نبض الشارعالسينما و التلفزيونبديل الثقافة و الفن

بوجدور تتحول إلى عاصمة للدبلوماسية الإعلامية… ملتقى دولي يجمع إعلاميي إفريقيا والشرق الأوسط لنصرة الوحدة الترابية ومواكبة الحكم الذاتي

النسخة الرابعة تزامناً مع الذكرى الأولى لعيد الوحدة… مشاركة دولية وندوات فكرية وورشات للذكاء الاصطناعي، واتفاقيات لإطلاق أندية سفراء الوحدة الترابية بالمدارس والجامعات، وتكريمات لشخصيات إعلامية بارزة

بقلم : بوشعيب حمراوي 

 

بوجدور تستقبل العالم… والصحراء المغربية تروي قصتها بصوت إعلامييها

على ضفاف الأطلسي، وفي مدينة بوجدور التي أصبحت إحدى واجهات التحول التنموي بالأقاليم الجنوبية للمملكة، تستعد الصحراء المغربية لاحتضان موعد إعلامي وفكري ودبلوماسي يتجاوز حدود اللقاءات المهنية التقليدية، ليضع الإعلام في قلب النقاش حول الوحدة الترابية والحكم الذاتي والتنمية والاستقرار، ويمنح الكلمة لصحفيين وباحثين ومثقفين وخبراء قادمين من بلدان إفريقية وعربية وأوروبية.
فخلال أيام 30 و31 أكتوبر وفاتح نونبر 2026، تحتضن بوجدور النسخة الرابعة للملتقى الدولي لإعلاميي إفريقيا والشرق الأوسط، تحت شعار: «الإعلام في مواكبة الحكم الذاتي… تعزيز للاستقرار والتنمية»، بتنظيم من نادي الصحراء للصحافة والتواصل، بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبتعاون مع عمالة إقليم بوجدور والجماعات الترابية وعدد من المؤسسات والشركاء.
وتكتسي هذه الدورة رمزية وطنية خاصة، لتزامنها مع الذكرى الأولى للاحتفال بعيد الوحدة، الموافق لـ31 أكتوبر، في سياق تتزايد فيه أهمية الترافع الإعلامي والدبلوماسي بشأن قضية الصحراء المغربية، وتتقدم فيه مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها محوراً أساسياً للنقاش السياسي والدبلوماسي حول مستقبل النزاع الإقليمي.

من العيون إلى بوجدور… ملتقى يعزز حضوره الدولي

لا يأتي اختيار مدينة بوجدور لاحتضان هذه الدورة اعتباطاً، بل يعكس توجهاً نحو توسيع إشعاع التظاهرات الإعلامية والثقافية بالأقاليم الجنوبية، وتمكين مدن الصحراء المغربية من استضافة لقاءات ذات امتداد قاري ودولي.
ويُرتقب أن يعرف الملتقى مشاركة نحو 50 صحفياً وباحثاً وفاعلاً إعلامياً ومهتماً، مع تمثيلية معلنة لبلدان من بينها المغرب وموريتانيا وتركيا وفرنسا وإسبانيا ومصر والعراق واليمن والسنغال وكوت ديفوار والكونغو والغابون وجزر القمر والأردن والبحرين.
ويسعى المنظمون إلى تحويل هذا التنوع الجغرافي والثقافي إلى فرصة للتواصل المباشر، وتبادل الخبرات، وبناء جسور التعاون المهني، بما يسمح بالتعريف بالتحولات التي تشهدها الصحراء المغربية بعيداً عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
فالصحراء، بما تزخر به من مؤهلات بشرية وطبيعية واقتصادية وثقافية، لم تعد مجرد عنوان لنقاش دبلوماسي، بل أصبحت فضاءً لمشاريع التنمية والاستثمار والبحث العلمي والإبداع الثقافي والإعلامي، ومجالاً مفتوحاً أمام المبادرات والتعاون الإفريقي والدولي.

الإعلام والحكم الذاتي… مسؤولية الخبر والتحليل والترافع
تضع الدورة الرابعة قضية العلاقة بين الإعلام ومشروع الحكم الذاتي في صدارة أشغالها، انطلاقاً من قناعة بأن التحولات الدبلوماسية الكبرى تحتاج إلى مواكبة إعلامية مهنية قادرة على التفسير والتحليل والتوثيق، وليس الاكتفاء بنقل التصريحات والبلاغات.

ومن المنتظر أن يشهد يوم السبت 31 أكتوبر سلسلة من المداخلات الفكرية والإعلامية، تنطلق بعرض افتتاحي للوزير والدبلوماسي السابق سعد العلمي حول الرؤية الملكية للاحتفاء بعيد الوحدة.

كما يقدم الكاتب والإعلامي طلحة جبريل مداخلة حول مساهمة الإعلام العربي والدولي في مواكبة مخطط الحكم الذاتي، فيما يتناول الصحفي التركي حمزة تاكين العمق التاريخي والتكامل الجيوسياسي بين المغرب وتركيا.
ويشارك الإعلامي والباحث عبد العزيز كوكاس بمداخلة حول إعادة تأسيس الوظيفة الوطنية والديمقراطية للإعلام في مرحلة الحكم الذاتي، بينما يناقش الإعلامي وليد كبير دور الإعلام والدعاية السياسية في تطورات قضية الصحراء المغربية، على ضوء القرار الأممي 2797.

ويتناول الحقوقي حمادة لبيهي العلاقة بين الإعلام وقضية الصحراء، مستحضراً تجربته ومعرفته بأوضاع مخيمات تندوف.
وتشكل هذه المداخلات مناسبة لمناقشة مسؤولية الإعلام في تقديم المعطيات التاريخية والقانونية والسياسية للرأي العام، والتصدي للأخبار الزائفة، وترسيخ الترافع المبني على المعرفة والحجة والمصداقية.

 

الدبلوماسية الإعلامية… حين يصبح القلم جسراً بين الدول والشعوب

يولي الملتقى أهمية خاصة للدبلوماسية الإعلامية باعتبارها إحدى الواجهات الفاعلة للدبلوماسية الموازية، التي تتكامل فيها أدوار الصحفيين والمثقفين والباحثين والجامعيين وفعاليات المجتمع المدني مع جهود المؤسسات الرسمية.
فالدفاع عن المصالح الوطنية لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل يحتاج إلى المعرفة الدقيقة، والقدرة على مخاطبة الآخر بلغته، وفهم خلفيات مواقفه، والانفتاح على النقاش المهني المسؤول.

وفي هذا السياق، يرتقب أن يقدم الإعلامي والكاتب بوشعيب حمراوي مداخلة حول «الإعلام ودوره في التنمية وتعزيز الاستقرار»، فيما يناقش الإعلامي والباحث ماء العينين ماء العينين دور الإعلام في خدمة التنمية بالأقاليم الجنوبية.

كما تشمل الجلسات مداخلات حول دور مغاربة العالم في تعزيز التقارب والاستثمار، والتكوين الأكاديمي للنخب، وتأثير الصحافة في تشكيل الرأي العام، إلى جانب موضوع الحكم الذاتي في ضوء الشريعة الإسلامية.

من الدبلوماسية الإعلامية إلى الدبلوماسيتين التلاميذية والطلابية

لعل أبرز ما يميز هذه النسخة هو انتقالها من التفكير في الأدوار الحالية للإعلام إلى الاستثمار في إعداد أجيال المستقبل، من خلال مبادرة تربوية تروم تأسيس «أندية سفراء الوحدة الترابية» داخل المؤسسات التعليمية والفضاءات الجامعية.
ويُرتقب، بهذه المناسبة، توقيع اتفاقية شراكة تجمع نادي الصحراء للصحافة والتواصل وجمعية المركز الدولي البديل للصحافة والإعلام والأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين والمدرسة العليا للتكنولوجيا التابعة لجامعة ابن زهر.
وتهدف هذه المبادرة إلى تأسيس فضاءات دائمة للتأطير والتكوين، تُمكّن التلاميذ والطلبة من اكتساب المعارف التاريخية والجغرافية والقانونية المتعلقة بالمغرب ووحدته الترابية، إلى جانب مهارات التواصل والحوار والمناظرة والبحث والتوثيق والترافع.

فالدبلوماسية التلاميذية والطلابية ليستا مجرد تسميتين جديدتين، وإنما تصور تربوي يرمي إلى تحويل المدرسة والجامعة إلى مشتلين لإعداد كفاءات قادرة مستقبلاً على المساهمة في الدبلوماسية الموازية، وربما الالتحاق بمؤسسات الدبلوماسية الرسمية.

إنها مبادرة تراهن على الإنسان المغربي باعتباره الثروة الحقيقية للوطن، وعلى المعرفة باعتبارها أقوى وسائل الإقناع والدفاع عن القضايا الوطنية.

الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني… الإعلام يدخل معركة المستقبل

لا يغفل البرنامج التحولات التكنولوجية التي تعيد تشكيل المشهد الإعلامي العالمي.
فابتداءً من يوم الجمعة 30 أكتوبر، تنظم ورشات تكوينية حول الذكاء الاصطناعي ودوره في تطوير العمل الإعلامي والتحولات الرقمية وتحسين الأرشفة والتوثيق وجودة الإدارة.
ويؤطر هذه الورشات خبراء متخصصون، من بينهم الدكتور خالد الفايق، رئيس القطب التكنولوجي بقناة العيون، والدكتور الحسن أدوكليد، والدكتور محمد اشتشي، الذي يتناول قضايا الأمن السيبراني وحماية المحتوى والمعطيات وأمن المعلومات.

وتستهدف هذه الأنشطة فئات من الصحفيين والطلبة والمهتمين بالتكنولوجيا والتكوين المهني، بما يفتح آفاقاً لتعزيز الكفاءات الرقمية المحلية.
كما يتضمن الملتقى عرضاً حول حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في المجال الإعلامي، تقدمه الدكتورة دلال المحمدي العلوي، في ظل التحديات التي تفرضها المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي على الملكية الفكرية والإنتاج الإعلامي والإبداعي.

اتفاقيات إعلامية… من بوجدور والعيون إلى تولوز

ينتظر أن تشهد الدورة توقيع شراكات مهنية تجمع نادي الصحراء للصحافة والتواصل بنادي بوجدور للصحافة والإعلام، ومعهد الصحافة المتخصص في السمعي البصري بالعيون، إلى جانب جريدتي «أخبار العيون» و«الصحراء المغربية» الصادرتين بمدينة تولوز الفرنسية.
وتستهدف هذه الاتفاقيات توسيع التعاون الإعلامي، وتبادل الخبرات والتجارب، وفتح قنوات للتواصل بين الإعلام الجهوي بالمغرب والكفاءات الإعلامية المغربية بالخارج.
وهي خطوة من شأنها تعزيز حضور الإعلام الجهوي في النقاشات الوطنية والدولية، وإبراز ما تزخر به الأقاليم الجنوبية من طاقات صحفية وإبداعية.
تكريم طلحة جبريل… والكتاب ضيف على الملتقى
ويتضمن البرنامج الموازي فقرات ثقافية وتكريمية، من أبرزها تكريم الإعلامي والكاتب السوداني طلحة جبريل، تقديراً لمساره المهني واهتمامه بالمغرب وقضاياه، وذلك بمناسبة زيارته الأولى لمدينة بوجدور.
كما يرتقب تقديم كتاب «على حافة العالم… رحلة صحفي في دروب العمل الإنساني» للصحفي التركي حمزة تاكين، وهو إصدار يوثق تجارب إنسانية عاشها المؤلف خلال رحلاته إلى مناطق الأزمات والحروب والفقر ومخيمات اللاجئين.
وتؤكد هذه الفقرات أن رسالة الملتقى لا تنحصر في القضايا السياسية والدبلوماسية، بل تمتد إلى الاحتفاء بالثقافة والإنسان والذاكرة والتجارب الإعلامية الملهمة.

بوجدور… التنمية والاستقرار وجهان لمستقبل الصحراء المغربية

تشكل الدورة كذلك مناسبة لتسليط الضوء على المؤهلات التنموية لإقليم بوجدور، والتعريف بالفرص التي تتيحها الأقاليم الجنوبية في مجالات الاستثمار والاقتصاد البحري والسياحة والثقافة والتكوين.
وتندرج هذه الدينامية ضمن مسار تنموي أوسع تحظى فيه الأقاليم الجنوبية بعناية ملكية خاصة، تستهدف تطوير بنياتها التحتية، وتعزيز جاذبيتها الاقتصادية، وتثمين مواردها البشرية والطبيعية.
فقطار التنمية بالصحراء المغربية يواصل مساره، ولا تكتمل قوة هذا المسار إلا بتمكين الإنسان من أدوات المعرفة والتكوين والإبداع والمبادرة.
ومن هنا تتجلى أهمية دعم الإعلام الجهوي والسلطة الرابعة، ليس فقط لنقل أخبار المشاريع والإنجازات، وإنما أيضاً لمواكبة التحولات، وفتح النقاش العمومي، وإبراز التحديات، والمساهمة في بناء تنمية مستدامة ومتوازنة.

بيان بوجدور… نحو شبكة دولية للتعاون الإعلامي

ينتظر أن تختتم أشغال الملتقى بإصدار توصيات و«بيان بوجدور»، مع العمل على بلورة شبكة للتواصل بين الإعلاميين المشاركين، وتشجيع التعاون الإعلامي بين المغرب والدول العربية والإفريقية، ودعم المبادرات الإعلامية المرتبطة بالتنمية والوحدة الوطنية.
ويشكل هذا التوجه محاولة للانتقال من اللقاءات الظرفية إلى بناء علاقات مهنية ومؤسساتية مستدامة، تضمن استمرار التعاون وتبادل المعارف والتجارب بعد انتهاء أيام الملتقى.

من بوجدور… الإعلام يصنع جسور الحاضر والمدرسة والجامعة تعدان سفراء المستقبل

لا تقاس قيمة الملتقيات الدولية بعدد الضيوف أو المداخلات أو الصور التذكارية، بل بما تتركه من أفكار وشراكات ومبادرات قادرة على الاستمرار.
وهذا هو الرهان الأكبر للنسخة الرابعة للملتقى الدولي لإعلاميي إفريقيا والشرق الأوسط.
فإذا كان الإعلام مطالباً اليوم بمواكبة قضية الصحراء المغربية ومشروع الحكم الذاتي والتحولات التنموية، فإن المدرسة والجامعة مطالبتان بإعداد الأجيال التي ستحمل مشعل المعرفة والدبلوماسية والتواصل غداً.

وبين الإعلامي الذي يوثق ويحلل، والباحث الذي ينتج المعرفة، والتلميذ الذي يتعلم فن الحوار، والطالب الذي يتدرب على الترافع، تتشكل ملامح دبلوماسية مغربية متعددة الواجهات، تستمد قوتها من تكامل الأدوار والقدرات.
وهكذا تستعد بوجدور، من 30 أكتوبر إلى فاتح نونبر 2026، لأن تكون أكثر من مدينة تحتضن ملتقى دولياً؛ إنها تستعد لتكون منبراً للحوار والتكوين والترافع، وفضاءً يلتقي فيه صوت الإعلام بعقول الشباب، من أجل خدمة التنمية والاستقرار والوحدة الترابية للمملكة المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى