كتاب البديل

🚨🚩المرجعيةُ الموحَّدةُ في مواجهةِ التشتتِ: المولدُ النبويُّ نموذجاً.

🚨🚩المرجعيةُ الموحَّدةُ في مواجهةِ التشتتِ: المولدُ النبويُّ نموذجاً.

بقلم حميد فوزي

في ظلّ تزايد الحاجة إلى مرجعية دينية موحَّدة، ووسط تحوُّلات العصر الرقمي التي تُعيد تشكيل آليات تلقِّي الخطاب الديني، يأتي إعلان وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عن رؤية هلال شهر ربيع الأول، وتحديد موعد الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، ليُجسِّدَ دورَ الدولةِ كضامنٍ للوحدة الدينية، وكحارسٍ للثوابت الروحية في المجتمع المغربي. فما الأبعادُ التي يُبرزها هذا الإعلانُ الرسمي؟ وكيف يُمكنُ استثمارُ هذه المناسبةِ الدينيةِ والروحيةِ في تعزيزِ قيمِ الوسطيةِ والاعتدال؟

وأوضحت وزارةُ الأوقافِ والشؤونِ الإسلاميةِ، في بلاغٍ رسميٍّ، أنها قامت مساءَ الخميسِ 29 صفرٍ 1448هـ، الموافقِ 13 غشتَ 2026م، بمراقبةِ هلالِ شهرِ ربيعٍ الأولِ، حيث ثبتتْ لديها رؤيةُ الهلالِ ثبوتاً شرعياً، ليكونَ يومُ الجمعةِ فاتحَ الشهرِ الهجريِّ الجديدِ. وبناءً على ذلك، حدَّدتِ الوزارةُ يومَ الثلاثاءِ 12 ربيعٍ الأولِ 1448هـ، الموافقِ 25 غشتَ 2026م، موعداً لذكرى المولدِ النبويِّ الشريفِ، الذي يحظى بمكانةٍ خاصةٍ لدى المغاربةِ، باعتباره مناسبةً دينيةً وروحيةً راسخةً في المجتمعِ المغربيِّ.
إنَّ هذا الإعلانَ، الفعليَّ في مضمونِهِ، والرمزيَّ في دلالاتِهِ، يفتحُ أكثرَ من نافذةٍ لتحليلٍ دقيقٍ عن مواقعِ الاحتفالِ الدينيِّ في الوعيِّ المغربيِّ، والتقاطعِ بينَ الشأنِ الدينيِّ والدولةِ، ودورِ المؤسساتِ الرسميةِ في تسييرِ المناسباتِ الروحيةِ.

👈🏼أولاً — الشرعيةُ واليقينُ: إعلانُ الرؤيةِ كإجراءٍ رسميٍّ
يجسدُ بلاغُ الوزارةِ التزامَ الدولةِ بمسطرةٍ شرعيةٍ متعارَفٍ عليها في المغربِ: مراقبةُ الهلالِ وإعلانُ النتيجةِ عبرَ قنواتٍ رسميةٍ معتمدةٍ. وهذا الإجراءُ ليس مجردَ تقنيةٍ زمنيةٍ لتحديدِ بدايةِ الشهورِ؛ بل هو فعلٌ شرعيٌّ وسياسيٌّ يرسِّخُ اعتمادَ المؤسسةِ كمرجعٍ موثوقٍ لدى المواطنينَ. ففي زمنٍ تتداخلُ فيه مصادرُ المعلوماتِ، وتكثرُ فيه الشائعاتُ، تظلُّ التصريحاتُ الرسميةُ نقطةَ ارتكازٍ تمنحُ اليقينَ للمؤسساتِ الدينيةِ والمدارسِ، وتمنعُ التبايُنَ الذي قد يحصلُ لو أعلنَ بعضُ الفاعلينَ المحليينَ أو الحركاتِ الدينيةِ نتائجَ مغايرةً.

👈🏼ثانياً — المولدُ النبويُّ: مناسبةٌ دينيةٌ واجتماعيةٌ متجذِّرةٌ
إن اختيارُ 12 ربيعٍ الأولِ موعداً للاحتفاءِ بالمولدِ يُعيدُ التسليطَ على المكانةِ الخاصةِ لهذه الذكرى في المشهدِ المغربيِّ. فلذكرى مولد الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام أبعادٌ عدةٌ: بعدٌ روحيٌّ يهمُّ التجديدَ والارتباطَ بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام وأخلاقِهِ، وبعدٌ اجتماعيٌّ يمتدُّ إلى الطقوسِ المحليةِ من محاضراتٍ وعظيةٍ إلى الاحتفالاتِ الصوفيةِ وأمسياتٍ دينيةٍ، وبعدٌ اقتصاديٌّ مرتبطٌ بأنشطةِ دورِ الطباعةِ والنشرِ، والأسواقِ الشعبيةِ التي تشهدُ إقبالاً على الكتبِ والمصاحفِ والهدايا.
كما أنَّ لهذه المناسبةِ قدرةً على تجميعِ شرائحَ مجتمعيةٍ واسعةٍ حولَ قيمٍ مشتركةٍ في ظلِّ تنوُّعِ التقاليدِ داخلَ المغربِ.
👈🏼ثالثاً — الدينُ والدولةُ: التوازنُ المؤسساتيُّ
يُؤكِّدُ بلاغُ وزارةِ الأوقافِ مرةً أخرى الدورَ الوسطيَّ للدولةِ المغربيةِ في إدارةِ الشأنِ الدينيِّ؛ دورٌ يوازنُ بينَ المحافظةِ على التقاليدِ والاحتفاءِ بالمظاهرِ الروحيةِ من جهةٍ، وضمانِ وحدةِ المرجعِ الدينيِّ ومنعِ التفسُّخِ في القراراتِ المحليةِ من جهةٍ ثانيةٍ.
يواجهُ هذا التوازنُ، الذي سعتْ إليه المملكةُ تاريخياً، تحدياتٍ مستمرةً: من مواكبةِ الحداثةِ ومتطلباتِ الشبابِ، إلى محاربةِ التطرفِ وإيجادِ خطابٍ دينيٍّ معاصرٍ قادرٍ على مواجهةِ الأسئلةِ المجتمعيةِ. فإعلانُ الموعدِ الرسميِّ هنا ليس فعلاً بروتوكولياً فحسب، بل تجديدٌ لالتزامِ الدولةِ بالمرجعيةِ الدينيةِ الموحَّدةِ.
👈🏼رابعاً — بعدٌ ثقافيٌّ وتربويٌّ
تكتسبُ مناسبةُ ذكرى المولدِ النبوي الشريف أبعاداً تربويةً وثقافيةً تستدعي من المؤسساتِ التربويةِ والإعلاميةِ استثمارَها في ترسيخِ قيمِ التسامحِ والوسطيةِ والبيئةِ الأخلاقيةِ التي يدعو إليها الإسلامُ. فيمكنَ للدروسِ والمحاضراتِ والبرامجِ التلفزيونيةِ والإذاعيةِ أن تحوِّلَ الاحتفالَ من مجردِ طقسٍ متوارَثٍ إلى فرصةٍ تعليميةٍ لتعميقِ الفهمِ التاريخيِّ للنبيِّ ﷺ ودورِهِ في تأسيسِ القيمِ الإنسانيةِ والاجتماعيةِ.
👈🏼خامساً — فرصٌ ومخاطرٌ في زمنٍ رقميٍّ
مع توسُّعِ الفضاءِ الرقميِّ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، تصاحبُ الاحتفالاتِ الدينيةِ موجاتٌ واسعةٌ من المحتوى والمبادراتِ الرقميةِ. فهذا يفتحُ فرصةً لنشرِ خطابٍ معتدلٍ ومستنيرٍ على نطاقٍ أوسعَ، لكنه يفرضُ أيضاً يقظةً من التضليلِ وتحريفِ المعاني. وهنا تقعُ مسؤوليةٌ مضاعفةٌ على الفاعلينَ الرسميينَ والمدنيينَ لتقديمِ محتوىً موثوقٍ وذي جودةٍ عاليةٍ.

إنَّ إعلانَ وزارةِ الأوقافِ عن رؤيةِ هلالِ ربيعٍ الأولِ وتحديدَ موعدِ المولدِ النبويِّ الشريف هو حدثٌ تقليديٌّ بروتوكوليٌّ، لكنه يستحضرُ قضايا أوسعَ تتعلقُ بشرعيةِ المرجعيةِ الدينيةِ، ووحدةِ الممارسةِ الدينيةِ، والدورِ التربويِّ والثقافيِّ للاحتفالاتِ، واستثمارِ الفضاءِ الرقميِّ بنهجٍ يقظٍ.
وبالتالي ،فأمامَ المغربِ فرصةٌ لتعزيزِ قيمِ الاعتدالِ والاعتزازِ بالتراثِ الدينيِّ بصيغٍ تجديديةٍ تواكبُ تحدياتِ العصرِ، فتتحولَ مناسبةُ المولدِ من طقسٍ سنويٍّ إلى منصةٍ لبناءِ فهمٍ دينيٍّ مواكبٍ ومؤثرٍ في الحياةِ العامةِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى