🚨🚩🇲🇦المغرب وطنٌ يعيش فينا قبل أن نعيش فيه

🚨🚩🇲🇦المغرب وطنٌ يعيش فينا قبل أن نعيش فيه
بقلم حميد فوزي
استعرت مقولة وليم مكرم عبيد الشهيرة: «مصر وطنٌ يعيش فينا قبل أن نعيش فيه»، ليمكن القول إن «المغرب وطنٌ يعيش فينا قبل أن نعيش فيه».
وليست هذه العبارة مجرّد تحويرٍ بلاغيّ لمقولةٍ عربيةٍ ذائعة، بل تعبيرٌ عن علاقةٍ وجدانيةٍ عميقةٍ تربط المغاربة بوطنهم، سواء أقاموا داخله أم أبعدتهم عنه المسافات والحدود والظروف.
فالمغرب لا يسكن الجغرافيا وحدها، بل يستقرّ في الذاكرة واللغة والعادات والروائح والأغاني، وفي تفاصيل الحياة اليومية التي يحملها المغاربة معهم أينما حلّوا.
ولذلك تظلّ المملكة الشريفة حاضرةً في وجدان أبنائها، حتى حين يعيشون في بلدان تبعد عنها آلاف الكيلومترات؛ إذ يستعيدونها في طبقٍ مغربيّ، أو نغمةٍ شعبية، أو دعاءٍ مألوف، أو خبرٍ يصل من الدار البيضاء أو الرباط أو فاس أو طنجة أو الصحراء.
غير أنّ هذا الانتماء الوجداني، على عمقه وقوته، يطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن يعيش الوطن في وجدان أبنائه، إذا لم يجد بعضهم في واقعه اليومي ما يضمن لهم الكرامة والأمان والأمل؟
لقد أعادت الأحداث الأخيرة التي شهدتها سبتة هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما تحوّلت الحدود إلى مسرحٍ لمأساةٍ إنسانيةٍ وأمنيةٍ وسياسيةٍ معقّدة.
خلال أواخر يوليوز، شهدت سبتة، الخاضعة للإدارة الإسبانية، موجةً جماعيةً من محاولات العبور انطلاقاً من الأراضي المغربية، براً وبحراً، شارك فيها عشرات الآلاف وفق تقديراتٍ إعلاميةٍ متباينة. وقد أعلنت السلطات الإسبانية احتواء التدفق، فيما بدأ عددٌ كبيرٌ من الوافدين بالعودة إلى المغرب، طوعاً أو في إطار إجراءات الإعادة، بينما أسفرت محاولات العبور عن سقوط عشرات الضحايا، وفق تقارير صحفية متلاحقة.
ولم تكن تلك الصور مجرّد مشاهد عابرة على شاشة التلفاز أو الهاتف، بل كشفت عن مأساةٍ إنسانيةٍ مركّبة؛ فخلف كل شابٍّ اندفع نحو البحر قصةُ قلقٍ أو بطالةٍ أو انسداد أفق، وخلف كل أسرةٍ تنتظر خبراً عن أحد أبنائها خوفٌ لا تداويه الأرقام. وفي المقابل، فرضت هذه الموجة على السلطات المغربية والإسبانية تحدياتٍ أمنيةً وإنسانيةً كبيرة، بسبب كثافة الأعداد، وخطورة طرق العبور، والضغط الذي تعرّضت له الخدمات والمرافق في سبتة ومحيطها.
ومع ذلك، فإن تفسير هذه الوقائع لا ينبغي أن يقتصر على المقاربة الأمنية، ولا أن يحوّل الشباب إلى أرقامٍ أو متهمين. فالمشهد، في عمقه، يعكس أزمة أملٍ تحتاج إلى قراءةٍ هادئةٍ ومسؤولة؛ إذ عندما يصبح ركوب البحر، بكل ما يحمله من مخاطر، أهون من الانتظار الطويل، فإن القضية تتجاوز الرغبة العابرة في الهجرة إلى سؤالٍ أعمق يتصل بالثقة في المستقبل وبالإحساس بجدوى البقاء.
وفي خضمّ هذه الأحداث، برز الدور الخطير الذي يمكن أن تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في نشر المعلومات المضللة وتوجيه السلوك الجماعي.
فقد تداول مستخدمون مقاطع فيديو ورسائل قصيرة أوحت بأن العبور إلى سبتة سهلٌ أو مضمون، وروّجت لوجود ترتيباتٍ قانونيةٍ أو إداريةٍ تسمح بالدخول، في حين لم تكن تلك الادعاءات مستندةً إلى مصادر رسمية أو معطياتٍ موثوقة.
وتكمن خطورة هذا النوع من التضليل في سرعة انتشاره وقدرته على مخاطبة العاطفة قبل العقل. فالمحتوى المثير، والصورة الصادمة، والشهادة الفردية، والرسالة المقتضبة، تنتشر في لحظاتٍ عبر «فيسبوك» و«تيك توك» و«واتساب» و«تيليغرام»، فيما تحتاج المعلومة الصحيحة إلى وقتٍ للتحقق والتفسير. وهكذا قد تتحول إشاعةٌ مجهولة المصدر إلى قناعةٍ جماعية، ثم تتحول القناعة إلى سلوكٍ ميدانيٍّ يعرض حياة الناس للخطر.
كما تستفيد شبكات الاتجار بالبشر من هذه البيئة الرقمية لتسويق الهجرة غير النظامية واستقطاب الراغبين فيها.
فهي تعرض صوراً لمهاجرين وصلوا إلى الضفة الأخرى، أو مقاطع توحي بأن الرحلة قصيرةٌ وآمنة، لكنها تخفي مخاطر الغرق والاستغلال والابتزاز والاعتقال والإعادة. وتشير دراساتٌ حول الهجرة إلى أن منصات التواصل تُستخدم أحياناً لتبادل المعلومات بشأن المسارات وفرص العمل، كما تُستغلّ من قِبل شبكات التهريب للتنسيق مع المهاجرين المحتملين.
ولا تقتصر المشكلة على الكذب الصريح؛ فالتضليل قد يتمّ أيضاً عبر عرض جزءٍ من الحقيقة وإخفاء بقيتها. فقد تكون قصة الوصول حقيقية، لكن تقديمها باعتبارها تجربةً عامة يخلق وهماً بأن النجاح مضمونٌ للجميع.
وبالمثل، قد يكون مقطع الفيديو صحيحاً من حيث المكان أو الزمان، غير أن التعليق المصاحب له يمنحه معنىً زائفاً، أو يربطه بقرارٍ لم يصدر، أو بفرصةٍ غير موجودة.
ومن خلال هذا الانتقاء، تُصنع صورةٌ مثاليةٌ للضفة الأخرى، حيث لا تظهر البطالة ولا صعوبات الاندماج ولا هشاشة الوضع القانوني، بينما يُقدَّم الوطن باعتباره فضاءً مسدوداً لا مستقبل فيه. وهنا تتحول المنصة الرقمية من وسيلةٍ للتواصل إلى أداةٍ لإنتاج الوهم، وتصبح الخوارزميات عاملاً في تضخيم المحتوى الأكثر إثارةً، لا الأكثر صدقاً.
فبين الأسباب الواقعية والتعبئة الرقمية
لا ينبغي، مع ذلك، تحميل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية الهجرة وحدها؛ فالهجرة ظاهرةٌ متعددة الأسباب، تتداخل فيها العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والسياسية. غير أن المنصات الرقمية قد تسرّع اتخاذ القرار، وتوفّر قنواتٍ للتعبئة، وتربط الراغبين في العبور بشبكاتٍ تستغلّ هشاشتهم، ولا سيما عندما تنتشر الرسائل عبر حساباتٍ مجهولة أو حملاتٍ منسقة.
وقد تحدثت السلطات المغربية عن ارتباط موجة العبور بمعلوماتٍ مضللةٍ جرى تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وبنشاط شبكات الاتجار بالبشر، فضلاً عن تأويلاتٍ خاطئةٍ لمعطياتٍ قانونيةٍ وإدارية.
كما تناولت تقارير أوروبية دور منصاتٍ كبرى في انتشار محتوياتٍ يُشتبه في أنها حرضت على محاولات عبور جماعية، وهو ما دفع الجهات الأوروبية إلى بحث آلياتٍ للتعامل مع هذا النوع من التضليل الرقمي.
غير أنّ مواجهة التضليل لا تعني تجاهل الأسباب التي تجعل هذه الرسائل تجد آذاناً صاغية. فالإشاعة لا تنجح في مجتمعٍ واثقٍ من مستقبله بالدرجة نفسها التي تنجح بها في بيئةٍ يسودها الإحباط والانتظار. ومن ثمّ، فإن التصدي للمعلومات الكاذبة ينبغي أن يترافق مع سياساتٍ عموميةٍ تعالج البطالة، وتدعم التعليم والتكوين المهني، وتوفّر فرصاً اقتصاديةً حقيقية، ولا سيما في المناطق الحدودية والمجالات التي تعاني ضعف الخدمات وندرة فرص الشغل.
إن القول إن «المغرب وطنٌ يعيش فينا قبل أن نعيش فيه» لا ينبغي أن يتحول إلى خطابٍ عاطفيٍّ منفصلٍ عن الواقع. فالوطن الذي يسكن الذاكرة ينبغي أن يكون حاضراً أيضاً في المدرسة والمستشفى وسوق الشغل والحي الشعبي والقرية الجبلية والمدينة الحدودية. والانتماء الحقيقي لا يُقاس فقط بالحنين إلى الأرض، أو برفع الأعلام، أو باستعادة الأغاني الوطنية، بل يُقاس كذلك بقدرة المواطن على أن يعيش آمناً، كريماً، ومطمئناً إلى أنّ الغد قد يحمل له فرصةً أفضل.
ومن هنا، تكتسب الجالية المغربية في الخارج مكانةً خاصةً في هذه المعادلة. فالمغاربة المقيمون خارج الوطن يحملون المغرب في لغتهم وذاكرتهم وعاداتهم، ويحافظون على صلاتهم بالأسر والمدن والقرى التي ينحدرون منها. كما تسهم التحويلات والمبادرات الثقافية والاستثمارات والخبرات في تقوية الروابط بين الجالية والوطن، بما يؤكد أن البعد الجسدي لا يلغي الانتماء ولا يقطع الصلة.
غير أنّ هذا الارتباط يفرض في المقابل مسؤوليةً على مؤسسات الدولة والمجتمع والإعلام، تتمثل في تحويل الحنين إلى مشاركةٍ فاعلة، والانتماء إلى مساهمةٍ في التنمية، والذاكرة إلى مشروعٍ للمستقبل. فالمغرب لا ينبغي أن يكون بالنسبة إلى أبنائه في الداخل والخارج مجرّد صورةٍ جميلةٍ في الهاتف، بل فضاءً حقيقياً تتوافر فيه شروط العيش الكريم والعدالة وتكافؤ الفرص.
في مواجهة التضليل الرقمي، لا يكفي أن تنقل الصحافة الخبر بعد وقوعه، بل يتعيّن عليها أن تتحقق من مصادره، وأن تشرح سياقه، وأن تميّز بين الوقائع والادعاءات. وعندما تنتشر شائعةٌ حول فتح الحدود أو صدور قرارٍ يسمح بالعبور، فإن واجب الصحفي يقتضي الرجوع إلى الوثيقة الأصلية، والتواصل مع الجهات المعنية، وتقديم جوابٍ واضحٍ وسريعٍ بلغةٍ يفهمها الجمهور.
كما ينبغي للإعلام أن يفسح المجال أمام شهادات المهاجرين السابقين، لا لعرض قصص النجاح وحدها، بل للكشف عن الوجه الآخر للرحلة، بما فيه المخاطر والاستغلال والندم والعودة القسرية. فالتوعية الأكثر فاعلية ليست تلك التي تقوم على التخويف أو الوصم، وإنما التي تقدم صورةً كاملةً وواقعيةً، وتحترم ذكاء الشباب وحقهم في معرفة الحقيقة.
وتحتاج هذه المهمة إلى تعاونٍ بين وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني والمنصات الرقمية، من أجل إطلاق حملاتٍ توعويةٍ مستمرة، ومواجهة الأخبار الزائفة في الوقت المناسب، وتدريب المستخدمين على التحقق من الصور والفيديوهات والرسائل المتداولة. فـ«ماشي غير البحر اللي خاصنا نراقبو؛ حتى الإشاعة خاصها المراقبة»، لأن الكلمة المضللة قد تسبق القارب إلى حافة المأساة.
ختاما،لقد كشفت أحداث سبتة أن الهجرة غير النظامية ليست نتيجةً لعاملٍ واحد، وأن التضليل الرقمي قد يحوّل الإحباط الفردي إلى اندفاعٍ جماعي.
كما أظهرت أن الحدود لا تفصل بين بلدانٍ ومجالاتٍ جغرافيةٍ فحسب، بل تكشف أيضاً الفوارق في الأمل والفرص والثقة بالمستقبل.
ومن ثمّ، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربةً شاملةً تجمع بين حماية الأرواح، ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر، والتصدي للمعلومات المضللة، وتحسين شروط العيش، وفتح آفاقٍ واقعيةٍ أمام الشباب. فلا يكفي أن نمنع العبور، إذا لم نعالج الأسباب التي تجعل بعض أبنائنا يرون في البحر فرصةً أخيرة.
إنّ المغرب وطنٌ يعيش فينا قبل أن نعيش فيه؛ ولذلك فإن واجبنا لا يقتصر على الدفاع عن صورته في الذاكرة، بل يمتدّ إلى بناء واقعه بما يليق بهذا الحب. نريد وطناً يُعاش فعلاً، لا وطناً يُستعاد في لحظات الحنين فقط؛ وطناً يمنح أبناءه سبباً مقنعاً للبقاء، ويجعل الأمل فيه أقوى من الوهم الذي تصنعه منصات التواصل.



