سبتة بعيون “أمريكية”: مدينة على مفترق طرق الإمبراطوريات

سبتة بعيون “أمريكية”: مدينة على مفترق طرق الإمبراطوريات
في مقال تحليلي بمجلة “فورين بوليسي” الأمريكية، أكد الكاتب والأكاديمي الأمريكي، والصحافي سابقاً في نيويورك تايمز، “هاوارد دبليو فرنش”، أن الوجود الاستعماري الإسباني بمدينة سبتة يشكل “شذوذاً تاريخياً”، معتبراً أن عودة المدينة إلى السيادة المغربية “أمر حتمِي”، وأنه “من المستبعد استمراره طويلاً في العصر الحديث”.
بل الأكثر من ذلك، أكد الكاتب الأمريكي أن وجود إسبانيا في سبتة ومليلية والجزر “يتجاوز منطق العصر”، معتبراً بقاء أراضٍ استعمارية في شمال إفريقيا، خلال القرن الحادي والعشرين، “انحرافاً عن التطورات الجيوسياسية”، التي تشهدها المنطقة والعالم كله، ودعا إلى “عدم حصر أحداث المدينة في قضايا الهجرة الحدودية”، بل “إرجاعها إلى سياقها التاريخي كإرث استعماري”.
وفي سياق ما سمّاه “حتمية التخلي”، توقع “فرنش” أنْ تدرك إسبانيا، ولو تدريجياً، “حكمة التخلي عن سيادتها على تلك الأراضي تماماً، مثل البقايا الأخرى للحقبة الإمبريالية”.
في هذا السياق العام، ارتأيتُ العودة لهذا الملف من خلال الطرح الذي قدمه هذا الأكاديمي الحداثي، محاولاً التقيد به مع محاولة اختزاله بقدر الإمكان:
على مرمى حجر من سواحل المغرب، تقف مدينة سبتة شامخة على مضيق جبل طارق. مدينة ساحرة ترتدي اليوم ومنذ سنة 1580 جبةً إسبانيةً، ولكنها تحمل في “حقيبة سفرها التاريخيّ” رايةَ المغرب، وصولجانَ مُلْكِه، ورُزَماً ثقيلةً من أوراق التاريخ تصيح كلها بمغربية سبتة بالأمس واليوم، وبالغد أيضاً، طال الزمان أو قَصُر.
لقد كانت سبتة شاهدة على ثلاثة آلاف سنة من الصراع بين الفينيقيين والرومان والبيزنطيين والمسلمين والبرتغاليين والإسبان… وبالتالي، فهي مدينة لا تُروى قصتُها في كتب التاريخ الإسباني فحسب، بل يجد لها الباحثون والدارسون مكاناً متميّزاً في ذاكرة حضارة وتاريخ البحر الأبيض المتوسط بِرُمّته.
من “سِبْتُم فْرِيتَرْس” إلى آخر معاقل القوط:
كان الفينيقيون أول من وضعوا أقدامهم فيما كان يحمل اسم “شبه جزيرة المنار”، وبعد ذلك، وتحت حكم الرومان، عُرِفت الحاضرةُ ذاتُها باسم “Septem Fratres” بمعنى “الإخوة السبعة”، كنايةً عن الجبال السبعة المطلة عليها.
وفي سنة 535 للميلاد، رمّمها الإمبراطور البيزنطي “جوستنيان”، قبل أن تسقط في يد القوط الغربيين، وكان ذلك سنة 618م. ومن هنا، بدأت الحكاية التي لا تزال مثيرة للجدل: ففي سنة 711م، كان يحكمها الكونت يوليان. وبحسب الرواية التاريخية، والعُهدة على الرُّواة، فإن هذا الإيبيري هو مَن دعا العرب لعبور المضيق انتقاماً من غريمه ملك طليطلة، فكان ذلك إيذاناً بانطلاق طارق بن زياد لفتح بلاد الأندلس.
وعلى امتداد سبعة قرون، تحت حكم المسلمين، صارت تُعرَف بـاسم “سبتة”، ولم تكن مجرد ثغر حدودي، بل كانت عاصمة تجارية ازدهرت فيها صناعة النحاس، وتجارة العاج والذهب، ويقول بعض المؤرخين إنها شهدت أول معمل للورق بالمنطقة.
تعاقبت عليها الأسر المغربية الحاكمة، من الأدارسة، إلى المرابطين، إلى الموحدين، ثم المرينيين… فكانت تشكّل باستمرار أكبر جائزة يفوز بها المنتصر في “معارك المضيق”، التي كانت تندلع بوتيرة عالية بين شمال الممر البحري وجنوبه.
في هذا السياق التاريخي بالذات، أثار بعض الباحثين نقاشاٌ تاريخياً، لا يخلو من “المكر السيّئ”، حول ما إذا كانت سبتة “أرضاً مغربية مسلوبة” بالفعل، أم مجرد “كُرَةً متوسطيةً تتقاذفها أقدام الحضارات” لتستقر في كل مرة بين يدي مالك مُغايِر؟ وحين أقول “المكر السيّئ”، فإنني أعني بذلك رغبة بعض مؤرخي الغرب في تحويل سبتة إلى أرض خلاء، بلا تاريخ، ولا جغرافيا، كما لو كانت جزيرة مبتورةَ الأوصال بلا مالك ولا أدنى انتماء.
