🚨🚩🤔عندما يصبح القبر امتيازاً: جدل مقبرة سيدي امحمد بن سليمان

🚨🚩🤔عندما يصبح القبر امتيازاً: جدل مقبرة سيدي امحمد بن سليمان
بقلم حميد فوزي

في لحظات الفقدان تنكشف طبقات المدينة كما تنكشف وجوه الناس ويظهر مدى تعامل مؤسساتها مع قضايا الحياء والكرامة، وإذا كانت المقابر مقياسًا لتطبيق قواعد العدالة في المجتمع فإنّ ما يُثار اليوم حول مقبرة سيدي امحمد بن سليمان يستدعي وقفةً نقدية جادة وإجراءات شفافية صارمة.

تقول روايات مواطنين في بنسليمان وعلى الموقع الاجتماعي فيسبوك،إنّ باب المقبرة يُغلق في وجه بعض الأسر بحجة أن المكان ممتلئ فيما يُفتَح جزاؤه أمام أسر أخرى بحضور وساطة أو نفوذ، وترافق ذلك أحاديث عن مبلغ تقريبي يُدفع مقابل الدفن يُشار إليه بنحو 400 درهم مع تأكيد مسؤول جمعوي أن الدفن مجاني، وهذه التناقضات تضعنا أمام سؤال جوهري عن مدى حيادية إدارة هذا الفضاء وشفافية معطياته إذ لا يكفي رفض الاتهامات على لسان مصدر رسمي لانتفاء الحاجة إلى تحقيقات مادية حالما تظلّ الشكايات تتكرر وتتخذ نفس النمط وتتشبّع بها حالة من الإحساس بالظلم لدى شريحة واسعة من السكان فعندما تُبلِّغ عائلات فقيرة بأنها «المقبرة ممتلئة» وتجد أسر أخرى ذات وسائط أماكن دفن في ظل ظروف مماثلة فإنّ المبدأ الأخلاقي والقانوني الذي يطالب بالمساواة أمام الخدمة يتعرّض للاهتزاز ولا يمكن للمرء أن يقبل أن يكون القبر امتيازًا لمن يملك نفوذاً بينما يُحرم منه من لا يملك سوى أسرة فقيرة تبحث عن مكان لدفن والد أو أمّ.
تتقاطع هذه الروايات أيضًا مع ظاهرة اجتماعية أخرى متداولة محليًا تُعرف بـ«ولد البلاد»؛ وهي صورة من صور الوساطة التي تمنح امتيازات لأشخاص بحكم قربهم العائلي أو الاجتماعي من مراكز القرار أو النفوذ، فيُختزل حق الحصول على خدمة عمومية في شبكة علاقات لا علاقة لها بالعدالة ولا بالقواعد المعلنة، وهذه الظاهرة إذا ما تسلطت على تدبير أمكنة الدفن فإنها تضاعف من الإحساس بالغضب والمهانة لدى الفئات المفقرة، وتحوّل مسألة الدفن من فعل إنساني إلى سجل للامتيازات.
لا تقتصر القضية على مسألة مكان أو عدد قبور بل تتعدّاها إلى مسألة ثقة الناس في مؤسسات محلية يفترض أن تكون منارة للعدل في التفاصيل اليومية فالمقابر ليست ممتلكات تُرَزح تحت سلطان العلاقات الخصوصية بل هي موارد عمومية تستجيب لقواعد وإجراءات واضحة وإذا كانت بطاقة الرد الرسمية تقول إن الدفن مجاني فليس أمام الجهة المعنية سوى تقديم أدلة تُثبت ذلك عبر سجلات تسجيل الطلبات وقوائم الانتظار وآليات منح الأذونات وحيثيات الاستثناءات إن وُجدت لأن الشفافية وحدها قادرة على فضح الحقائق وقطع الطريق أمام الشائعات أما التستر والتسويف فسيزيدان من الاحتقان ويعمّقان الشكوك.
وهناك أيضًا البُعد الإنساني الذي لا يحتمل التهاون فالفقراء يملكون موتى مثل غيرهم وحقهم في الدفن بكرامة لا ينبغي أن يتوقف على واسطة أو قرب ولا ينبغي أن يرتبط بمقابل مالي تُجبى به لحظة ضعف العائلة وإذا ثبت وجود أي مطالبة مالية خارج المساطر فسيكون ذلك استغلالًا واسعًا لشتى مظاهر الضعف ويُعدّ خرقًا أخلاقيًا وقانونيًا في آن معًا ومن هنا فَتَدخّل السلطات الإدارية والقضائية عند الاقتضاء يصبح أمرًا ضروريًا لحماية كرامة المتألمين ومنع تكرار الانتهاكات.
أما الحلول العملية فليست معقدة فالخطوة الأولى تتمثل في الإعلان الفوري عن الطاقة الاستيعابية للمقبرة وسجلات الطلبات وآليات منح الأذون وتحديد معايير معلنة وواضحة للأولوية في الدفن وتفعيل مسطرة شكايات سهلة الوصول والبحث الإداري المستقل في أي حالات تتكرر فيها الشكايات إلى جانب نشر نتائج التحقيقات وإجراءات التصحيح فإذا كانت الأمور نظامية فإن الشفافية ستضع حدًّا للشائعات وإذا وُجدت اختلالات فإنّ التصحيح سيعيد للمدينة شيئًا من ثقتها وحسّها بالعدالة.
الموت يساوي بين الناس لكن إدارة الموت تختبر مدى عدالة المجتمع ونظافة ممارساته فالمقبرة إذا أصبحت امتيازًا فإننا أمام مؤشر خطير على أن علاقات النفوذ قد امتدت إلى آخر جزئيات الحياة اليومية ومن ثم فإن ما يطالب به المواطنون اليوم ليس مجرد كلام وإنما دعوة إلى قواعد معلنة وإجراءات شفافة وتحقيقٍ مسؤول يُعيد للناس ثقتهم ويضمن لهم دفن أحبّائهم بكرامة ومساواة.



