كتاب البديل

المغرب في أفق 2035: قراءة استشرافية في المتغيرات الجيوسياسية وتحليل المخاطر والفرص لبناء دولة صاعدة قوية.

 

المغرب في أفق 2035: قراءة استشرافية في المتغيرات الجيوسياسية وتحليل المخاطر والفرص لبناء دولة صاعدة قوية.

المقدمة:

1. الإطار المفاهيمي والتاريخي للموضوع

شهدت الدولة المغربية، عبر تاريخها الممتد لأكثر من 12 قرناً، موقعاً جيواستراتيجياً استثنائياً بوصفها جسراً رابطاً بين القارة الأفريقية والفضاء الأورو-متوسطي والمحيط الأطلسي. هذا الموقع أملى على المغرب دائمًا حتمية التفاعل مع التوازنات الدولية والتأقلم مع التحولات الجيوسياسية الكبرى.
مع حلول الألفية الثالثة، انتقل المغرب من منطق الفاعل الإقليمي التقليدي إلى مرحلة بناء “الدولة الصاعدة” عبر رؤية استراتيجية ممتدة (2000-2025 وما بعدها). وقد تمثلت هذه الدينامية في إطلاق مشاريع بنيوية مهيكلة (مثل ميناء طنجة المتوسط، واستراتيجية الطاقات المتجددة، والنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية)، تلتها صياغة النموذج التنموي الجديد (2021-2035) كوثيقة مرجعية تؤسس لمرحلة تحول شاملة.

2. السياق الوطني والدولي

على الصعيد الدولي: يعيش العالم على وقع إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي نحو التعددية القطبية والمرونة الجيواستراتيجية. تتصاعد حدة التنافس الجيوسياسي، واضطرابات سلاسل التوريد العالمية، وأزمات التضخم المستورد، والانتقال الطاقي، إلى جانب تفاقم التغيرات المناخية وتأثيرها المباشر على الأمن الغذائي والمائي.
على الصعيد الوطني: يتمتع المغرب باستقرار مؤسساتي وسياسي فريد في المنطقة، مع تنويع متصاعد للشراكات الدولية، واكتساب اعترافات دولية متزايدة بمرجعية مبادرة الحكم الذاتي في الصحراء المغربية. وفي مقابل هذه المكاسب الجيوسياسية، يواجه المغرب توالياً لسنوات الجفاف الهيكلي، وإجهاداً مائياً حاداً، وتحديات إدماج الشباب في سوق الشغل وتقليص الفوارق الترابية والاجتماعية.

3. الإشكالية المركزية:

كيف يمكن للمغرب، في ظل المتغيرات الجيوسياسية والاقتصادية والمناخية الراهنة (وطنياً ودولياً)، أن يستثمر مكاسبه الاستراتيجية لتجاوز المخاطر الهيكلية، واقتناص الفرص الناشئة لبناء نموذج دولة صاعدة قوية بحلول أفق 2035؟

بمعنى آخر :

1. ما هي التطورات الجيوسياسية والديموغرافية والاقتصادية التي تشكل المشهدين الوطني والدولي حالياً؟

2. كيف تتوزع المخاطر الهيكلية (الماء، التضخم، البطالة) وكيف يمكن التخفيف من آثارها؟

3. ما هي الفرص الواعدة (الهيدروجين الأخضر، المبادرة الأطلسية، كأس العالم 2030) المتاحة لتعزيز السيادة الوطنية المركبة؟

4. ما هي السيناريوهات المستقبلية المحتملة لتموقع المغرب في أفق 2035 بناءً على التقاطع بين الفرص والمخاطر؟

-القسم الاول /التشخيص الاستراتيجي: المتغيرات الجيوسياسية /التحديات والمخاطر

المطلب الأول: التحولات الجيوسياسية والهيكلية (الوطنية والدولية)

1. التحول في قواعد النظام الدولي والتنافس الأطلسي-الإفريقي
يتميز النظام الدولي الراهن بتراجع الأحادية القطبية لصالح تكتلات مرنة وتنافس حاد بين القوى العظمى (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، وروسيا) على الموارد الطبيعية والممرات اللوجستية. يقع المغرب في قلب هذا التنافس بحكم موقعه في الساحل الأطلسي وقربه من عمقه الأفريقي.
أدت “المبادرة الأطلسية” التي أطلقها المغرب إلى إعادة تموّع غرب أفريقيا ودول الساحل، محوّلة الشريط الساحلي الأطلسي للمملكة إلى منصة اندماج اقتصادي وأمني بين أفريقيا ولاتينو-أمريكا وأوروبا.

2. الدبلوماسية الواقعية وتثبيت المغرب كقوة إقليمية
انتقل المغرب في إدارته لملف وحدته الترابية من موقف الدفاع إلى مبادرة حسم المعطيات الميدانية والدبلوماسية. أثمر هذا التحول اعترافات متتالية وسيادية من دول كبرى بمرجعية مبادرة الحكم الذاتي، مما أتاح فتح آفاق جديدة لتنويع الشراكات الاقتصادية والعسكرية (الولايات المتحدة، الصين، الهند، دول الخليج، والشركاء الأوروبيين) وفق مبدأ “رابح-رابح ” وتجنب الارتهان لقطب واحد.
المطلب الثاني: التشخيص الاستراتيجي للمخاطر الداكنة
يعتمد هذا التشخيص على التحليل الاستراتيجي المتقاطع وتقييم المخاطر الهيكلية:

1. الإجهاد المائي والتغير المناخي.
يُعد الجفاف في المغرب متغيراً هيكلياً وليس ظاهرة استثنائية عابرة. فمع تراجع حقينة السدود إلى مستويات حادة والانخفاض الملموس في التساقطات المطرية، انخفضت حصة الفرد من المياه إلى أقل من 600 متر مكعب سنوياً (وهو ما يضع البلاد دون خط الفقر المائي المحدد بـ 1000 متر مكعب). يشكل هذا الوضع خطراً مباشراً على القطاع الفلاحي، الذي يساهم بنسبة مهمة في الناتج الداخلي الخام وتشغيل اليد العاملة القروية.
2. المخاطر الاقتصادية والتضخم المستورد
يتعرض الاقتصاد المغربي لهزات ناتجة عن تقلبات الأسعار الدولية للمواد الأولية والطاقية. ورغم سياسة التحكم في التوازنات الماكرواقتصادية، فإن ارتفاع الدين العمومي يحد من الهامش المناور للميزانية العامة، مما يضع استدامة بعض أوراش الحماية الاجتماعية أمام اختبار التمويل طويل الأمد.
3. التحدي الاجتماعي: البطالة وإدماج الشباب
تظهر المعطيات الإحصائية ارتفاع معدلات البطالة خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات العليا. يشكل هذا الخلل الهيكلي في سوق الشغل – المقترن باستمرار نسبة من القطاع غير المهيكل – عائقاً أمام تحقيق الاندماج الاجتماعي الشامل، ويزيد من الضغط على الرأسمال البشري الوطني.

القسم الثاني / استشراف المستقبل: الفرص الواعدة، السيناريوهات الاستراتيجية ومقومات المغرب الصاعد.

1. السيادة المركبة: الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة
تمتلك المملكة مؤهلات طبيعية (شمسية وريحية) تجعلها مرشحة لتبوأ مركز صدارة في إنتاج الهيدروجين الأخضر ومشتقاته (مثل الأشكال الخضراء للأمونيا الموجهة لصناعة الأسمدة). يتيح هذا المجال للمغرب خفض الفاتورة الطاقية، وتحقيق السيادة الطاقية، وتصدير الطاقة النظيفة إلى السوق الأوروبية.

2. تحول سلاسل القيم العالمية والبنية التحتية اللوجستية
يُشكل قطاع صناعة السيارات وتركيب الطيران نموذجاً للاندماج الناجح في سلاسل القيم العالمية. ومع توفر ميناء طنجة المتوسط، واستكمال ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء الدخلة الأطلسي، يتحول المغرب إلى منصة صناعية ولوجستية لا غنى عنها للشركات الدولية الراغبة في تقريب مراكز إنتاجها من الأسواق الاستهلاكية.
3. كسب رهان تنظيم الأنشطة الدولية الكبرى (كأس العالم 2030)
يمثل تنظيم كأس العالم 2030 بالتشارك مع إسبانيا والبرتغال رافعة استثمارية غير مسبوقة. لا يقتصر الأثر على تطوير الملاعب، بل يمتد لتحديث شبكات النقل (القطار الفائق السرعة والتوسع الميكانيكي للمطارات)، وتطوير البنية التحتية الرقمية والسياحية، مما يعطي دفعة قوية للناتج المحلي الإجمالي خلال العقد القادم.
– السيناريوهات الاستراتيجية والتوصيات المؤسسية لأفق 2035
استناداً إلى تقاطع المتغيرات الوطنية والدولية، يمكن وضع ثلاثة سيناريوهات استشرافية لتموقع المغرب في أفق 2035:

1. السيناريو الأول : “النمو التدريجي المتوازن”
المحددات: نجاح جزئي في تنويع الاقتصاد وتحول الطاقة مع استمرار الضغوط المناخية والتقلبات الاقتصادية الدولية.
النتيجة: تحقيق معدلات نمو متوسطة (بين 3.5% و 4.5%)، واستمرار كبح بعض الفوارق المجتمعية دون تقليصها كلياً، مع الحفاظ على الاستقرار المالي والمؤسساتي.
2. السيناريو الثاني (الإيجابي الأفضل): “الإقلاع الاقتصادي والتأثير الإقليمي (المغرب الصاعد)”
المحددات: التنفيذ التام والمحكم لتوصيات النموذج التنموي الجديد، وتدفق الاستثمارات في الهيدروجين الأخضر والتحول الرقمي، واستكمال محطات تحلية المياه، والاستفادة القصوى من أثر زخم كأس العالم 2030 وتفعيل “المبادرة الأطلسية”.
النتيجة: تسريع وتيرة النمو لترتفع فوق 6% سنوياً، مع تقليص البطالة، واستكمال ورش التغطية الاجتماعية والشاملة، وتعزيز مكانة المغرب كـ “قطب استثماري وجيوسياسي” بين القارات.
3. السيناريو الثالث (السلبي التراجعي): “الارتهان والتأثر بالصدمات المتعددة”
المحددات: توالي الجفاف والتحول إلى بيئة مناخية شديدة القسوة، مع عجز في تنفيذ مشاريع تحلية المياه في آجالها، وتصاعد الجيوسياسة الحمايمية الدولية، وتأخر الإصلاحات الإدارية والمؤسساتية.
النتيجة: بطء معدلات النمو (أقل من 2.5%)، وتزايد عبء الدين والضغط المالي، وارتفاع منسوب الاحتقان الاجتماعي نتيجة لضغوط البطالة والغلاء.

الاستنتاج العام:
يقف المغرب اليوم عند عتبة تاريخية فارقة في مساره التنموي والجيوسياسي. إن التحولات الدولية المتسارعة، على الرغم مما تحمله من مخاطر داكنة تهم الأمن المائي والغذائي وتضخم الميزانيات، توفر في الوقت ذاته فرصة غير مسبوقة لإعادة رسم مكانة المملكة كدولة صاعدة ورائدة إقليمياً.
إن العبور الناجح نحو أفق 2035 وتحقيق مقومات السيناريو الإيجابي يتطلبان استكمال تنفيذ المحاور الاستراتيجية التالية:
1. إعادة هيكلة السياسة المائية والطاقية: التسريع الإستراتيجي لبرامج تحلية مياه البحر عبر الطاقات المتجددة لضمان استدامة الفلاحة والأمن المائي للشرب.
2. الاستثمار الفعال في الرأسمال البشري: إصلاح المنظومة التعليمية، والربط الوثيق بين التكوين ومتطلبات مهن المستقبل (الهيدروجين الأخضر، الذكاء الاصطناعي، والصناعات الدقيقة).
3. تحديث الحكامة الترابية: التفعيل الحقيقي للجهوية المتقدمة وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية عبر مبادئ العدالة الترابية لتثبيت التماسك الوطني.
4. ترسيخ الدبلوماسية الاقتصادية والمبادرة الأطلسية: تحويل الواجهة الأطلسية للمملكة إلى الشريان الرئيس للتكامل الأفريقي-اللاتيني وتوثيق الاندماج في سلاسل القيم العالمية.
إن امتلاك المغرب لرؤية استشرافية واضحة، مقرونة بمرونة مؤسساتية واستقرار سياسي صلب، يمثل ضمانته الأساسية لتحويل التحديات إلى مكتسبات دائمة توائم تطلعات المغرب في العقود القادمة.

الدكتور المصطفى قاسمي
استاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى