ميساج

حول منع المعطي منجب من دخول معرض الكتاب… من يحرس المعنى؟

 

 

ليس أخطر على مجتمعٍ من أن يُغلق أبواب المعرفة في وجه أبنائه، مهما اختلفت آراؤهم أو تباينت مواقعهم. لأن الكتاب، في جوهره، ليس سلعة تُباع وتُشترى، بل حق إنساني، ومتنفّس حضاري، وجسر عبور نحو الفهم والتفكير. ومن هنا، فإن ما قيل عن منع المعطي منجب من دخول المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط، يضعنا أمام سؤال مقلق: هل بدأنا نُحوّل فضاءات الثقافة إلى مجالات انتقاء، بدل أن تبقى مجالات احتواء؟

إن المعرض الدولي للكتاب ليس مؤسسة أمنية، ولا فضاءً سياسياً مغلقاً، بل هو، في عمقه، تعبير رمزي عن انفتاح الدولة والمجتمع على الفكر، وعلى الاختلاف، وعلى التعدد. ومن ثَمّ، فإن منع أي مواطن من الولوج إليه – كيفما كانت المبررات أو الخلفيات – يظل سلوكاً يحتاج إلى مراجعة عميقة، لأن الرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج ليست إدارية بقدر ما هي رمزية: أن الثقافة يمكن أن تُقيَّد، وأن الكلمة قد تُراقَب، وأن الحضور الفكري ليس حقاً مطلقاً.

ولكي نُدرك حجم المفارقة، يكفي أن نتأمل قاعدة إنسانية وقانونية راسخة: حتى من حُكم عليه بالسجن المؤبد، لا يُمنع من القراءة، ولا تُسلب منه الكتابة، بل تُعتبر هذه الحقوق جزءاً من إعادة التأهيل، ومن صيانة الكرامة الإنسانية. فكيف نقبل، في المقابل، أن يُحرم مثقف – مهما اختلفنا معه – من دخول معرض للكتاب؟ أليس في ذلك اختلال في ترتيب الأولويات؟ أم أننا بدأنا نُضيّق ما هو متسع، ونُوسّع ما هو مُقيَّد؟

إن الدفاع عن حق منجب في الولوج إلى المعرض ليس دفاعاً عن مواقفه، ولا اصطفافاً مع اختياراته، بل هو دفاع عن مبدأ أسمى: أن الثقافة لا تُدار بمنطق المنع، بل بمنطق الحوار. فالمعرض، في فلسفته، هو مكان للقاء المختلفين، لا لإقصاء المختلف. وإذا تحوّل إلى فضاء انتقائي، فقد جوهره، وفقد رسالته، وتحول من منصة إشعاع إلى نقطة توتر.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز اسم الطاهر بن جلون، الذي ارتبطت مواقفه الأخيرة بقضية منجب. فحسب ما نُقل عن هذا الأخير، فإن بن جلون قد راجع موقفه، وانتقد – بأسلوب صريح – بعض الممارسات التي تمس بحرية التنقل والتعبير، معتبراً أن المواطن، مهما كان موقعه، لا ينبغي أن يُعامل خارج منطق الحقوق. وهذه المراجعة، إن صحت، تفتح باباً مهماً للنقاش حول أخلاقيات المثقف: هل يملك الشجاعة ليعترف بخطئه؟ وهل يستطيع أن ينحاز للحق، حتى لو كان ذلك على حساب مواقفه السابقة؟

غير أن الأهم من مراجعة المواقف هو ترميم الثقة داخل الحقل الثقافي. لأن ما وقع – سواء في منع منجب أو في السجال الذي أحاط به – يكشف عن هشاشة عميقة في العلاقة بين المثقف والمؤسسة، وبين المثقفين أنفسهم. فحين تتحول الخلافات الفكرية إلى اصطفافات حادة، وحين يصبح الولوج إلى فضاء ثقافي محل جدل، فإننا لا نكون أمام حادث عابر، بل أمام مؤشر على خلل بنيوي يحتاج إلى شجاعة في التشخيص قبل الجرأة في المعالجة.

إن المغرب، الذي يراهن على إشعاعه الثقافي، وعلى تنظيم تظاهرات دولية كبرى، لا يمكنه أن يربح هذا الرهان إذا لم يضمن، أولاً، حرية الولوج إلى المعرفة. لأن صورة البلد لا تُبنى فقط بالمشاريع والبنايات، بل تُبنى أيضاً بالرسائل الرمزية التي تصل إلى العالم: هل نحن بلد يحتضن الاختلاف، أم يخشاه؟ هل نفتح أبواب الكتاب للجميع، أم نضع له حراساً غير مرئيين؟

في النهاية، لسنا أمام قضية شخص، بل أمام قضية مبدأ. مبدأ يقول إن:

المعرض ليس بوابة تُفتح للبعض وتُغلق في وجه البعض، بل فضاءٌ للجميع… ومن يُمنع من دخوله، كأننا نمنع جزءاً من ذاكرتنا الجماعية من أن تتنفس.

إن الدفاع عن هذا المبدأ اليوم، هو دفاع عن مغرب الغد… مغربٍ لا يخاف من الكلمة، ولا يرتبك أمام الاختلاف، ولا يُخطئ في ترتيب القيم: حيث تبقى الثقافة أعلى من كل اعتبار، وأوسع من كل حساب..

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى