كتاب البديل

سيناريوهات محتملة للأزمة الأيرانوإسرائيلية.. والأمريكية بتحصيل الحاصل

 

هل نحن الآن أقرب إلى نشوب حرب كونية ثالثة… إذا سلّمنا جدلاً أنها لم تندلع بعد؟

لا أعتقد ذلك شخصياً، وأرى أن وقت تلك “الطامة الكبرى” لم يحن بعد، ما دام أغلب التقارير والتحاليل يشير إلى أن المواجهة إلى غاية حدود مايو 2026 ما زالت محصورة فـي “قصف جوي متبادل” وعمليات ضد الوكلاء، دون وجود أي تدخل برّي مباشر من لدن واشنطن أو موسكو أو بكين. وهذا يؤكد لنا عدم وجود أي خطر وجودي على الدولة الإيرانية أو الإسرائيلية يجعلها تلجأ للسلاح النووي بشكل فوري، أو لأسلحة الدمار الشامل غير التقليدية.

مقابل هذا المعطى، المُطَمْئِن نسبياً، يكاد المحللون يجمعون على أن احتمال نشوب حرب عالمية ثالثة قائم ولكنه مستلقٍ في “غرفة الانتظار”. والسبب في ذلك، هو تراكم أزمات كثيرة مترابطة: أوكرانيا، الشرق الأوسط، المحيط الهادي، طايوان، تآكل النظام العالمي الذي كان الغربيون يبشرون به منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

هل نحن مطمئنون إلى أن الحرب الشاملة لن تندلع؟
لا أعتقد ذلك أيضاً… فالمعارك بدأت فـي 28 فبراير 2026 بضربات إسرائيلية-أمريكية على إيران، وإيران من جانبها ردّت بصواريخ ومسَيَّرات على إسرائيل ودول الخليج مبديةً في ذلك شراسةً غيرَ متوقَّعة.

مشروع وقف إطلاق النار من جهة أخرى، أمكنه أن يجد كوةً صغيرة من الضوء وسط عتمة الصراع الضاري بوساطة من دولة الباكستان، التي دخلت على الخط كطرف مستأثر بثقة الأطراف الثلاثة المتصارعة، وبذلك دخل هذا المشروع حيز التنفيذ في الثامن من “شهر الكذب”، أبريل، ولكن المفاوضات فشلت بسرعة في الثاني عشر منه، أي بالكاد بعد أربعة أيام، لنرى الرئيس دونالد ترامب يعود للتهديد من جديد، ملوّحاً بالحصار وبالضرب المبرح والأشد عنفاً وثقلاً من كل ما سلف.

والآن، ونحن في العشرين من مايو، يصلنا صوت الرئيس ترامب وهو يقول بالواضح: “سوف ننهي الحرب بسرعة”، وهذا تعبير ذو حدّين، أحد وجهَيْه يُمنّي النفس بهدنة مستديمة، والوجه الثاني يُنذر بعمل عسكري غير مسبوق في قوته وضراوته وخطورته… خاصة عندما يضيف مؤكّداً أن إيران لن يكون عندها سلاح نووي في الأفق.

مقابل هذا الوعيد الأمريكي، يدخل الحرس الثوري الإيراني بدوره في نوبة من التهديدات المتواصلة والتي لم يقلع عنها منذ بداية هذه الأزمة، متوعداً محيطه المباشر بأن الحرب ستمتد إلى “خارج المنطقة” إذا تكرر الهجوم على قواته وترابه ومؤسساته العسكرية والاقتصادية… مومئاً بذلك إلى دول الخليج العربي خاصة.

وبين هذا الاحتمال وذاك الآخر، يبقى السؤال مطروحا وبنفس الحدة حول اضطرار أحد الأطراف الثلاثة إلى استعمال أسلحة الدمار الشامل، التي نعرف جميعا أن إيران استطاعت خلال نحو ثلاثين سنة مضت أن تحصل منها على الشيء الكثير والوفير… فكيف ذلك؟

لقد استطاعت إيران أن تنجح في تخصيب نحو 60% من اليورانيوم المتوفر لديها، وهذا يعني أنها على بعد أسابيع قليلة من تحقيق “القدرة على الاختراق” النووي إذا قررت أن تسير قدماً في هذا المنحى. كما استطاعت أن تطور منظومات صاروخية بعيدة المدى وعلى درجة عالية من الدقة، وان تنجز لها قواعد إطلاق تحت أرضية يصعب العثور على إحداثياتها بكل وسائل الرصد الحديثة المتوفرة…

من جهتها، حرصت إسرائيل على التهديد بتنفيذ ضربات استباقية على مركزَيْ “فوردو” و”ناتانز” للأبحاث النووية الإيرانية، فيما لوحت إيران بالإغلاق الكلّيّ لمضيق هرمز، واستخدام صواريخ كروز “شأنباد” ضد الملاحة بالمنطقة، وهذا من شأنه أن يضرب 20% من النفط والغاز العالميَّيْن.

هكذا سيظل سيناريو “الحرب النووية” مطروحاً فوق رقعة “الشطرنج الحربي”، بمعنى أنه سيظل يشكل تهديداً جاداً في حالة تنفيذ أي ضربة على منشآت نووية إيرانية، من لدن أمريكا أو أسرائيل، وهو ما يطرح إمكانية لجوء إيران، في حالة تلقّيها لهجمات جوية أو بحرية جديدة، إلى الرد بأسلحة غير تقليدية، وكذلك العكس… ولكن هذا لم يقع لحسن الحظ حتى هذه الساعة.

ثم هناك سؤال ثالث يثير القلق هو الآخر، حول ماذا سيقع في حالة عدم الاتفاق على خطة سلام مستقرة ومستديمة؟

هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة، يمكن لأيٍّ منها أن يتكرّس في أي لحظة قادمة:

1. حرب استنزاف طويلة الأمد، تؤدي إلى ارتفاع صاروخي في أسعار الطاقة، وإلى موجات تراجع اقتصادي شديدة لن تسلم منها أي دولة من دول العالم، كما أن تعطيل مضيق هرمز، من شأنه أن يُخضِع العالم برمته لضغط اقتصادي غير مسبوق؛

2. أن تنشب حرب محدودة سريعة، تتمثل في ضرب منشآت نووية وصاروخية إيرانية، وفي رد إيراني محدود تتبعه هدنة؛

3. وقوع تصعيد إقليمي شامل، يدفع إيران إلى ضرب البنيات الأساسية الخليجية، وإلى القيام بهجمات سبرانية، مع توسيع الجبهة باتجاه اليمن والعراق ولبنان… وهنا سيقوم من جديد خطر التدخل المباشر للقوى العظمى، أقصد روسيا والصين ومعهما الهند والباكستان وتركيا… وعندئذ ستختلط الخيوط، وتتشابك، وسيصير العثور على رأس كل خيط على حدة أمراً صعب المنال.

خُلاصته…نحن الآن قد لا نكون على عتبة حرب كونية ثالثة، ولكن علينا أن نُقِرّ بأننا نقف عند “مرحلة بالغة الحساسية”. ذلك أن الخطر الحقيقي قد لا يبدو جلياً من خلال واقع الحال، ولكنه قد ينجم عن أي إساءة للحساب سواء تنظيرياً أو ميدانياً… فأي ضربة متسرّعة وغير محسوبة على منشأة نووية هنا أو هناك، أو أيّ إغلاق كلّي لمضيق هرمز، أو أي تدخل أمريكي مباشر كالاجتياح البري لقوات المارينز مثلاً، سيكون كافياً لتوسيع جغرافيا هذه المواجهات، وسيجرّ لا محالةَ كلاًّ من روسيا والصين، اضطراراً، إلى التدخل ولو بشكل غير مباشر على الأقل.

غير أن هناك نقطة إيجابية أودّ أن أختم بها هذه الأسئلة القلقة، وهي أن الرئيس دونالد ترامب يلوّح الآن بالمفاوضات، ويقول بوجود ما يسمّيه “فرصةً جيدةً للاتفاق”، في الوقت التي تؤكد فيه إيران من جهتها بأنها مستعدة لتسليم حَصادها من اليورانيوم المُخَصَّب مقابل رفع العقوبات عن اقتصادها ونفطها وغازها…

فهل ستظل هذه النافذة مُشْرَعة، أم أننا سنعود من جديد لنفس الحلقة المفرغة: تصعيد → تهديد نووي → تراجع مؤقت → ثم تصعيد متجدِّد؟.. ذاك هو السؤال!
_______________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى