ميساج

هناك تحاسبهم الثقة… وعندنا تحميهم المناصب …. في النرويج تكفي الشبهة للرحيل… وعندنا لا تكفي الكوارث

 

قبل نحو خمس سنوات، استقالت رئيسة البرلمان النرويجي من منصبها، بعدما تبيّن أنها استفادت من شقة حكومية مخصصة للبرلمانيين الذين تبعد مساكنهم أكثر من أربعين كيلومترًا عن مقر البرلمان، بينما كان منزلها يبعد تسعة وعشرين كيلومترًا فقط.

أحد عشر كيلومترًا كانت كافية لإسقاط رئيسة مؤسسة تشريعية، ليس لأن المبلغ الذي استفادت منه قادر على إفلاس الدولة، بل لأن الأمر مسَّ الثقة، وأخلَّ بمبدأ المساواة، ووضع المسؤولة السياسية في موقع من استفاد من امتياز لا يستحقه. فاعتذرت، واستقالت، وأعلنت استعدادها لإرجاع ما ترتب عن استفادتها.

هنا لا بد أن نتساءل: ما قيمة هذا التجاوز المحدود أمام هول ما يُنسب إلى بعض البرلمانيين والوزراء والمسؤولين عندنا من تضارب للمصالح، واستغلال للنفوذ، وتبديد للمال العام، وتوظيف للمناصب لخدمة الأقارب والمقربين، أو التقصير في تدبير قطاعات تمس حياة المواطنين ومستقبلهم؟

كم من مسؤول أخفق، وكم من وزير تورط في قرار كارثي، وكم من منتخب لاحقته الشبهات، ومع ذلك لم نسمع باستقالة سياسية تحفظ كرامة المؤسسة، ولم نشاهد إقالة توازي حجم الضرر، بل غالبًا ما يستمر المسؤول في منصبه وكأن شيئًا لم يقع.

الفرق بيننا وبين النرويج ليس في عدد الكيلومترات، ولا في قيمة الشقة، بل في معنى المسؤولية السياسية. هناك، يكفي أن تهتز الثقة حتى يرحل المسؤول. وعندنا، قد تهتز قطاعات كاملة، وتتضرر مصالح آلاف المواطنين، ويبقى الجميع في أماكنهم.

إن الاستقالة ليست اعترافًا بالهزيمة، بل سلوك ديمقراطي يحفظ هيبة الدولة والمؤسسات. أما التمسك بالمنصب رغم الفشل أو الشبهة، فهو الذي يهدم الثقة ويجعل المواطن يشعر بأن المحاسبة لا تطال إلا الضعفاء.

بقلم: بوشعيب حمراوي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى