضع بعض الأعشاب (نبتة الداد…)، أو قطعة سكر تحت رأس الأضحية، ومنهم من يرى أن ذبح الأضحية من قبل رب الأسرة ضروريا فيما يرى آخرون أنه يكفيه وضع يده على السكين والتسمية، ومنهم من يعمد إلى سلخ الأضحية رفقة الزوج والأبناء على اعتبار نشوة العمل الذي لن يتكرر إلا يوما في السنة، فيما يرى آخرون أن عملية السلخ يجب أن تكون من طرف جزارين ملمين بطرق السلخ، وعند استخراج الشحوم من بطن الأضحية، يعمد بعضهم إلى وضعها على ظهر أحد أبنائه لتجف فيما يرى آخرون أن العملية غير نظيفة وأنه يجب أن تعلق الشحوم على حبل. وعند اقتلاع الصفراء(المرارة)، منهم من يلقي بها مع بقايا الأزبال ومنهم من يحتفظ بها لأغراض الشعوذة أو التداوي. ومنهم من يجمع دم الذبيحة ويتركه يجف ليستعمله مستقبلا لشفاء الأطفال  والرضع، من بعض الأمراض (الجعرة… أو كثير البكاء)…  وعند إتمام عملية السلخ يتم تعليق السقيطة (الكزرة أو السكيطة …) لتجف، لتدخل من جديد أعراف وطقوس كل أسرة حول كيفية تناول لحومها وشحومها مشوية أو مقلية أو محمرة أو مبخرة… وإذا كان البعض ولأسباب اعتبرها صحية يحبذ ترك (السكيطة) إلى غاية ثالث يوم العيد، ومن تم البدء في استهلاك لحومها. ومن الأسر من تكتفي خلال ليلة يوم العيد بوجبة من الخبز (بوخمير مبلول بالمرق)  وفوقه لحمة رأس، وتنتظر إلى ظهر يوم الموالي لتتناول وجبة غذاء بالكسكس ولحم الكتف الأيمن. ومنها من تجتمع حول وجبة واحدة من الكسكس ولحم الكتف في نفس اليوم…

خلاصة القول.. ما خطه المتنبي في هذا البيت الشعري:

عيد بأي حال عدت يا عيد…. بما مضى أم بأمر فيك تجديد

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *