الحلقة الثالثة من السلسلة الرمضانية استووا واعتدلوا وتراصوا يرحمكم الله بعنوان : الصدق… القيمة التي غادرتنا بصمت
سلسلة تنشر يوميا بجريدة العلم الورقية

بقلم : الحاج بوشعيب حمراوي
تقديم السلسلة الرمضانية
رمضان ليس شهر الصوم فقط، ولا موسماً عابراً للطقوس المتكررة. بل هو امتحان أخلاقي عميق، ومحك حقيقي لصدق الإنسان مع نفسه، ولصفاء المجتمع مع قيمه. من هذا المعنى، تولد هذه السلسلة الرمضانية (استووا واعتدلوا وتراصّوا يرحمكم الله). كنداء إنساني قبل أن يكون خطاباً وعظياً، وكوقفة تأمل صادقة قبل أن تكون محاكمة أو إدانة. حلقات أحاول من خلالها أن أعيد ترتيب الصفوف. صفّ القيم قبل صفوف المساجد، و صفّ الضمائر قبل الشعارات، و صفّ الإنسان قبل الأدوار والمواقع.
حلقات تمرّ عبر مرآة المجتمع المغربي بتناقضاته وأسئلته المؤجلة،
لتصل إلى الوطن كضمير جماعي لا يحتمل الفساد ولا المزايدات،
وتختم بالإنسان التائه بين الوعي والضياع،بين الصمت والخوف،
بين الحرية والكرامة،وبين ما نعلنه وما نمارسه فعلاً.
هذه السلسلة لا تزعم امتلاك الحقيقة، ولا تدّعي الاصطفاف الأخلاقي،
بل تطرح أسئلة موجعة أحياناً، وبسيطة في ظاهرها،عميقة في أثرها
هي محاولة للقول، إن العبادة لا تكتمل دون سلوك، وأن الصيام لا معنى له إذا أفطر الضمير، وأن الوطن لا يُحبّ بالشعارات، وأن الإنسان قبل كل شيء، إنسان. سلسلة رمضانية تراهن على الكلمة الهادئة، والنقد المسؤول، والأمل الذي لا يستقيل. رمضان ليس فقط ما نمتنع عنه، بل ما نصبحه.. بعده. دمتم في رعاية المولى.
الحلقة الثالثة
الصدق… القيمة التي غادرتنا بصمت

لم يرحل الصدق من حياتنا دفعة واحدة، ولم نُشيّعه في جنازة صاخبة. غادرنا بصمت… خطوة خطوة، تراجعًا بعد آخر، حتى أصبح غريبًا في تفاصيلنا اليومية، ومُحرِجًا في العلاقات العامة، وثقيلًا في مواقع المسؤولية. لم نعد نكذّب كثيرًا، لكننا لا نقول الحقيقة كاملة، وهذا أخطر. الصدق ليس قيمة مثالية تُقال في الخطب، بل ممارسة شجاعة تُعاش في التفاصيل. وهو لا يعني قول كل شيء في كل وقت، بل يعني ألّا نقول ما نعلم أنه غير صحيح، وألّا نُزيّن الخطأ، وألّا نُخفي الحقيقة حين يكون إخفاؤها ظلمًا. حين يختل هذا الميزان، يبدأ الصدق في الانسحاب بهدوء.
في حياتنا اليومية، صار الصدق مُكلفًا، يُحرجنا أمام الآخرين، يضعنا في مواجهة مباشرة مع الخطأ، ويُفقدنا أحيانًا مكاسب سريعة.
لذلك اخترنا بدائل مريحة: المراوغة، التبرير، نصف الحقيقة. ومع الوقت، تحوّلت هذه البدائل إلى ثقافة سائدة.
نُجامل على حساب الحقيقة، نُهادن على حساب الوضوح، ونُبرّر على حساب الضمير. وهكذا، يتآكل الصدق دون مقاومة.
وفي كل سنة يعيد شهر الصيام طرح سؤالين جوهريين: كيف نصوم عن الطعام، ولا نصوم عن الكذب؟. كيف نُمسك عن الشراب، ونُطلق ألسنتنا في التزييف؟.
الصيام، في جوهره، تدريب على الانسجام الداخلي. والصدق هو العمود الفقري لهذا الانسجام. وغياب الصدق لا يظهر فقط في الكلام، بل في الوعود. نَعِد دون نية الالتزام ، نؤجّل دون توضيح ، نُراكم أعذارًا بدل تقديم حلول. وحين يُحاسَب أحدنا، يقول: “لم أقصد”. لكن القيم لا تُقاس بالنيات وحدها، بل بالأثر.
في الفضاء العام، يصبح غياب الصدق أكثر خطورة، حين تُزيَّف الأرقام وحين تُجمَّل الوقائع، وحين يُقدَّم الفشل كنجاح. هنا لا ينهار الصدق الفردي فقط، بل تهتز الثقة الجماعية. والثقة، حين تُكسر، يصعب ترميمها.
المسؤولية العامة بلا صدق تُنتج خطابًا منمّقًا، فارغًا من المعنى. خطابًا يَعِد كثيرًا، ويُنجز قليلًا. ومع الوقت، يُصاب الناس بالشك، ثم باللامبالاة. وهذا أخطر من الغضب، لأن اللامبالاة تعني أن الصدق لم يعد متوقَّعًا أصلًا.
الصدق قيمة مُعدية، كما الكذب.حين يرى الناس مسؤولًا يعترف بالخطأ، يتعلّمون الشجاعة. وحين يرون مراوغة، يتعلّمون الحذر. القدوة هنا أقوى من أي خطاب. لأن الصدق لا يُعلَّم بالكلام، بل بالممارسة . في الأسرة، يتشكّل أول درس في الصدق. حين نكذب “كذبة صغيرة” أمام الأطفال، نُعلّمهم أن الحقيقة قابلة للتفاوض. وحين نُخفي واقعًا بدل شرحه، نُدرّبهم على الالتفاف لا المواجهة.وهكذا، يكبر الطفل وهو يعرف أن الصدق جميل نظريًا، لكنه غير عملي.
رمضان فرصة لإعادة الاعتبار لهذه القيمة المنسية.أن نبدأ بالصدق مع أنفسنا: هل نعيش كما نُعلن؟، هل نُصرّح بما نقدر عليه حقًا؟، هل نتحمّل نتائج قول الحقيقة، أم نبحث عن مخارج؟.
الصدق لا يعني القسوة، ولا الفظاظة. يمكن قول الحقيقة بلطف،ويمكن تصحيح الخطأ دون إذلال.
لكن الفرق بين اللطف والتزييف، أن الأول يحفظ الحقيقة، والثاني يُخفيها. من أسباب غياب الصدق، الخوف (الخوف من الخسارة، الخوف من العزلة،الخوف من العقاب). لكن مجتمعًا يُدار بالخوف لا يمكن أن يكون صادقًا. لأنه يُكافئ الصمت أكثر مما يُكافئ الوضوح.
الصدق يحتاج بيئة آمنة، نعم،ويحتاج قبل ذلك ضميرًا حيًا. يحتاج ضميرًا يرفض أن يربح بالكذب، ويرفض أن ينجو بالخداع. وهذا الضمير يُدرَّب، ولا يُولد كاملًا.و رمضان يُدرّبنا على هذا المستوى العميق.
يعلمنا أن نُمسك عن ما نُحبّ، فنُدرِك أن الصدق، وإن كان مُكلفًا، فهو مُحرِّر. يُحرّرنا من ثقل الأقنعة، ومن عناء التبرير المستمر .
حين يغيب الصدق، تكثر الشكوك. وحين يحضر، حتى مع الألم، تستقيم العلاقات.الصدق لا يضمن الراحة الفورية، لكنه يضمن سلامًا داخليًا طويل الأمد.
نحن لا نحتاج إلى مجتمع مثالي، بل إلى مجتمع يقول الحقيقة حين يُخطئ،
ويُسمّي الأشياء بأسمائها، ويُدرك أن الصدق ليس تهديدًا للاستقرار، بل ضامنا لتحقيقه. رمضان ليس شهر الصمت عن الحقيقة، بل شهر الجرأة الأخلاقية. جرأة أن نقول: أخطأنا، وجرأة أن نُصحّح،جرأة أن نلتزم بما نَعِد.
الصدق لم يمت في داخلنا، لكنه متعب ، ينتظر من يُعيد له مكانته،
لا في الشعارات، بل في القرار اليومي الصغير، وأن نقول ما نعلم أنه حق… حتى حين يكون صعبًا


