اقلام حرة

إغلاق الأبواب في وجه الأفكار لا يحمي الحقيقة

إغلاق الأبواب في وجه الأفكار لا يحمي الحقيقة

في مشهد كان يفترض أن يكون احتفاءً بالكلمة الحرة، وبالعقل المتنور، وبحق الاختلاف، طفا على السطح سلوك يثير أكثر من علامة استفهام: منعُ مثقفٍ ومفكر من ولوج معرض للكتاب بسبب مواقفه أو آرائه. حدث لا يمكن عزله عن سياق أوسع، لكنه في الآن ذاته يضعنا أمام سؤال جوهري: هل ما زالت فضاءات الثقافة تتسع للجميع، أم أنها بدأت تضيق بمن لا ينسجم مع “مزاج” معين؟

المعارض الدولية للكتاب، في جوهرها، ليست مجرد تظاهرات لبيع الكتب أو توقيع الإصدارات، بل هي فضاءات رمزية لحرية الفكر، ومنصات للحوار بين المختلفين قبل المتشابهين. إنها مرآة لمستوى نضج المجتمعات في تقبل التعدد، وفي احترام حق التعبير، مهما كان هذا التعبير مزعجًا أو مخالفًا للسائد.

حين يمنع مفكر لأنه “يقول ما لا يعجب”، فإننا لا نعاقب شخصًا بعينه، بل نضيق الخناق على الفكرة ذاتها. والأخطر من ذلك أننا نبعث برسالة ضمنية مفادها أن الثقافة لم تعد حقلًا للنقاش، بل ساحةً للانتقاء والإقصاء. فيتحول الاختلاف من قيمة مضافة إلى تهمة، ومن حق مشروع إلى مبرر للمنع.

إن المفارقة المؤلمة في مثل هذه الوقائع، أن المثقف المعني لم يكن يحمل سلاحًا، لم يكن يهدد أمنًا أو سلامًا، بل حمل فكرًا—قد نتفق معه أو نختلف، قد نرفضه أو ننتقده، لكن الأصل أن نواجهه بالحجة لا بالإقصاء، وبالنقاش لا بالمنع. فالفكرة لا تُهزم إلا بفكرة، ولا تُقابل إلا بنقاش مفتوح ومسؤول.

حرية التعبير ليست شعارا يرفع في المناسبات، بل هي ممارسة يومية تختبر في مثل هذه اللحظات بالذات. تختبر حين يكون الصوت مختلفًا، وحين يكون الرأي صادمًا أو غير مريح. أما حرية التعبير التي لا تقبل إلا ما يوافقها، فليست حرية، بل شكلٌ آخر من أشكال الهيمنة الناعمة.

قد يختلف البعض مع هذا المفكر، وقد تكون له مواقف تثير الجدل أو حتى الرفض، لكن المعارض الثقافية لا تُبنى على شرط الإجماع، بل على مبدأ التعدد. فالثقافة التي تخاف من الاختلاف، تفقد روحها. والمجتمع الذي يُقصي مفكريه، يفرغ نفسه من إمكانيات التطور.

ما حدث لا يثير فقط الاستغراب، بل يبعث على الاشمئزاز الثقافي—لأنه يُفرغ الفعل الثقافي من معناه النبيل، ويحول الفضاءات المفتوحة إلى مناطق مغلقة بشروط غير معلنة. وهو ما يستدعي وقفة تأمل حقيقية: أيُّ نموذج ثقافي نريد؟ وأيُّ رسالة نبعث بها للأجيال القادمة؟

ويبقى الرهان الحقيقي ليس في الاتفاق، بل في القدرة على إدارة الاختلاف. فالمعارض التي تُقصي، تخسر رسالتها. والثقافة التي تُصادر، تفقد شرعيتها. أما الفكر—مهما حوصر—فسيجد دائمًا طريقه إلى النور.

صفحة ياسمين الحاج yasmine elhaj

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى