كتاب البديل

المديرية العامة للأمن الوطني بالمغرب: من التأسيس السيادي إلى الحكامة الأمنية الاستراتيجية

 

مقدمة:

دلالات الذكرى والسياق التاريخي التأسيسي
تشكل ذكرى تأسيس المديرية العامة للأمن الوطني المغربي محطة مرجعية في تاريخ الدولة المغربية الحديثة، وهي تجسيد بليغ لعمق السيادة الوطنية وغداة استقلال البلاد. ففي السادس عشر من ماي 1956، وضع جلالة الملك المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، اللبنة الأولى لمؤسسة أمنية وطنية خالصة، تفصل المغرب عن العهد الاستعماري وتؤسس لمرحلة بناء مؤسسات الدولة المعاصرة.

إن قراءة مسار وتطور هذه المؤسسة من منظور العلوم السياسية والقانون الدستوري لا تقف عند حدود الاحتفالية، بل تتعداها إلى تحليل كنه “الدولة الأمنية بمفهومها الإيجابي”؛ أي الدولة التي تجعل من الأمن ركيزة للحقوق والحريات، وشرطاً أساسياً للنمو والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، تحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله ونصره.

أولاً: التحول البنيوي والمسار التطوري للمؤسسة الأمنية

لم يكن مسار المديرية العامة للأمن الوطني خطاً أفقياً جامداً، بل تميز بالديناميكية والتكيف المستمر مع التحولات المجتمعية والجيوسياسية. ويمكن رصد هذا التطور عبر مستويين رئيسيين:

1 التحول نحو العصرنة التكنولوجية: الانتقال من التدبير الإداري الكلاسيكي إلى “الأمن الرقمي” والذكاء الاصطناعي، من خلال تحديث البنيات التحتية، وإحداث مختبرات الشرطة العلمية والتقنية بمواصفات دولية، وتطوير آليات اليقظة المعلوماتية.

2 ملاءمة الإطار القانوني: مراجعة القوانين الأساسية لموظفي الأمن الوطني لضمان الكفاءة، التحفيز، وتدقيق المسؤوليات، بما يتوافق مع مقتضيات دستور 2011 الذي أسس لمفهوم الأمن كخدمة عمومية.

ثانياً: ترسيخ الحكامة الأمنية وكفاءة التدبير

إن الانتقال بالمؤسسة الأمنية نحو “الحكامة” (Governance) يعكس نضجاً رصيناً في فلسفة تدبير المرفق العام. وتتجلى هذه الحكامة في نقطتين جوهريتين:
عقلنة الرأسمال البشري: اعتماد معايير الشفافية، الاستحقاق، وتكافؤ الفرص في مباريات التوظيف، مع إرساء منظومة تكوين مستمر متطورة بالمعهد الملكي للشرطة ومدارس التكوين، تدمج العلوم الإنسانية، اللغات الحية، وحقوق الإنسان في المناهج الأمنية.

النجاعة والتدبير الاستراتيجي: تجاوز المقاربة الارتجالية نحو التخطيط الاستراتيجي الخماسي والعشري، حيث تخضع الميزانيات والخطط الأمنية لتقييم الأثر، وضمان الفعالية في الأداء بأسلوب يربط المسؤولية بالمحاسبة.
ثالثاً: الأمن الداخلي ومحاربة الإرهاب والجريمة العابرة للقارات

لقد برهن النموذج الأمني المغربي على كفاءة استثنائية حظيت بإشادة دولية واسعة، وتحول المغرب بفضلها إلى “شريك استراتيجي غير قابل للاستغناء” في الهندسة الأمنية العالمية. ويظهر ذلك من خلال:

الاستباقية الاستخباراتية في مكافحة الإرهاب: بناء استراتيجية شمولية لا تقتصر على الردع الأمني الفعال، بل تمتد إلى تفكيك الخلايا في مهدها (عبر التنسيق الوثيق بين المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DST)، ومحاربة التطرف الفكري.

مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود: التدخل الحازم ضد شبكات تهريب البشر، المخدرات، الجريمة السيبرانية، وتبييض الأموال، بفضل التعاون الوثيق مع المنظمات الدولية كـ “الأنتربول” والشراكات الثنائية مع الدول العظمى.

رابعاً: سياسة القرب الأمني والتنمية المستدامة

تكرس المديرية العامة للأمن الوطني مفهوماً جديداً لـ “شرطة القرب”، يتجاوز النظرة التقليدية القائمة على الضبط والزجر إلى أبعاد تنموية وإنسانية:

إنتاج الأمن كدعامة للاستثمار: لا يمكن الحديث عن تنمية اقتصادية أو جلب للاستثمارات الأجنبية والمحلية دون بيئة آمنة ومستقرة. الأمن الوطني يمثل الصمام الحمائي للمشاريع المهيكلة الكبرى للمملكة.

التواصل والانفتاح المجتمعي: تجسده “أيام الأبواب المفتوحة” للأمن الوطني، والتواصل الفوري عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، مما يرسخ “الإنتاج المشترك للأمن” ويعزز الثقة بين المواطن ورجل الأمن.


خاتمة وتثمين: تحية تقدير وولاء

إن استقرار المملكة المغربية في محيط إقليمي ودولي مضطرب ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج رؤية ملكية متبصرة، وتضحيات جسام لنساء ورجال الأمن الوطني الذين يقفون عيوناً ساهرة على أمن الوطن والمواطنين.
وفي هذه الذكرى المجيدة، نرفع تحية إجلال وتقدير وإكبار لهذه المؤسسة العتيدة، مجددين العهد على الانخراط المعرفي والأكاديمي في تحليل وتثمين هذه المكتسبات الوطنية، تحت القيادة الرشيدة والسديدة لقائد البلاد وموحدها، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله وأعز أمره، وأدام على مغربنا نعمة الأمن والازدهار.

البروفيسور الدكتور المصطفى قاسمي
أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية – جامعة الحسن الأول

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى