السينما والتاريخ بأكادير.. حين تتحول الشاشة إلى ذاكرة وطنية نابضة

اختُتمت أمس الجمعة بمدينة أكادير فعاليات الدورة الأولى من الملتقى الدولي للسينما والتاريخ (RICH)، في تجربة ثقافية وفنية حملت الكثير من الرسائل الرمزية والفكرية، وأعادت التأكيد على أن السينما ليست مجرد وسيلة للفرجة والترفيه، بل فضاء حقيقي لحفظ الذاكرة الجماعية وصناعة الوعي التاريخي والثقافي للأمم. هذا الملتقى الذي احتضنه فضاء سينما الصحراء، جاء تحت شعار “إحياء الذكرى السبعين لاسترجاع السيادة الوطنية 1956 – 2026”، في لحظة وطنية تحمل دلالات قوية مرتبطة بتاريخ المغرب الحديث ومسار بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال.

وقد نجح النادي السينمائي نور الدين الصايل، بشراكة مع مركز سوس ماسة للتنمية الثقافية وجماعة أكادير والجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب، في تحويل هذا الموعد السينمائي إلى منصة للحوار بين الفن والتاريخ، وبين الصورة والذاكرة، وبين الأجيال التي عاشت بعض محطات المغرب الكبرى والأجيال الجديدة التي تبحث عن فهم أعمق لماضي وطنها من خلال لغة الصورة والإبداع الفني.

وعرفت هذه الدورة حضور عدد من الباحثين والطلبة والمهتمين بالشأن الثقافي والسينمائي، إلى جانب عشاق الفن السابع، الذين تابعوا برنامجاً متنوعاً جمع بين عروض سينمائية ونقاشات فكرية حول العلاقة المعقدة بين السينما والتاريخ. وهي علاقة ظلت دائماً تطرح أسئلة جوهرية حول كيفية إعادة بناء الوقائع التاريخية فنياً، وحدود التخييل في تناول الأحداث الوطنية، ودور السينما في حماية الذاكرة من النسيان أو التشويه.

واختار المنظمون خمسة أفلام ذات حمولة رمزية وتاريخية قوية، افتتحت بفيلم صديقتنا المدرسة للمخرج العربي بنشقرون، الذي استحضر مرحلة ما بعد الاستقلال وما رافقها من تحولات اجتماعية وتربوية وثقافية عاشها المغرب في بدايات بناء الدولة الوطنية الحديثة. كما تم عرض فيلم إبراهيم: بداية وأمل للمخرج جان فليشي، الذي وثق بدوره لجانب من التحولات المجتمعية والثقافية التي عرفها المغرب خلال تلك المرحلة المفصلية.
وشهد الملتقى أيضاً لحظة وفاء واعتراف بالتجربة السينمائية الكبيرة للمخرج المغربي سهيل بنبركة، من خلال عرض فيلم من رمل ونار، إضافة إلى الفيلم التاريخي الشهير معركة الملوك الثلاثة (فرسان المجد)، الذي يعتبر من أبرز الأعمال السينمائية المغربية والعربية التي تناولت واحدة من أهم المحطات التاريخية في تاريخ المغرب، وهي معركة وادي المخازن، بأسلوب سينمائي ملحمي أعاد تقديم التاريخ المغربي للعالم بلغة الصورة والإنتاج السينمائي الضخم.
أما حفل الاختتام، فقد تميز بعرض فيلم 44 أو أسطورة الليل للمخرج مومن السميحي، وهو عمل سينمائي يحمل بصمة فنية خاصة تمزج بين الرمز والتاريخ والرؤية الجمالية العميقة، في تجربة تؤكد غنى السينما المغربية وتنوع مدارسها الفنية والفكرية.
لقد أثبت هذا الملتقى أن السينما قادرة على لعب أدوار تتجاوز قاعات العرض، لتتحول إلى أداة للتربية على المواطنة، وحفظ الذاكرة الوطنية، وإحياء النقاش العمومي حول محطات تاريخية كبرى ساهمت في تشكيل الهوية المغربية. كما أكد أن ربط السينما بالبحث الأكاديمي والتاريخي يمثل مدخلاً أساسياً لبناء وعي جماعي جديد يجعل من الصورة وسيلة لفهم الماضي واستشراف المستقبل.
ويرى عدد من المتتبعين أن هذه المبادرة الثقافية النوعية تشكل إضافة حقيقية للمشهد الثقافي بمدينة أكادير، خاصة في ظل الحاجة إلى تظاهرات فكرية وفنية قادرة على إعادة الاعتبار للسينما الجادة، وربط الأجيال الجديدة بتاريخ وطنها وقضاياه الكبرى. كما يأمل المهتمون أن يتحول هذا الملتقى إلى موعد سنوي قار يستقطب أسماء وتجارب وطنية ودولية، ويجعل من أكادير فضاءً مفتوحاً للحوار بين السينما والتاريخ والذاكرة.
بقلم: بوشعيب حمراوي