الضربة البرتغالية سنة 1415 وتغيّر موازين القوى:
في 21 غشت 1415م، استغل البرتغاليون ضعف الدولة المرينية فأغاروا على المدينة واحتلّوها، وكان على رأس الحملة الأمير “هنري الملاح”، الذي حوّل مسجدها الكبير إلى كنيسة في يوم واحد. وبالنسبة للمغرب، لم تكن تلك الواقعة مجرد هزيمة عسكرية، بل كانت نقطة تحول، وبداية رسميةً للوجود الأوروبي المباشر في شمال إفريقيا، وبالتالي بدايةَ نزيف لم يتوقف.
من التاج البرتغالي إلى نظيره الإسباني:
مع توحيد المملكتين الإسبانية والبرتغالية سنة 1580، بدسيسة من ملك إسبانيا فيليب الثاني، انتقلت سبتة لإسبانيا. وعندما استقلت البرتغال سنة 1640 من “الاستعمار الإسباني”، اختار أهل سبتة البقاء “في ضيافة” إسبانيا. وأكد الطرفان الجاران ذلك رسمياً ضمن بنود معاهدة لشبونة 1668. ومنذ ذلك الحين، بدأت إسبانيا في “أسبنة” المدينة، فأنشأت حولها الأسوار والأبراج والقلاع، وأحاطتها بالحاميات العسكرية. وكان أخطرَ التحديات التي واجهها الإسبان، بعد مضي ربع قرن على تلك المعاهدة، الحصاراتُ القادمةُ من الداخل المغربي،
وكان أشهرَها وأطولَها، الحصارُ الذي أقامه السلطان مولاي إسماعيل، والذي استمر ربع قرن ويزيد، وكان حصاراً برياً فحسب، ولكنه فشل لأسباب عدّة ذكرتها في مقالي السابق، ومن أبرزها، التفوق البحري الإسباني، والتحصينات الحديثة، والأهم من ذلك، الدعم الأوروبي الذي لم يسمح بقطع الإمدادات عن المدينة، والذي ظل طوال فترة الحصار يموّنها ويسلّح حامياتها عبر البحر. ثم تعرضت المدينة بعد ذلك لحصارات أخرى فيما بين 1774 و1790، ولكنها باءت كلها بالفشل للأسباب ذاتها.
سبتة اليوم.. بين أوروبا وإفريقيا:
تنتمي “سبتة اليوم” إلى إسبانيا في إطار من الحكم الذاتي، وبديموغرافيا متعددة المكوّنات، تتشكل من خليط من الإسبان المسيحيين، والمسلمين المغاربة، واليهود، والهندوس. أما لغتها الرسمية فهي الإسبانية بحكم الواقع الاستعماري الراهن، بيد أن الدارجة المغربية تظل حاضرةً بقوة في الشارع العام هناك.
المفارقة الغريبة التي لا يستسيغها المغرب، بأي وجه من الأوجه، هي أن الأوروبيين يعتبرون سبتةَ “بوابة الاتحاد الأوروبي في إفريقيا”، ولكنهم برغم ذلك يرونها في الآن ذاته “نقطة توتر دائم”، في ملفَّيْن اثنين مستديميْن، يتعلقان على التوالي بالهجرة والسيادة.
ونعود إلى “العيون الأمريكية”، في نظرتها لهذه الحاضرة السليبة، لنجد أن سبعمائة سنة من مغربية سبتة وإسلاميتها، “ينبغي ان تشفع لها في عودة هادئة سلمية ورزينة إلى وطنها الأب”، المغرب، الذي لم يتخل عنها يوماً، ولم يقبل يوماً بالمساومة عليها، ومعها مليلية والجزر، بل ظلّ يطالب بها جميعاً قبل وأثناء وبعد استقلاله عن الاستعمارين الفرنسي والإسباني، وهو الاستقلال الذي سيظل المغاربة يعتبرونه مبتوراً، وناقص المقوّمات، ما لم تخرج إسبانيا من الشمال المغربي والإفريقي خروجاً نهائياً لا رجعة فيه، وهذا بالذات، من بين نقط القوة في مقال الصحافي والكاتب الأكاديمي الأمريكي “هاوارد دبليو فرنش”.
ويبقى درس التاريخ الذي علينا الانتباه إليه وأخذه في الحسبان، في جميع أوجه تعاملنا مع أهل شمال المتوسط من الإسبان وغيرهم، هو أن “الأصدقاء الأوروبيين لا يختلفون عن المستعمر الإسباني، لأنهم دعموا تحصيناته، وأمّنوا إمداداته، وصاغوا معاهداته التي أبرمها معنا، والتي أبقت المدينتين والجزر خارج السيادة المغربية إلى غاية يومه”.
آخر ما أختم به هذه الإطلالة التاريخية الأمريكية، أنّ سبتة ليست مجرد صخرة، بل هي ذاكرة أمّة، ومن يملك الذاكرة يملك بالعقل والمنطِق كاملَ الحقِّ في المُطالبة.
______________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



