الاسرة و الطفلميساج

الحلقة الثانية من السلسلة الرمضانية  استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : حين يصوم الجسد ويفطر الضمير

السلسلة تعرض يوميا بجريدة العلم الورقية

 

تقديم السلسلة الرمضانية

رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة.  بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.

 حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.

الحلقة الثانية
حين يصوم الجسد ويفطر الضمير

من أكثر المشاهد إرباكًا في رمضان، أن ترى الجسد صائمًا والضمير مفطرًا.أن يمتنع الإنسان عن الطعام ساعات طويلة، ثم لا يمتنع عن الأذى دقيقة واحدة.أن يحفظ وقت الإمساك بدقّة، ويُضيّع حدود الصدق بلا تردّد. هنا لا نتحدّث عن ضعف بشري عابر، بل عن ازدواجية أخلاقية تستحق التأمّل.
الازدواجية الأخلاقية لا تعني بالضرورة سوء النيّة، بل غالبًا ما تكون نتيجة فهم مجتزأ للدين والقيم. فهم يربط العبادة بالشكل، ويفصلها عن السلوك. يجعل الطقس هدفًا في ذاته، لا وسيلة لبناء إنسان متّسق. وهكذا، يُؤدَّى الصيام بدقّة، وتُرتكب المخالفات الأخلاقية بلا حرج.

رمضان، في جوهره، جاء ليكسر هذه الازدواجية، لا ليُكرّسها. جاء ليقول إن العبادة التي لا تُغيّر السلوك ناقصة الأثر. فالصيام ليس بطولة جسدية، بل امتحان ضمير. ومن نجح في الأول وفشل في الثاني، لم يفهم الدرس كاملًا. نرى هذه الازدواجية في تفاصيل الحياة اليومية.

صائم يرفع صوته في وجه الناس بحجّة التعب.صائم يغشّ في عمله ويبرّر بالقول( الله غفور رحيم). صائم يظلم غيره، ثم يُكثر من الدعاء. هذه الممارسات لا تُبطل الصيام شكليًا، لكنها تُفرغه قيميًا.
حين يفطر الضمير، يصبح الخطأ عاديًا، بل مبرَّرًا. ويبدأ الإنسان في بناء خطاب داخلي يُطمئنه: “كل الناس تفعل ذلك”، “رمضان صيام وليس أخلاقًا”، “القلب أبيض”. هذه العبارات، رغم شيوعها، تُسهم في تخدير الحسّ الأخلاقي بدل إيقاظه.

الازدواجية الأخلاقية ليست حكرًا على الأفراد، بل تتسلّل إلى الفضاء العام. مؤسسات ترفع شعارات النزاهة في رمضان، وتمارس الإقصاء بعده. خطابات عن القيم، يقابلها واقع من التهاون. وهكذا، يتحوّل الشهر إلى واجهة أخلاقية تُزيّن الممارسة دون أن تُغيّرها.

رمضان مدرسة، لكن بعضنا يتعامل معه كقناع مؤقت. نُظهر أفضل ما فينا أمام الناس، ثم نعود إلى عاداتنا القديمة في الخفاء. هذه القطيعة بين العلن والسرّ هي أخطر أشكال الازدواجية، لأنها تُنتج إنسانًا منقسمًا على ذاته: واحدًا للناس، وآخر للحقيقة.

الصيام الحقيقي لا يقبل هذا الانقسام.لأن الصيام، في جوهره، عبادة سرّية.
لا يراك الناس حين تمتنع، لكن الله يراك. فكيف نقبل أن نكون صادقين في السرّ مع الطعام، ومزوّرين في السرّ مع الأخلاق؟.
حين يصوم الجسد ويفطر الضمير، يُصاب الإنسان بإرهاق داخلي. يعيش توتّرًا غير معلن بين ما يعتقد أنه صالح، وما يمارسه فعلًا. ومع الوقت، يُفضّل التبرير على التغيير، لأن التغيير مؤلم، والتبرير مريح.
رمضان فرصة نادرة لتوحيد هذا الانقسام.أن نُصالح العبادة مع السلوك.
وأن نفهم أن الأخلاق ليست إضافة اختيارية للدين، بل لبّه.فالصدق، والعدل، والرحمة، ليست مكملات، بل جوهر الرسالة.

نقد هذه الازدواجية لا يعني التشهير، ولا الادّعاء بالكمال. كلنا نخطئ، وكلنا نقصر. لكن الفرق بين الخطأ والازدواجية، أن الأول يُعتَرف به ويُراجَع، والثانية تُنكر وتُبرَّر. والخطر ليس في الخطأ، بل في تطبيعه.
رمضان لا يطلب منا أن نكون مثاليين، بل أن نكون صادقين. أن نُخفّف الفجوة بين ما نُعلن وما نُمارس. أن نراقب أنفسنا قبل أن نراقب غيرنا. أن نسأل: هل صيامي يجعلني أهدأ؟ أعدل؟ أرحم؟ إن لم يفعل، فأين الخلل؟.

من مظاهر الإفطار الأخلاقي أيضًا، الغضب المفرط. يُقال: “الصيام صعب”، وكأن الصعوبة رخصة للأذى. لكن الصيام وُضع تحديدًا ليُدرّبنا على إدارة الغضب، لا لإطلاقه. ومن لم يتعلّم هذا الدرس، فوّت إحدى أهم ثمار الشهر.
الازدواجية الأخلاقية تُعلَّم أحيانًا دون قصد. حين يرى الأطفال الكبار يفرّقون بين العبادة والمعاملة، يتعلّمون أن القيم قابلة للتجزئة. وحين نُظهر وجهًا في رمضان وآخر بعده، نُربّي جيلًا بارعًا في الأقنعة.

رمضان ليس شهر إخفاء العيوب، بل شهر كشفها من أجل إصلاحها. هو فرصة للانتباه إلى هذه الازدواجية، لا للتمادي فيها. فرصة لأن نسأل أنفسنا: ماذا لو كان الضمير صائمًا حقًا؟ كيف ستتغيّر لغتنا؟ قراراتنا؟ علاقاتنا؟.
حين يصوم الضمير، يصبح الصيام نورًا. وحين يفطر الضمير، يصبح الصيام عادة.والفرق بين النور والعادة في صدق النية، وشجاعة المراجعة.
رمضان لا يحتاج منا صيامًا أطول، بل ضميرًا حاضرًا، وضميرًا لا يفطر على الظلم. ولا يتساهل مع الكذب، ولا يبرّر الأذى . هناك فقط، يتوحّد الجسد والضمير… ويبدأ الصيام الحقيقي.

بقلم : بوشعيب حمراوي 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى