هند الدرياسي ببصمة وطنية .. القراءة تهدي إقليمَ بنسليمان تتويجاً وطنياً مشرفاً

بقلم: بوشعيب حمراوي
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشات السريعة ومواقع التواصل الاجتماعي تستنزف وقت التلاميذ وتسرق اهتمامهم من الكتاب والقراءة والمعرفة، يبرز بين الفينة والأخرى نموذجٌ تربوي مضيء يعيد الأمل في المدرسة المغربية، ويؤكد أن الاستثمار الحقيقي في الإنسان يبدأ من غرس حب القراءة والتفوق العلمي والثقافي داخل الأجيال الصاعدة. ومن بين هذه النماذج المشرفة، تألقت التلميذة هند الدرياسي، ابنة الثانوية التأهيلية الشريف الإدريسي التابعة للمديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية ببنسليمان، بعدما تمكنت من إحراز المرتبة الأولى وطنياً في فئة “التلميذ المثقف” بسلك التعليم الثانوي التأهيلي، ضمن فعاليات النسخة الثانية من المشروع الوطني للقراءة.

هذا الإنجاز الوطني الرفيع، الذي جرى الاحتفاء به خلال الحفل التكريمي الذي نظمته وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بتعاون مع مؤسسة البحث العلمي للاستثمار، يوم الأربعاء 13 ماي 2026، لم يكن مجرد تتويج عابر أو فوز فردي عادي، بل شكل رسالة قوية تؤكد أن المدرسة العمومية المغربية ما تزال قادرة على صناعة التميز وإفراز طاقات واعدة متى توفرت الإرادة والدعم والتأطير الجيد.

لقد استطاعت التلميذة هند الدرياسي أن ترفع اسم مؤسسة الشريف الإدريسي ومديرية بنسليمان عالياً في سماء التميز الوطني، وأن تقدم صورة مشرقة عن التلميذ المغربي القادر على المنافسة والتألق في المجالات الفكرية والثقافية، بعيداً عن الصورة النمطية التي تحاول أحياناً اختزال اهتمامات الشباب في العوالم الرقمية والاستهلاك السطحي للمحتويات السريعة. فالتتويج في مسابقة وطنية كبرى مرتبطة بالقراءة والثقافة لا يتحقق بالصدفة، بل هو نتيجة تراكم من الاجتهاد والانضباط والمثابرة وحب المعرفة.

كما أن هذا التتويج يعكس أيضاً المجهود الكبير الذي تقوم به الأطر التربوية والإدارية داخل المؤسسات التعليمية، والتي تواصل العمل في صمت رغم الإكراهات والتحديات المتعددة. فالنجاح الذي حققته هند الدرياسي هو ثمرة عمل جماعي شاركت فيه الأسرة التربوية بثانوية الشريف الإدريسي، إلى جانب الدعم الأسري الذي يبقى أساسياً في بناء شخصية المتعلم وتشجيعه على المطالعة والبحث والانفتاح على الثقافة.

ويكتسي هذا الإنجاز أهمية خاصة في ظل الحاجة الملحة اليوم إلى إعادة الاعتبار للقراءة داخل المجتمع المغربي، خصوصاً في أوساط الأطفال والشباب. فالقراءة ليست ترفاً ثقافياً أو نشاطاً مدرسياً هامشياً، بل هي بوابة أساسية لبناء الوعي وتنمية الفكر النقدي وصناعة الإنسان القادر على الإبداع والمشاركة الإيجابية في المجتمع. كما أن الأمم التي جعلت من القراءة مشروعاً مجتمعياً حقيقياً، استطاعت أن تحقق نهضتها العلمية والثقافية والحضارية.

إن تتويج هند الدرياسي يبعث برسائل أمل قوية إلى تلاميذ المغرب، مفادها أن التميز ممكن، وأن النجاح لا يرتبط فقط بالتفوق الدراسي التقليدي، بل أيضاً بالقدرة على تنمية الذات ثقافياً وفكرياً ومعرفياً. كما يوجه رسالة مهمة إلى الأسر والمؤسسات التعليمية بضرورة تشجيع الأطفال على القراءة منذ الصغر، وتحويل الكتاب إلى رفيق يومي داخل البيت والمدرسة والفضاءات الثقافية.

ولعل أجمل ما في هذا الإنجاز أنه أعاد تسليط الضوء على الوجه الثقافي والتربوي لإقليم بنسليمان، الذي يزخر بطاقات وكفاءات متميزة في مختلف المجالات العلمية والأدبية والفنية والرياضية، لكنه في حاجة دائمة إلى مزيد من الدعم والاحتضان والتثمين حتى تتمكن هذه الطاقات من إبراز قدراتها وطنياً ودولياً.
هنيئاً للتلميذة المتألقة هند الدرياسي بهذا التتويج الوطني المستحق، وهنيئاً لأسرتها ولمؤسسة الشريف الإدريسي وللمديرية الإقليمية ببنسليمان بهذا الإنجاز التربوي والثقافي الراقي، الذي يؤكد مرة أخرى أن القراءة ستظل دائماً مفتاح الإبداع والتفوق وصناعة المستقبل.



