كتاب البديل

🚨🇲🇦👑🏇🏽المرحوم الحسن الثاني وصهوة التبوريدة: صورة تُعيد كتابة الذاكرة المغربية

 

بقلم حميد فوزي

في الذاكرة المغربية، لا تأتي الصور بوصفها مجرد لقطات عابرة، بل باعتبارها شواهد حية على زمنٍ يتكثف في هيئةٍ واحدة. ومن بين هذه الصور ما يلتقط الملك الراحل الحسن الثاني على صهوة جوادٍ وسط فرسان التبوريدة، في مشهد تتداخل فيه رمزية السلطة مع عمق التراث، وتلتقي فيه الرسمية بروح الاحتفال الشعبي .

المغفور له الحسن الثاني وصهوة التبوريدة: بين الذاكرة والرمز

ليست هذه الصورة مجرد لقطة أرشيفية لملكٍ يعتلي جوادًا في حضرة فرسان التبوريدة، بل هي مشهدٌ يختزن طبقاتٍ من المعنى، ويجمع في إطارٍ واحد بين هيبة السلطة ودفء التراث، وبين رسمية الدولة وحميمية الذاكرة الشعبية. ففي هذا التلاقي الدقيق، يبدو الحسن الثاني جزءًا من مشهدٍ لا يكتفي بتوثيق لحظة، بل يعيد تشكيل علاقة المغرب بذاته، عبر واحدة من أكثر طقوسه الجماعية رسوخًا وبهاءً .
وتبرز التبوريدة، في هذا السياق، بوصفها أكثر من استعراض فلكلوري أو فرجة موسمية؛ إنها طقسٌ ثقافي عميق الجذور، تتداخل فيه الفروسية مع النداء الجماعي، ويغدو فيه الجواد امتدادًا لكرامة الإنسان، والبارود علامةً على ذاكرةٍ لا تزال تنبض في الاحتفالات والمواسم والوجدان العام. ومن هنا، فإن حضور الحسن الثاني داخل هذا المشهد لا يُقرأ بوصفه حضورًا عابرًا، بل باعتباره إشارةً رمزية إلى التحام المؤسسة الملكية بأحد أبرز التعبيرات التراثية التي صاغت الملامح الثقافية للمغرب الحديث .
وفي بُعدٍ آخر، تستعيد الصورة مكانة الخيل في المخيال المغربي، لا كوسيلة حركة فحسب، بل كرمزٍ للنبل والوقار والفتوة، وكائنٍ ظلّ حاضرًا في الشعر والاحتفال والذاكرة الجماعية على السواء. كما تذكّر بأن التراث، حين يلتقي بالصورة، لا يعود مجرد ماضٍ محفوظ، بل يتحول إلى لغة بصرية قادرة على استعادة الزمن وإعادة تأويله .
إن قوة هذه اللقطة تكمن في صمتها أكثر مما تكمن في ظاهرها؛ فهي لا تشرح نفسها، بل تترك للمتلقي مهمة الإصغاء إلى ما وراء المشهد: إلى التاريخ حين يتحول إلى رمز، وإلى الرمز حين يصير جزءًا من الذاكرة الوطنية. ولهذا تبدو الصورة، في نهاية المطاف، شهادةً على مغربٍ عرف كيف يصون تراثه، ويمنحه في الآن نفسه بُعدًا سياسيًا وثقافيًا يتجاوز اللحظة العابرة إلى الأثر الباقي .

وختاما نقول، لا تقف هذه الصورة عند حدود التوثيق البصري، بل تنفتح على قراءةٍ ثقافية أوسع، تجعل من التبوريدة مرآةً للهوية، ومن حضور الحسن الثاني داخلها علامةً على تداخل التاريخ بالرمز، والدولة بالذاكرة. إنها صورةٌ تنتمي إلى الماضي في ظاهرها، لكنها تظلّ حاضرةً بقوة في المعنى الذي تخلّفه وراءها .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى