ميساجالاسرة و الطفل

الحلقة الأولى من سلسلة رمضانية بعنوان ( استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله): رمضان مدرسة تهذيب… لا موسم عبادة

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي تنشر بجريدة العلم

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

الحلقة الأولى
رمضان مدرسة تهذيب… لا موسم عبادة

اعتاد كثيرون أن ينظروا إلى رمضان بوصفه موسمًا عابرًا، زمنًا محدّدًا تُؤدَّى فيه الطقوس، ثم يُطوى مع آخر يوم من الشهر، كأن الصيام وظيفة مؤقتة، وكأن القيم المرتبطة به لا تصلح إلا في هذا الإطار الزمني الضيّق. لكن هذا الفهم، رغم شيوعه، يُفرغ رمضان من جوهره العميق، ويحصره في دائرة الشكل بدل المعنى.

رمضان في حقيقته ليس موسم عبادة فقط، بل مدرسة تهذيب شاملة. مدرسة لا تُعنى بالجسد وحده، بل بالضمير، والسلوك، والعلاقة مع الذات ومع الآخرين. فالصيام، كما أراده المعنى الروحي والإنساني، ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل تمرينًا واعيًا على ضبط النفس، وإعادة ترتيب الأولويات، وبناء إنسان أكثر اتساقًا مع قيمه.

الفرق كبير بين من “يصوم” ومن “يتربّى بالصيام”. الأول ينجح في الامتحان الزمني، والثاني ينجح في الامتحان القيمي. الأول يعدّ الساعات إلى الإفطار، والثاني يعدّ التحوّلات الداخلية التي تحدث فيه. لذلك لم يكن السؤال يومًا: هل صمنا؟ بل: ماذا فعل الصيام فينا؟

رمضان مدرسة لأنه يضع الإنسان أمام نفسه دون وسائط. الجوع هنا ليس غاية، بل أداة كشف. يكشف مدى تحكّمنا في رغباتنا، ويُعرّي هشاشتنا، ويُذكّرنا بأن كثيرًا مما نعدّه “ضروريًا” يمكن الاستغناء عنه. هذا الاكتشاف البسيط هو أول دروس التهذيب: أن الإنسان أقوى مما يظن، إذا امتلك الإرادة.

لكن المدرسة الرمضانية لا تكتمل إن توقّفت عند حدود الجسد. فكم من صائم عن الطعام، مفطر على الغيبة؟ وكم من ممسك عن الشراب، غارق في الأذى؟ هنا يظهر الخلل في فهم الصيام كطقس معزول عن السلوك. الصيام الذي لا يُهذّب اللسان، ولا يرقّق القلب، ولا يضبط الغضب، صيام ناقص المعنى.

رمضان يعلّم الصبر، لا بوصفه تحمّلًا سلبيًا، بل بوصفه قدرة على الاختيار. أن تصبر وأنت قادر على الأكل، يعني أنك قادر على الصبر في مواقف أعقد: عند الظلم، عند الاستفزاز، عند الخلاف. لذلك فالصيام الحقيقي تدريب يومي على تأجيل ردود الفعل، وعلى التفكير قبل الانفعال.

وهو أيضًا مدرسة للعدل الداخلي. حين يشعر الإنسان بالجوع، يتذكّر غيره لا نظريًا، بل إحساسيًا. لكن هذا التذكّر لا يجب أن ينتهي عند لحظة الإفطار أو عند تقديم صدقة موسمية. التهذيب الحقيقي هو أن يتحوّل هذا الإحساس إلى سلوك دائم: احترام كرامة الفقير، ورفض استغلال حاجته، ومساءلة أسباب الفقر بدل الاكتفاء بتسكينه.
رمضان كذلك مدرسة للصدق مع الذات. في هذا الشهر، تسقط كثير من الأقنعة. لا مجال للتظاهر بالقوة، ولا للهروب من الأسئلة الكبرى: كيف أعيش؟ كيف أتعامل مع الناس؟ لماذا أغضب بسرعة؟ لماذا أساوم على قيمي؟ الصيام يخلق مساحة صمت داخلية، وفي هذا الصمت تبدأ المراجعة.

لكن الخطر أن نُحوّل هذه المدرسة إلى مسرح للطقوس. أن نُتقن المظاهر ونُهمل الجوهر. أن نزداد تشدّدًا في الشكليات، وتساهلًا في الأخلاق. أن نخرج من رمضان بذاكرة ممتلئة بالعبادات، وسلوك لم يتغيّر. هنا يفشل الدرس، لا لأن المنهج خاطئ، بل لأن التلميذ لم ينتبه.

رمضان لا يُفترض أن يكون قطيعة مع بقية السنة، بل جسرًا إليها. ما نتعلّمه فيه يجب أن يُحمل معنا: قدر من الصبر، قدر من الرحمة، قدر من الانضباط. المدرسة الناجحة هي التي يظل أثرها بعد مغادرتها، لا التي تُنسى عند الباب.

ومن أخطر ما أصاب الوعي الجماعي، تحويل رمضان إلى “استثناء أخلاقي”. كأننا نسمح لأنفسنا بالقول: هذا شهر مختلف، وبعده نعود إلى ما كنّا عليه. لكن القيم لا تعمل بهذا المنطق. إما أن تكون جزءًا من السلوك، أو لا تكون. ورمضان جاء ليُدرّبنا على هذا الإدماج، لا على هذا الفصل.

رمضان مدرسة تهذيب لأنه يعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والزمن. يبطّئ الإيقاع، يحدّ من الاستهلاك، يفرض لحظات توقف. وفي هذه اللحظات، يتذكّر الإنسان أنه ليس آلة إنتاج، بل كائن معنى. هذا التذكّر، إن ضاع بعد رمضان، ضاعت معه قيمة الشهر.

ليس المطلوب أن نكون ملائكة بعد رمضان، بل أن نكون أكثر وعيًا. أن نخطئ أقل، أو نعتذر أسرع. أن نغضب، لكن نضبط غضبنا. أن نختلف، لكن نحفظ الكرامة. هذا هو التهذيب الواقعي، لا المثالي.

رمضان، في جوهره، ليس امتحان تحمّل، بل امتحان تحوّل. من خرج منه دون أن يتغيّر شيء في نظرته، أو لغته، أو سلوكه، فقد صام الجسد… وترك الروح خارج الفصل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى