الإعلام الأوروبي ولعنة النعامة !!

الإعلام الأوروبي ولعنة النعامة !!
من المعروف أن طائر النعام، رغم ضخامة جسمه بالقياس مثلا مع “ثعلب البراري”، يجعل من المضحك، ومن الباعث على الرثاء، أن يسارع، ذَكَراَ كان أو أنثى، إلى إخفاء رأسه في التراب بمجرد إحساسه باقتراب ذلك الثعلب، الذي يكاد طوله يعادل طول أصبع واحد من ثنائية أصابع ذلك الطائر !!
لا دخل لي هنا في هذا السلوك الغريب لذلك الطائر، وإنما استشهدتُ به للإشارة إلى سلوك الإعلام الأوروبي عموماً، لا أستثني منه سوى قلة نادرة من الجهات التي استطاعت بقدرة قادر أن تشير إلى “التاريخ المغربي لمدينتي سبتة ومليلية”، وإلى “استمرار المملكة المغربية في المطالبة بتحريرهما والجزر الملحقة بهما”، مع بعض الجزر الجنوبية الغربية من المملكة، لأنها جميعها، مغربية بكل المعايير…
كنت أقول، إن الإعلام الأوروبي بشكل عام، ما زالت العقلية الاستعمارية متمكنة منه، كنتاج لتَحَكُّمها في العقل الجمعي الأوروبي، وإنّ المصالح السياسية والاقتصادية، ومتطلبات الحفاظ على توازن القوى، تجعل العالم في الشمال من الكرة وفي غربها، وحتى في شرقها الآسيوي، تتغاضى عن ذلك المطلب المغربي الحيوي والمصيري، الذي أعتقد جازما ان الوقت، اليوم قبل الغد، قد حان لوضعه على طاولة التشريح والعلاج القانونيَّيْن الدوليَّيْن، وأن على المغرب، بخصوص هذا الموضوع بالذات، أن يركب رأسه وأن يصرخ بملء فيه، في وجه كل مكونات المجتمع الدولي، مُرَدِّداً قولةَ ذلك الصحراوي المتعصب: “حتى ولو طارت.. معزة” !!
الفرنسيون، الذين وقّعنا بمعيتهم مؤخراً على اتفاقيات أثارت غيرة وحسد الأصدقاء قبل الخصوم والأعداء، يبدو إعلاميوهم، من مختلف المشارب، متعاطفين ومُتماهين مع الطرح الإسباني، رغم أنهم اتفقوا تلقائياً، أو بتدبير جماعي مسبق، على جلد الحكومة الإسبانية، متهمين إياها بما سمّوه “عجزاً عن حماية حدودها مع إفريقيا”، يقصدون المغرب، معتبرين بذلك أن حدود المغرب مع إسبانيا تبدأ من تطوان، كما كانت “تقريباً” إبان الفترة الحمائية، ويهددونها من جراء ذلك بإخراجها من منطقة “تشينغن”، حتى وهم يعلمون أنهم بذلك يدفعونها، بشكل أو بآخر، لإعلان الحرب على المغرب، ضاربين بذلك عصفوريْن سمينيْن بحجر واحد:
1- زعزعة ترتيب إسبانيا في سلم الشركاء الإستراتيجيين الأوروبيين للمملكة المغربية، بوصف المغرب اقتصاداً صاعداً وجسراً فريداً نحو إفريقيا وأسواقها الشاسعة؛
2- جعل إسبانيا نفسها في أمس الحاجة لدعم أوروبي متزايد، مما يعيق انطلاقتها الاقتصادية ونموها القياسي، بالمقارنة مع بلدان الاتحاد الأوروبي مجتمعة، ومنعها بالتالي من الاستقلال في اتخاذ قراراتها وخياراتها الكبرى عن المد الاوروبي، المتراجع، والآخذ سنة بعد أخرى في القهقرة، بقيادة فرنسية أكثر من فاشلة !!
لكن ما يهمنا نحن في هذا الموقف، هو التنكر الأوروبي للحق المغربي التاريخي والشرعي، الوطني والدولي، في إنهاء استعمار مدينتين مغربيتين لا ينازع أحد من العالمِين في مغربيتهما، حتى أننا بدأنا لأول مرة نسمع صيحات الاستغراب وهي تنطلق من هنا وهناك، من بعض البلدان الأوروبية ذاتها، ومن القارة الآسيوية على الخصوص، وهي تُبدي استغرابها من ظاهرة سياسية في غاية الغرابة، تتمثل في وجود تراب إسباني، بمعنى أوروبي، في قارة إفريقيا، التي يفرقها مضيق جبل طارق عن القارة العجوز، وتتساءل كيف أنهت إسبانيا استعمارها الجزئي لتراب المملكة المغربية بتزكية من الأمم المتحدة والقوانين والأعراف الدولية، دون أن يشمل ذلك، الوضعَ القانوني لمدينتي سبتة ومليلية والجزر وبعض الصخور ذات الطابع الأمني، كصخرة ليلى وما شابه ؟!
ونعود إلى الإعلام الأوروبي، الاستعماري المنشأ والسلوك، لنجده ينساق في مناقشة أزمة سبتة كما لو كانت، فقط لا غير، اقتحاماً غير مشروع ل”الحدود الأوروبية”، نعم هكذا يسمّونها بكل بجاحة وقلة حياء، وقلة مروءة،
وهنا مربط الفرس؛ فهم يتعمّدون تسميتها “حدوداً أوروبيةً” لمجرد تكريس الأمر الواقع، لكن، هل هناك خريطة في العالم، أو قانون دولي، أو أي عقل سليم، يمكن أن يقول إن أوروبا تبدأ من سبتة أو مليلية؟
العالم كله يعلم أن أوروبا تبدأ من طريفة… وبين طريفة وسبتة أربعة عشر كيلومتراً من الماء. أي أنهم يريدون نقل حدودهم بالقوة إلى داخل إفريقيا، حتى وهم يعلمون علم اليقين بأن أوروبا تنتهي حدودُها الجنوبيةُ والمقابِلةُ للمملكة المغربية عند سواحل الجزيرة الخضراء، و”الكوستا دي لوز” أو ساحل الضوء، جنوب بلاد الأندلس، وأن سبتة ومليلية ثغران إفريقيان، وبالتالي مغرببان موروثان أباً عن جَدّ… وبذلك يؤكد ذلك الإعلام نزعته الاستعمارية بكل الأشكال وبكل لغات العالم !!
المطلوب في نظري المتواضع، اليوم قبل الغد، أن نجعل مسألة التحرير الكلّيّ والنهائي لسبتة ومليلية، وكذلك الجزر، جزءاً لا يتجزّأ من جداول أعمال كل الاجتماعات والندوات، والاتفاقيات، التي يمكن أن يقوم لها مقام في المستقبل، في جميع مناحي الشراكة والتعاون المغربيين الإسبانيين، والمغربيين الأوروبيين، مهما كانت مجالات ذلك التعاون، وتلك الشراكة، وبلا أدنى استثناء… تماماً كما تفعل إسبانيا في مناولتها لموضوع تحرير صخرة جبل طارق من الاستعمار البريطاني، تحت يافطة تفعيل “مبدأ تصفية الاستعمار” كما هو متوافَق عليه دولياً.
كفى إذن من القبول المغربي بالحربائية الإسبانية، والنفاق الأوروبي السياسي والثقافي والإعلامي، ما دام ميزان القوى من جميع جوانبه، وخاصة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والأمنية، يُرَجِّحُ الكفة المغربية، المستندة إلى دعم عربي وخاصةً خليجي، يعوَّل عليه، ناهيكم عن الدعم الإفريقي، الذي يرى في جهود التحرر المغربية امتداداً للثورة الإفريقية الشاملة على كل أشكال الاستعمار الأوروبي قديمه وحديثه، بكل تركاته ومخلفاته.
تُرى، هل نستطيع تكريس هذا التوجه الثوري الانقلابي والمشروع، على كيان أوروبي لم يعد يستحق الريادة، التي يتبجّح بها، في آفاق المستقبل المنظور، فما بالنا بآفاق الشراكة والتعاون على المدى الطويل؟
إنّ لدينا اليوم من الأوراق ما لم يكن لدينا بالأمس: اعترافات دولية بمغربية الصحراء، شراكات استراتيجية مع قوى عظمى، ومكانة إقليمية لا يمكن تجاوزها… فلماذا نسكت عن هذا الشذوذ الإسباني والأوروبي الفاضح؟!
_______________
محمد عزيز الوكيلي
إطار تربوي متقاعد.



