ميساج

حكاية زر قميص الوزير… التفاصيل التافهة تلتهم قضايا الناس

.بينما كان الجميع يطارد زر قميص الوزير وربطة عنقه .. مرّت القوانين، تعطلت المشاريع، وتوارت قضايا الناس خلف ضجيج التفاهة

حكاية زر قميص الوزير… التفاصيل التافهة تلتهم قضايا الناس

.بينما كان الجميع يطارد زر قميص الوزير وربطة عنقه .. مرّت القوانين، تعطلت المشاريع، وتوارت قضايا الناس خلف ضجيج التفاهة

قصة بوشعيب حمراوي

كان الوطن يستيقظ كل صباح على ما يكفي من القضايا التي تشغل بال المواطنين والإعلاميين والحقوقيين والسياسيين. وتستنفر المسؤولين…
في المدن كما في القرى والمداشر والضواحي يشتكي الناس من الغلاء، والازدحام، والسكن، والنقل، والبطالة، وارتفاع تكاليف العلاج والدراسة والنظافة …
كانت مشاريع تنتظر منذ سنوات أن تنتقل من الأوراق إلى الأرض، ومستشفيات تبحث عن أطباء وتجهيزات، وأحياء تنتظر الطرق والتطهير والإنارة وفضاءات للأطفال والشباب.
كانت أسر تقطع الكيلومترات بحثًا عن العلاج، وتلاميذ يستيقظون قبل الفجر للوصول إلى مدارس بعيدة، ونساء ينتظرن الماء، وفلاحون يراقبون السماء والآبار والأسعار بقلق متزايد.


وكان شباب في مختلف الجهات يحملون الشهادات ويبحثون عن فرصة عمل، وآخرون يحلمون بمغادرة الوطن لأنهم تعبوا من انتظار فرصة قد تأتي أو لا تأتي.
وكان آباء يراجعون مصاريف الشهر أكثر مما يراجع أبناؤهم دروسهم، لأن الراتب صار يحتاج إلى آلة حاسبة قبل أن يصل إلى منتصف الشهر.
وكان متقاضون ينتظرون الأحكام. ومرضى ينتظرون المواعيد.
وتلاميذ ينتظرون مدرسة أفضل. وعاطلون ينتظرون الشغل.
ومستثمرون ينتظرون تبسيط المساطر.
وسكان مناطق كاملة ينتظرون الماء والطريق والنقل والمستشفى.
كانت البلاد، باختصار، تملك من القضايا الجادة ما يكفي لإشغال السياسيين والإعلام والمجتمع لعقود… وكان الشد والجذب بين المواطنين والمسؤولين.

الصدمة الكبرى : السيد الوزير يظهر بزر مفتوح ..

في ذلك الصباح لم ينشغل هؤلاء و أولائك بأي شيء يخص المواطن. لأن السيد الوزير نزل من سيارته. وكان زر قميصه مفتوحًا.
زر واحد… لا أكثر. لكن أمة كاملة كادت أن تتوقف من أجله.
التقط مصور الصورة. وفي أقل من دقائق، نشر أحد المواقع الالكترونية عنوانًا عريضًا:
«السيد الوزير يظهر بزر قميص مفتوح… صورة تثير الجدل»

وفي الحقيقة، لم يكن هناك أي جدل قبل نشر الخبر. لكن حين تقول وسائل الإعلام إن هناك جدلًا، يشعر الناس أحيانًا أن من واجبهم الوطني أن يصنعوه.
فبدأت التعليقات..واشتعلت الصفحات..وتناسلت التأويلات وتعددت الروايات. ونسي كثيرون أن هناك أصلًا موضوعات أخرى ذات أولوية تستحق النقاش.
في مدينة ساحلية، كان صيادون يشتكون من تراجع مداخيلهم.
وفي مدينة صناعية، كان عمال يخشون إغلاق مصنع.
وفي منطقة جبلية، كان سكان ينتظرون فك العزلة.
وفي قرية نائية، كان طفل مريض يحتاج إلى سيارة إسعاف.
وفي مدينة جامعية، كان طلبة يبحثون عن السكن والنقل.
وفي مكان آخر، كان مشروع ضخم معلن منذ سنوات قد توقف حتى صار الناس لا يعرفون هل هو مشروع مؤجل أم مجرد ذكرى في أرشيف التصريحات.
ومشاريع أخرى بدأت بحفلات التدشين، والابتسامات، والوعود، والصور الجماعية، ثم تبخرت بهدوء، كأنها لم تكن يومًا إلا دخانًا سياسيًا مر من هنا.

لكن معظم الاعلام الرقمي والورقي يتابع موضوع زر قميص السيد الوزير. و مواقع التواصل و شاشات التلفزيونات كانت تعرض صورة مكبرة لصدر السيد الوزير. و تحليلات مختلفة.
والمذيع يقول بنبرة لا تُستعمل عادة إلا في الأزمات الكبرى: القضية تثير نقاشًا واسعًا… لماذا ظل الزر مفتوحًا؟
كان المشاهد يرى الصورة مكبرة إلى درجة تكاد معها خيوط القميص تصبح أوضح من مشاكل الوطن.
استُدعي الخبراء. محلل سياسي.باحث اجتماعي.خبير في التواصل.
محام.خبير في البروتوكول.وخبير في الأناقة…
قال المحلل: في السياسة، التفاصيل تحمل رسائل.
وقال الباحث الاجتماعي: نحن أمام تحول في علاقة المسؤول بصورته داخل المجتمع.
وقال خبير التواصل: وضعية الزر تكشف مؤشرات نفسية مهمة.
وقال محامي: يجب أولًا أن نعرف هل هناك نص قانوني ينظم هذه المسألة.
أما خبير الأناقة، فقد حسم الأمر: كان ينبغي إغلاق الزر.
هز الجميع رؤوسهم. وكأن الدولة كادت تنهار لولا هذا التوضيح.
وفي اليوم التالي، لم تعد القضية مجرد صورة…. أصبحت «ملفًا».
كتبت صحيفة: «من فتح زر قميص السيد الوزير؟»
وكتب موقع آخر: «ما الذي حدث داخل سيارة السيد الوزير قبل وصوله بدقائق؟»
ونشر ثالث تحقيقًا استقصائيًا تحت عنوان: «الزر المفتوح… خمس دقائق غامضة تسبق الظهور أمام الكاميرات»
ثم ظهر «مصدر مطلع» يؤكد أن السيد الوزير شوهد قبل ساعات والقميص مغلق تمامًا.
وكان ذلك كافيًا لإشعال مرحلة جديدة من التحقيق الشعبي.
إذا كان الزر مغلقًا صباحًا، فمتى فُتح؟.. هل فُتح داخل السيارة؟
هل شعر السيد الوزير بأنه فُتح؟.. هل أخبره أحد؟..وهل حاول أحد إخفاء الأمر؟

تحولت البلاد إلى لجنة تحقيق ضخمة.

وفي الخلفية، حيث توجد القضايا التي لا تحصل على عناوين صارخة، كانت أمور أكبر تمر بهدوء يكاد يكون مثيرًا للسخرية.
تم تمرير قانون الإضراب، بما يحمله من أسئلة حول ممارسة حق دستوري وحدود تنظيمه وآثاره على الأجراء والمشغلين والمجتمع، لكن الزر كان أكثر قدرة على اجتذاب العيون.
وتم تمرير قانون الصحافة، بما يثيره من نقاش حول المهنة واستقلاليتها وتنظيمها ومستقبل الصحفيين والناشرين، لكن جمهورًا واسعًا كان مشغولًا بالسؤال الأهم: هل كان الزر الأول أم الثاني هو المفتوح؟
وتم تمرير قانون المحاماة، وما يرتبط به من نقاشات مهنية وحقوقية وقضائية تمس المحامين والمتقاضين وسير العدالة، بينما كانت بعض الشاشات تبحث بجدية في تاريخ صناعة أزرار القمصان الرسمية.

وكانت مشاريع تتعطل بصمت. ومخططات تتأخر. ووعود تتقادم.
ومشاريع أخرى تتبخر من الخطابات كما يتبخر الماء في عز الصيف، بعد أن كانت يومًا عناوين ضخمة في نشرات الأخبار وخطب المسؤولين.
كان يمكن لكل واحد من هذه الملفات أن يفتح نقاشًا وطنيًا حقيقيًا.
لكن الوطن كان قد فتح شيئًا آخر.
زر قميص السيد الوزير.
في الوقت نفسه، كان ثمن مواد أساسية يرتفع في أسواق عدة.
وكان فلاحون في مناطق مختلفة يناقشون أزمة المياه.
وكانت أسر تبحث عن دواء. وكان شباب ينتظرون مباريات التوظيف. وكانت مقاولات صغيرة تواجه صعوبات.
لكن تلك الملفات كانت ثقيلة.تحتاج إلى أرقام.وتحقيق.ومساءلة.
ومتابعة طويلة.
أما الزر، فكان سهلًا. صورة واحدة. وتعليق واحد. وسؤال مثير.
وعشرات آلاف النقرات. ولهذا انتصر الزر.

دخل السياسيون على خط زر قميص السيد الوزير

قال حزب معارض: «إن واقعة زر قميص السيد الوزير تطرح أسئلة مشروعة حول صورة المسؤول العمومي».
ورد حزب آخر: «إن تضخيم موضوع عادي محاولة لصرف النظر عن القضايا الحقيقية».
لكن الحزب نفسه أصدر بعد ساعات ثلاثة تصريحات حول الموضوع. ثم خرج سياسي ثالث ليقول: لا أريد الدخول في سجال الزر. وظل يتحدث عن الزر عشر دقائق كاملة.
انتقلت القضية إلى البرلمان. وقف نائب وقال: المواطن ينتظر جوابًا واضحًا.
ظن المشاهدون أنه سيسأل عن غلاء الأسعار أو البطالة أو الصحة أو التعليم، أو عن المشاريع التي تعطلت، أو عن القوانين التي مرّت وسط خلافات واسعة، أو عن الوعود التي أصبحت أقدم من أصحابها. لكنه قال: هل كان السيد الوزير يعلم أن زر قميصه مفتوح؟
تعالت الأصوات. فقال نائب آخر: هذه ليست أولوية المواطنين.
صرخ آخر: ومن أعطاك الحق لتحديد أولويات المواطنين؟
وبدأت مشادة.ثم رُفعت الجلسة.
وفي المساء كان العنوان الاعلامي : «أزمة داخل البرلمان بسبب زر قميص السيد الوزير» أما القوانين والملفات والمشاريع التي كان يفترض أن يناقشها البرلمان في ذلك اليوم، فقد ظهرت في آخر النشرة، بعد أحوال الطقس.
ثم دخلت مواقع التواصل في مرحلة الحرب الأهلية الرقمية.
ظهر وسم:
#أغلقوا_الزر
ورد عليه:
#دعوا_الوزير_وشأنه
ثم:
#الزر_ليس_أولوية
ورد عليه آخرون:
#بل_هو_قضية_رمزية
وتحول الملايين إلى متخصصين في القمصان. شخص شرح تاريخ الأزرار منذ القرن الثامن عشر. وآخر نشر صور مسؤولين عالميين بأزرار مفتوحة. وثالث أعلن أنه سيقاطع كل من يدافع عن الوزير.
ومؤثر دخل في بث مباشر وقال: هذه لحظة فاصلة في تاريخ الوطن.
سأله متابع: لماذا؟… فأجاب بعد صمت: لأننا يجب أن نعرف الحقيقة…. ولم يقل أي حقيقة. لكن الجمهور صفق افتراضيًا.
في ذلك اليوم نفسه، صدر تقرير مهم حول التعليم.
لم يقرأه إلا القليل. ونشرت أرقام عن البطالة. مرت سريعًا.
وحذرت جهة من مشكلة مرتبطة بالماء. لم ينتبه إليها كثيرون.
وطالب مواطنون في مناطق مختلفة بتحسين الخدمات الصحية.
وتجدد النقاش حول قوانين تمس العمل والصحافة والعدالة.
وتوقف مشروع هنا. وتأخر مشروع هناك.
واختفى مشروع ثالث من التداول تمامًا، بعد أن كان أصحابه يتحدثون عنه كما لو أنه سيغير وجه المنطقة في بضعة أشهر.
لكن منشورًا بعنوان: «شاهد ماذا فعل السيد الوزير بزر قميصه!»
حقق مشاهدات أكثر من كل تلك الأخبار مجتمعة.
بعد أيام، ظهر خياط على إحدى القنوات. قال المذيع: بصفتك متخصصًا، هل يمكن أن ينفتح الزر وحده؟
أجاب الخياط: نعم، بحسب نوع الخيط وحجم العروة وحركة الجسم.
اعتدل المذيع في جلسته وقال: إذن نحن أمام تطور جديد.
وفي دقائق ظهر عنوان عاجل اسفل الشاشة: «خبير يكشف مفاجأة في ملف زر قميص السيد الوزير»
لم تعد المسألة خبرًا. صارت «ملفًا». بدأت الجمعيات تصدر البيانات.
جمعية دافعت عن حرية اللباس. وأخرى تحدثت عن هيبة المسؤول. وثالثة طالبت بعدم تسييس القمصان. ورابعة عقدت ندوة بعنوان: «الزر المفتوح بين الحرية الفردية وصورة المؤسسة»
في اليوم نفسه، نُظمت ندوة عن الهدر المدرسي. كان الحضور فيها محدودًا. وندوة أخرى عن أثر تعطل المشاريع على التنمية لم تحظ إلا بخبر قصير. أما نقاش مهني حول قانون يمس قطاعًا كاملًا، فمر من دون أن يتصدر «الترند».
فالزر كان أكثر جاذبية من مستقبل آلاف الأطفال، وأكثر إثارة من مصير مشاريع بالملايير، وأكثر قدرة على جمع المشاهدات من قوانين قد تؤثر في حياة الناس لسنوات.
أخيرًا خرج السيد الوزير للصحافة. قال جملة واحدة: كان الجو حارًا فانفتح الزر دون أن أنتبه. ظن الرجل أن الموضوع انتهى.
لكنه لم يكن يعرف أن الوطن أصبح يحتاج إلى تفسير علمي.
ظهر خبير في الطقس وقال: درجة الحرارة المسجلة لا تكفي وحدها لتفسير الواقعة. ورد خبير آخر: يجب أخذ الرطوبة بعين الاعتبار. وظهر ثالث يتحدث عن سرعة الرياح.
وصار المواطن الذي لا يعرف متى سيحصل على موعد طبي، يعرف درجة الحرارة ونسبة الرطوبة وسرعة الرياح ساعة خروج السيد الوزير من السيارة.
أما تفاصيل القوانين التي ستنظم حقوقه ومهنته ومحاكمه، فلم يكن كثيرون يعرفون عنها إلا عناوين متفرقة.
ومع مرور الأيام، تحولت التفاهة إلى اقتصاد كامل.
مواقع تحقق الزيارات. قنوات ترفع المشاهدة. مؤثرون يجمعون المتابعين. سياسيون يستثمرون في السجال. خبراء يظهرون على الشاشات. وصانعو النكات يجدون مادة مجانية.
كل طرف ربح شيئًا من الزر. إلا المواطن. هو وحده بقي يحمل مشاكله القديمة.
وفي الشمال كان شاب يبحث عن عمل.
وفي الجنوب كانت قرية تنتظر الماء.
وفي الشرق كانت أسرة تنتظر العلاج.
وفي الغرب كان صاحب مشروع صغير يخشى الإفلاس.
وفي الجبال كانت أسرة تبحث عن طريق.
وفي المدن كان الناس يشتكون من النقل والسكن والغلاء.
وفي الجامعات كان الطلبة يسألون عن المستقبل.
وفي المدارس كان المدرسون والتلاميذ يواجهون مشاكلهم اليومية.
وفي المستشفيات كان المرضى ينتظرون.
وفي المحاكم كان المتقاضون ينتظرون العدالة.
وفي الإدارات كانت ملفات مشاريع متوقفة تجمع الغبار.
وفي الذاكرة الجماعية كانت مشاريع أخرى قد اختفت حتى لم يعد الناس يعرفون إن كانت قد أُلغيت أم نُسيت أم تبخرت.

كل واحد من هؤلاء كان يحمل قضية حقيقية.
لكن لا أحد منهم امتلك زرًا مفتوحًا يستطيع به دخول «الترند».
بعد أسبوع، ظهر السيد الوزير من جديد.
هذه المرة أغلق جميع أزرار قميصه بعناية.
راقبه المصورون. بدا كل شيء طبيعيًا.
قال مذيع: يبدو أن الجدل انتهى.
لكن أحد الصحفيين كبّر الصورة. ثم كبّرها أكثر. وصاح: انتظروا!
تجمع الجميع. قال: ربطة العنق مائلة قليلًا إلى اليسار.
ساد الصمت. وفي ثوانٍ، اهتزت الهواتف في أنحاء الوطن.
ظهر الوسم:
#لماذا_مالت_الربطة
وعادت القنوات. وعاد الخبراء. وعادت الأحزاب. وعادت البيانات.
وقال خبير لغة الجسد: لا يمكن فصل ميلان ربطة العنق عن واقعة الزر السابقة.
وهكذا انتقل الوطن من أزمة الزر إلى أزمة الربطة دون فترة انتقالية. أما القوانين، فكانت قد مرت. والمشاريع، فمنها ما ظل متعطلًا. ومنها ما تبخر. ومنها ما بقي ينتظر من يسأل عنه.
جلس رجل مسن في مقهى صغير يشاهد كل ذلك. كان حوله رجال يناقشون اتجاه الربطة.
قال أحدهم: أعتقد أنها مالت بسبب طريقة وقوف السيد الوزير.
قال آخر: لا، الصورة تحمل رسالة.
التفت الرجل المسن إليهم وقال: في هذه البلاد مدن تنتظر مستشفيات، وقرى تنتظر الطرق والماء، وشباب ينتظرون العمل، وأسر تنتظر انخفاض الأسعار، وتلاميذ ينتظرون تعليمًا أفضل، ومتقاضون ينتظرون العدالة، ومهنيون ينتظرون قوانين منصفة، ومشاريع تنتظر من ينقذها من التعطيل… وأنتم تنتظرون معرفة سبب ميلان ربطة عنق؟
ساد الصمت لحظة.ثم قال أحدهم: نعم، ولكن المسألة أثارت الرأي العام.
ابتسم الرجل وقال: الرأي العام لا يولد دائمًا من أهمية القضية. أحيانًا نصنع نحن قضية تافهة، ثم نستخدم اهتمامنا بها دليلًا على أهميتها.
ثم أضاف: الإعلام الذي يطارد التفاهة مسؤول، والسياسي الذي يستثمر فيها مسؤول، والمؤثر الذي يتاجر بها مسؤول، لكن المواطن الذي يمنحها يومه وعقله وغضبه ليس بريئًا أيضًا.
قال رجل آخر: وهل يمكن للتفاهة أن تكون بهذا الخطر؟
أجابه: التفاهة لا تهدم وطنًا لأنها كبيرة، بل لأنها تسرق المكان من الأشياء الكبيرة. وحين نكتشف ما فعلته، نكون قد صرفنا وقتنا في متابعة زر، بينما مرت قوانين، وتعطلت مشاريع، وتبخرت أخرى، وضاعت فرص، وتأجلت إصلاحات، وتراكمت مشاكل الناس.
وفي اللحظة نفسها ظهر شريط عاجل على شاشة التلفزيون:
«مصادر: الرياح قد تكون وراء ميلان ربطة عنق السيد الوزير»
قال المذيع بحماس:معنا بعد قليل خبير لشرح اتجاه الرياح لحظة وصول السيد الوزير. نهض الرجل المسن.سأله صاحب المقهى: ألا تريد سماع الخبير؟
قال: لا… لماذا؟ ..أجاب: لأن هناك في هذا الوطن من يحتاج إلى من يسأل عن الماء، ومن يسأل عن المدرسة، ومن يسأل عن المستشفى، ومن يسأل عن الشغل، ومن يسأل عن الأسعار، ومن يسأل عن العدالة، ومن يسأل عن القوانين التي تمس حياته، ومن يسأل عن المشاريع التي وُعد بها ثم تعطلت أو اختفت.
ثم نظر إلى الشاشة وأضاف: أخشى أن نستيقظ يومًا فنكتشف أننا عرفنا كل شيء عن زر قميص السيد الوزير وربطة عنقه…
بينما كانت القوانين تمر، والمشاريع تتعطل، وأخرى تتبخر، وقضايا الناس تخرج واحدة تلو الأخرى من دائرة الاهتمام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى