شغب الملاعب : في حاجة إلى الأمن الرياضي الوقائي ونموذج وطني للتشجيع

بقلم: بوشعيب حمراوي
لم تعد ظاهرة الشغب في الملاعب الرياضية بالمغرب قابلة للاختزال في أحداث معزولة أو ردود فعل لحظية مرتبطة بنتائج المباريات، بل أضحت تعبيرًا مركبًا عن اختلالات تمتد إلى ما هو تربوي وثقافي وإعلامي واقتصادي. ما وقع مؤخرًا في الرباط والدار البيضاء، وما رافقه من توقيفات واسعة شملت بالغين وقاصرين، أعاد طرح السؤال بصيغة أكثر عمقًا: هل نحن أمام أزمة جمهور أم أمام أزمة تأطير؟ وهل يكفي تفعيل القانون وحده لاحتواء الظاهرة، أم أن الأمر يستدعي بناء تصور مجتمعي جديد يعيد تعريف موقع المشجع داخل المنظومة الرياضية؟ إن المقاربة الزجرية، رغم ضرورتها لحماية الأرواح والممتلكات، تبقى غير قادرة على معالجة الأسباب العميقة التي تنتج هذا السلوك، خصوصًا حين يتعلق الأمر بفئات عمرية في طور التكوين، ما يجعل الظاهرة مرتبطة بسيرورات التنشئة أكثر من ارتباطها بلحظة الانفلات.

الأمن الرياضي الوقائي قبل الجزائي
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إرساء مفهوم الأمن الرياضي الوقائي، باعتباره امتدادًا لوظيفة الدولة في حماية النظام العام، ولكن بمنطق استباقي يقوم على التربية والتحسيس والتأطير، لا على التدخل بعد وقوع الضرر فقط. هذا التحول في المقاربة يصبح أكثر إلحاحًا في ظل استعداد المغرب لاحتضان تظاهرات رياضية دولية كبرى، في مقدمتها كأس العالم 2030، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وما يسبق ذلك ويتلوه من مواعيد قارية ودولية ستضع صورة البلاد وسلوك جمهورها تحت مجهر المتابعة العالمية. فنجاح هذه الاستحقاقات لن يُقاس فقط بجودة البنيات التحتية أو دقة التنظيم، بل كذلك بمدى قدرة المجتمع على تقديم نموذج سلوكي يعكس نضجًا جماعيًا في التعامل مع الفضاءات الرياضية، باعتبارها فضاءات للفرجة المنظمة لا ساحات للتوتر.
التظاهرات رافعة للتنمية الاقتصادية والسياحية والثقافية
غير أن الرهان لا ينبغي أن يقتصر على تفادي الشغب، بل يتجاوزه إلى استثمار هذه التظاهرات كرافعة للتنمية الاقتصادية والسياحية والثقافية. فالمغرب، بما يتوفر عليه من رصيد تاريخي وتراثي متنوع، وبما يزخر به من تعبيرات ثقافية ومجالية متعددة، يمتلك مؤهلات حقيقية لتحويل الحدث الرياضي إلى منصة للتعريف بالهوية الوطنية في أبعادها المختلفة. هذا التحول يتطلب تصورًا يدمج الفاعلين الاقتصاديين الرسميين وغير الرسميين، ويفتح المجال أمام المبادرات المحلية، بحيث يصبح المواطن، في الحي أو الدوار، جزءًا من منظومة العرض الوطني، قادرًا على تسويق منتوجاته المادية واللامادية، من الصناعة التقليدية إلى الفنون الشعبية، ومن المطبخ المحلي إلى الحكاية التراثية. إن الرهان هنا هو الانتقال من استضافة حدث رياضي إلى صناعة تجربة مجتمعية متكاملة يعيشها الزائر، وتترك أثرًا دائمًا في تمثلاته عن المغرب.
هذا الأفق يستدعي بدوره وضع برامج متعددة المستويات، وطنية وجهوية وإقليمية ومحلية، تنطلق من المجال الترابي الأقرب إلى المواطن، وتشتغل على تأهيل الفضاءات اليومية، من أحياء وشوارع ووسائل نقل، لتكون جزءًا من هذه الدينامية. فالملاعب لا تشتغل بمعزل عن محيطها، وسلوك المشجع داخلها هو امتداد لسلوكه خارجها. لذلك، فإن تحويل هذه الفضاءات إلى مجالات منظمة، نظيفة، ومؤطرة بالقيم، يسهم في بناء علاقة جديدة مع الفضاء العام، قائمة على الاحترام والانضباط، ويحد من قابلية الانزلاق نحو السلوك العنيف. كما أن إدماج المجتمع المدني في هذا الورش، وتمكينه من أدوات التأطير والتواصل، يظل عنصرًا حاسمًا في ضمان استمرارية الأثر التربوي خارج الأطر الرسمية.

تنقية وتأطير الفضاء الرقمي
ولا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الذي يلعبه الفضاء الرقمي، الذي أصبح اليوم أحد أهم محددات السلوك الجماهيري. فمواقع التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسائط لنقل الخبر، بل تحولت إلى فضاءات لتشكيل المواقف والانفعالات، وفي كثير من الأحيان إلى منصات لإنتاج خطاب التعصب والتحريض. من هنا، تبرز ضرورة بلورة برنامج وطني رقمي يهدف إلى إعادة توجيه هذه الفضاءات نحو وظائف إيجابية، عبر محاربة المحتويات السلبية، وتعزيز الخطاب المسؤول، وتوظيف الإمكانات الرقمية في الترويج لما يميز المغرب من قيم وثقافة وهوية. كما يمكن لهذا الفضاء أن يتحول إلى أداة فعالة في استقطاب الجماهير الدولية، عبر تقديم محتوى متعدد اللغات يعكس غنى التجربة المغربية، ويشجع على زيارتها.
التحولات السوسيولوجية للتشجيع… من الفرجة إلى التعبير الجماعي
إن ما يعرفه التشجيع الرياضي في المغرب اليوم لا يمكن فهمه خارج التحولات السوسيولوجية العميقة التي جعلت من المدرجات فضاءً للتعبير الجماعي، خاصة لدى فئة الشباب. فالجمهور لم يعد مجرد متلقٍ للفرجة، بل أصبح فاعلًا يُنتج رموزه وخطابه، سواء عبر الأهازيج أو (التيفوهات) أو الشعارات. هذه التحولات أفرزت إبداعًا جماهيريًا لافتًا، بات يحظى بمتابعة دولية، لكنها في الوقت ذاته طرحت إشكالات تتعلق بحدود التعبير، وبالعلاقة مع المؤسسات، وببروز أشكال من التوتر. إن قراءة هذه الظاهرة تقتضي التعامل معها كفرصة لفهم ديناميات الشباب، وليس فقط كخطر ينبغي احتواؤه، لأن العنف في هذا السياق يعكس في كثير من الأحيان اختلالات أعمق في الفضاء الاجتماعي.
الألتراس بين التأطير والاحتواء… طاقة تحتاج إلى شراكة
تشكل مجموعات (الألتراس) أحد أبرز مكونات المشهد التشجيعي، وهي تنظيمات شبابية تمتلك قدرات تنظيمية وتعبيرية مهمة، ولا يمكن اختزالها في بعدها السلبي فقط. فهذه المجموعات أنتجت ثقافة خاصة، وأساليب تعبير مبتكرة، وأدوارًا اجتماعية في بعض الحالات، لكنها في المقابل تحتاج إلى تأطير يضمن توجيه طاقتها نحو الإيجاب. من هنا، تبرز ضرورة الانتقال من منطق التعامل معها كموضوع أمني إلى اعتبارها شريكًا في صياغة الحلول، عبر فتح قنوات الحوار، وإشراكها في البرامج التوعوية، بما يُعزز شعورها بالانتماء ويُقلل من احتمالات الانزلاق.
غياب الجمهور عن النقاش… خلل في المقاربة
إن أي نقاش حول التشجيع الرياضي يظل ناقصًا إذا تم دون إشراك الجمهور نفسه، خاصة في صيغته المنظمة. فاللقاءات التي تُعقد بين المؤسسات الرسمية، رغم أهميتها، تفقد جزءًا من فعاليتها إذا لم تُدمج صوت المشجعين، الذين يمتلكون معرفة دقيقة بديناميات المدرجات. لذلك، يصبح من الضروري اعتماد مقاربة تشاركية، تقوم على إحداث فضاءات للحوار المنتظم، مثل مجالس جهوية ومحلية للتشجيع الرياضي، تضم مختلف المتدخلين، بما يسمح بإنتاج حلول واقعية ومستدامة.
نحن في حاجة إلى جمهور رياضي يدرك جيدا أنه ليس جمهور الأعراس والحفلات. بل هم تكتل جماهيري دوره التحفيز والدعم. ويدرك أن يخضع كذلك للتنقيط والتقييم، وأنه طرف في أي إنجاز أو تعتر.
كتاب التشجيع الرياضي وضع لتربية وتخليق الحياة الرياضية
ضمن هذا التصور الشامل، يأتي كتاب (التشجيع الرياضي(، الذي تم تقديمه من طرف الأسطورة بادو الزاكي، كمحاولة لتأطير النقاش حول هذه الظاهرة، ونقلها من مستوى التشخيص إلى مستوى البناء. فالكتاب، في طابعه التربوي والاجتماعي، يسعى إلى إعادة تعريف التشجيع باعتباره ممارسة ثقافية وسلوكية لها أبعاد متعددة، تتجاوز حدود المدرجات، وتمتد إلى علاقة الفرد بذاته وبمحيطه وبوطنه. كما يطرح جملة من الأسئلة المرتبطة بدور الإعلام، والأندية، والمؤسسات التربوية، في صناعة السلوك الجماهيري، ويقدم مقترحات عملية يمكن أن تشكل أساسًا لسياسات عمومية في هذا المجال.
إن التعامل مع ظاهرة الشغب في الملاعب لا يمكن أن يظل رهين ردود الفعل الظرفية، بل يتطلب انتقالًا نحو رؤية استراتيجية تدمج البعد الأمني بالبعد التربوي والثقافي والاقتصادي. فالمغرب، وهو مقبل على استحقاقات رياضية كبرى، أمام فرصة لإعادة بناء علاقة جديدة مع الرياضة وجمهورها، علاقة تقوم على الوعي والمسؤولية، وتُحوّل الفضاءات المرتبطة بها إلى مجالات منتجة للقيم، ومساهمة في التنمية، بدل أن تبقى مصدرًا للتوتر. وفي هذا الإطار، يصبح السؤال المطروح ليس فقط كيف نمنع الشغب، بل كيف نبني نموذجًا وطنيًا للتشجيع يجعل من الجمهور عنصر قوة وإشعاع، لا نقطة ضعف تُستدعى عند كل أزمة.



