بديل تربوي

إقصاء أكبر جامعة بالمغرب من معرض الكتاب: يطرح سؤال العلاقة بين الثقافة والمعرفة

المعرض ليس سوقاً لبيع الكتب فقط، بل فضاء يفترض أن تلتقي فيه الدولة بجامعاتها

 

بقلم: بوشعيب حمراوي

لم يكن غياب جامعة الحسن الثاني عن الدورة الأخيرة للمعرض الدولي للنشر والكتاب مجرد حادث إداري عابر يمكن المرور عليه بسرعة، بل تحول إلى حدث أثار الكثير من التساؤلات داخل الأوساط الجامعية والثقافية والإعلامية، بالنظر إلى الرمزية الكبيرة لهذه المؤسسة الأكاديمية التي تُعد أكبر جامعة بالمغرب من حيث عدد الطلبة والأطر التربوية والإدارية، وتقع داخل أكبر جهة بالمملكة من حيث الكثافة السكانية والحركية الاقتصادية والعلمية، وهي جهة الدار البيضاء سطات.

 

إن الحديث عن جامعة الحسن الثاني لا يتعلق بمؤسسة عادية أو بهامش أكاديمي محدود، بل بمنظومة جامعية ضخمة تضم عشرات الآلاف من الطلبة والباحثين والأساتذة، وتحتضن مختبرات ومراكز بحث وتخصصات متنوعة تُغذي سوق الشغل والإدارة والاقتصاد والثقافة والإعلام والقانون والعلوم والتكنولوجيا. لذلك، فإن غيابها عن أكبر تظاهرة ثقافية وكتابية بالمغرب لا يمكن اختزاله في مجرد خلل تقني أو تعقيد إداري، لأن الأمر يمس صورة الجامعة المغربية داخل الفضاء الثقافي الوطني.

المعرض الدولي للنشر والكتاب ليس سوقاً لبيع الكتب فقط، بل فضاء يفترض أن تلتقي فيه الدولة بجامعاتها، والثقافة ببحثها العلمي، والكتاب بالعقل الأكاديمي المنتج للمعرفة. ومن هنا، فإن تغييب مؤسسة بهذا الحجم يطرح سؤالاً عميقاً حول طبيعة العلاقة القائمة بين الإدارة والثقافة، وبين المسطرة والرسالة، وبين التدبير التقني والرؤية الاستراتيجية.

والأكثر دلالة في هذه الواقعة، أن عدداً من الأساتذة الجامعيين والباحثين التابعين للجامعة ظلوا حاضرين داخل المعرض عبر الندوات واللقاءات الفكرية التي احتضنتها مؤسسات وأروقة أخرى، بما يعني أن المعرفة الجامعية كانت حاضرة بقوة، لكن المؤسسة نفسها غابت. وكأن الرسالة العلمية استطاعت أن تتسلل من النوافذ بعدما أُغلقت أمامها الأبواب الرسمية.

هذه المفارقة تكشف بوضوح أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بالحضور أو الغياب، بل بطريقة تدبير المجال الثقافي نفسه. فحين تصبح الإجراءات أقوى من القيمة العلمية، وحين تتحول المساطر إلى جدار يمنع مؤسسة أكاديمية كبرى من أداء دورها الطبيعي داخل تظاهرة وطنية، فإننا نكون أمام خلل يحتاج إلى مراجعة عميقة.

صحيح أن احترام القوانين والمساطر أمر ضروري داخل أي دولة مؤسسات، لكن الدول التي تؤمن بالمعرفة لا تسمح بأن تتحول الشكليات إلى سبب لإقصاء رموزها العلمية. فالحكامة الحقيقية لا تعني التطبيق الجامد للنصوص فقط، بل تعني القدرة على إيجاد حلول مرنة تحفظ هيبة المؤسسات وتحمي القيمة الثقافية والعلمية للتظاهرات الوطنية الكبرى.

ثم إن المغرب، وهو يعيش مرحلة التحولات الكبرى، ويستعد لاستحقاقات دولية ضخمة، ويبحث عن تعزيز إشعاعه الثقافي والعلمي، لا يمكنه أن يفصل بين الجامعة والثقافة. لأن الجامعة ليست بناية للتدريس فقط، بل هي قوة ناعمة للدولة، ومختبر لإنتاج الأفكار، وجسر لصناعة الوعي، ومنصة لتكوين النخب القادرة على مواكبة رهانات المستقبل.

لقد كان من المفترض أن يشكل المعرض الدولي للكتاب فرصة لتقريب الجامعة من المجتمع، وفتح المجال أمام الطلبة والباحثين للتفاعل المباشر مع القراء والناشرين والمفكرين، وإبراز الإنتاج العلمي المغربي أمام الزوار والضيوف والمؤسسات الدولية. غير أن ما حدث أعاد إلى الواجهة ذلك الإحساس القديم بوجود مسافة بين الجامعة ومحيطها الثقافي والإعلامي، رغم كل الخطابات التي تتحدث عن الانفتاح والتكامل.

إن أكبر جامعة بالمغرب لم تكن في حاجة فقط إلى رواق داخل المعرض، بل كان المعرض نفسه في حاجة إلى حضورها العلمي والمعرفي والرمزي. لأن التظاهرات الثقافية الكبرى تكتسب قيمتها الحقيقية من حجم المؤسسات الفكرية والعلمية المشاركة فيها، لا فقط من عدد الزوار أو دور النشر أو الأنشطة الموازية.

ولذلك، فإن هذه الواقعة ينبغي ألا تمر بصمت، ليس من باب تضخيم الجدل، بل من باب فتح نقاش مسؤول حول مكانة الجامعة داخل المشروع الثقافي الوطني، وحول ضرورة بناء علاقة أكثر مرونة وتكاملاً بين المؤسسات الثقافية والجامعية، حتى لا يصبح البحث العلمي آخر من يُستدعى إلى فضاءات يُفترض أنها شُيدت أساساً لخدمة المعرفة والفكر والإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى