جرائم و قضايا

سبعون سنة من اليقظة والتحديث.. الأمن الوطني المغربي يؤكد ببنسليمان أن “الشرطة في خدمة الشعب” ليست شعاراً بل عقيدة دولة

سبعة عقود من بناء الثقة والأمن والاستقرار

لم يكن الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني صباح اليوم السبت بمدينة بنسليمان مجرد مناسبة بروتوكولية للاحتفاء بتاريخ مؤسسة أمنية عريقة، بل شكل لحظة وطنية قوية لاستحضار التحولات الكبرى التي عرفها جهاز الأمن الوطني المغربي منذ تأسيسه سنة 1956، واستعراض حجم التطور الذي جعل من المغرب اليوم نموذجاً أمنياً يحظى بالاحترام إقليمياً ودولياً.

فالاحتفال الذي حضرته شخصيات مدنية وعسكرية وقضائية ومنتخبة وفعاليات المجتمع المدني والإعلام، في مقدمتها السيد لحسن بوكوتة عامل إقليم بنسليمان.. حمل رسائل عميقة تؤكد أن الأمن بالمغرب لم يعد مجرد وظيفة إدارية مرتبطة بحفظ النظام العام، بل تحول إلى فلسفة دولة قائمة على حماية الحقوق والحريات، وترسيخ الشعور بالأمان، ومواكبة التحولات التكنولوجية والرهانات الأمنية الجديدة.


من شرطة تقليدية إلى مؤسسة مواطنة في خدمة المجتمع

أعادت الكلمة الرسمية التي ألقاها السيد فؤاد لعرج رئيس منطقة الأمن الإقليمية  خلال الحفل التذكير بأن المديرية العامة للأمن الوطني التي أسسها المغفور له الملك محمد الخامس يوم 16 ماي 1956، شكلت إحدى اللبنات الأساسية لبناء الدولة المغربية الحديثة، قبل أن يواصل المغفور له الملك الحسن الثاني ترسيخ دعائمها، لتشهد في عهد الملك محمد السادس ثورة حقيقية في مجال التحديث والعصرنة والتأهيل المؤسساتي. كما أبرز الخطاب أن مفهوم الشرطة الحديثة لم يولد صدفة، بل تعود جذوره إلى سنة 1829 بمدينة لندن على يد رجل الدولة البريطاني روبيرت بيل، صاحب المقولة الشهيرة: “الشرطة هي الشعب والشعب هو الشرطة”، وهي الفلسفة التي أصبحت اليوم أساس العقيدة الأمنية المغربية الحديثة، حيث تحولت المؤسسة الأمنية من مجرد جهاز سلطوي إلى مؤسسة مواطنة تؤمن بأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمواطن.


الدبلوماسية الأمنية المغربية تفرض نفسها دولياً

أكدت مضامين الخطاب أن المغرب أصبح اليوم رقماً مهماً في معادلة الأمن الدولي وقوة إقليمية وازنة بفضل نجاح أجهزته الأمنية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين كبريات التظاهرات الدولية والقارية. ولم يعد الأمن المغربي مجرد جهاز داخلي، بل تحول إلى قوة دبلوماسية موازية تساهم في تعزيز صورة المملكة دولياً، خاصة بعد احتضان المغرب للدورة 93 للجمعية العامة لمنظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول”، وهي محطة اعتبرت اعترافاً دولياً صريحاً بكفاءة النموذج الأمني المغربي واحترافية أجهزته. كما بات المغرب شريكاً موثوقاً لدى العديد من الدول في مجال تبادل المعلومات الأمنية والتنسيق الاستخباراتي والتصدي للتهديدات العابرة للحدود، مما عزز مكانته داخل المنتظم الدولي.


الأمن الذكي.. عندما تدخل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى الخدمة الأمنية

من أبرز الرسائل التي حملها احتفال بنسليمان، حجم التحول الرقمي والتكنولوجي الذي عرفته المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة، حيث تم تسليط الضوء على مشروع “الدورية الذكية أمان”، المزودة بكاميرات بزاوية 360 درجة وتقنيات التعرف على الوجوه ولوحات السيارات وربط مباشر بقواعد البيانات الأمنية وقاعات القيادة والتنسيق. كما تم استعراض التطور الكبير الذي شهدته قاعات القيادة ومنصة الخط 19، والتي أصبحت تعتمد على التوثيق الرقمي والتتبع الإلكتروني وتقليص زمن التدخل الأمني. ولم تقتصر هذه الثورة الرقمية على التدخلات الميدانية فقط، بل امتدت إلى تقريب الخدمات من المواطنين عبر منصات إلكترونية حديثة مثل “إبلاغ” و”طفلي مختفي” ومنصات طلب الوثائق الإدارية، في خطوة تؤكد دخول المغرب فعلياً عصر الأمن الذكي.


العنصر البشري.. القلب النابض للمنظومة الأمنية المغربية

رغم التطور التكنولوجي الكبير، شدد الخطاب على أن العنصر البشري يظل أساس نجاح أي منظومة أمنية، وهو ما يفسر اهتمام المديرية العامة للأمن الوطني بالتكوين المستمر والتأهيل الفكري والقانوني والمهني لموظفيها. وفي هذا السياق، تم إبراز أهمية المعهد العالي للعلوم الأمنية بمدينة إفران، باعتباره فضاءً أكاديمياً حديثاً لتكوين الأطر الأمنية وفق المعايير الدولية، إلى جانب الاهتمام المتزايد بالشق الاجتماعي لنساء ورجال الأمن وأسرهم عبر مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية. كما شكلت المناسبة لحظة اعتراف بالمجهودات اليومية التي يبذلها رجال ونساء الأمن في حماية الأرواح والممتلكات وضمان استقرار الوطن، رغم تعاظم التحديات الأمنية التقليدية والرقمية.


الأمن المغربي يدخل عقده الثامن بثقة ورؤية مستقبلية

لقد أظهرت الذكرى السبعون لتأسيس الأمن الوطني ببنسليمان أن المغرب نجح في بناء مؤسسة أمنية حديثة تجمع بين الصرامة القانونية والانفتاح المجتمعي والتطور التكنولوجي والبعد الإنساني. فبين ذاكرة التأسيس سنة 1956 وجذور الفكر الشرطي الحديث الممتدة إلى لندن سنة 1829، وبين رهانات المستقبل المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وكأس العالم 2030 والتحولات الجيوسياسية والأمنية العالمية، يبدو أن المديرية العامة للأمن الوطني تدخل عقدها الثامن بثقة أكبر ورؤية أوضح وطموح متواصل لترسيخ مكانة المغرب كقوة أمنية إقليمية ودولية قادرة على حماية الوطن وخدمة المواطن وصون استقرار الدولة وهيبتها.

بقلم: بوشعيب حمراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى