ميساج

«تجديد الثقة»… الجملة التي تفقد الشباب الثقة

حين يبقى الكبار في مواقع القرار، لا يكبر الصغار داخل الوطن… بل نُسكن فيهم حلم الرحيل والفرار

«تجديد الثقة»… الجملة التي تفقد الشباب الثقة

حين يبقى الكبار في مواقع القرار، لا يكبر الصغار داخل الوطن… بل نُسكن فيهم حلم الرحيل والفرار

بقلم. : بوشعيب حمراوي

هناك عبارات تبدو بريئة في ظاهرها، إيجابية في وقعها، مطمئنة في استعمالها، لكنها تخفي وراءها أحيانًا فلسفة كاملة في تدبير السلطة والفرص والمستقبل. ومن بين أكثر هذه العبارات تداولًا في السياسة والإدارة والمؤسسات والهيئات والجمعيات والأحزاب عبارة: «تجديد الثقة».


في ظاهرها، لا شيء يدعو إلى الاعتراض. فمن حق مؤسسة ما أن تجدد الثقة في شخص أثبت كفاءته، ومن الطبيعي أن يستمر مسؤول نجح في مهمته. لكن عندما يتحول «تجديد الثقة» من استثناء تبرره الكفاءة إلى قاعدة دائمة تحكم تداول المسؤوليات، فإننا لا نكون أمام ثقة تُجدَّد بقدر ما نكون أمام أبواب تُغلق.

وهنا تبدأ المشكلة. لأن كل مرة يُعلن فيها عن «تجديد الثقة» في الأسماء نفسها، هناك شباب يسمعون في الجهة المقابلة جملة أخرى غير مكتوبة: انتظروا أكثر… لم يأت دوركم بعد.
وحين تتكرر سنوات الانتظار، يصبح السؤال مشروعًا: متى يأتي هذا الدور؟

الشاب الذي يبلغ الثلاثين، ثم الخامسة والثلاثين، ثم الأربعين، وهو يسمع باستمرار أن المسؤولية جُددت لفلان، والرئاسة مُددت لفلان، والمنصب أُعيد إسناده لفلان، يبدأ تدريجيًا في فقدان الإيمان بفكرة الترقي الطبيعي داخل المجتمع.

ليس لأنه يريد إقصاء الكبار، ولا لأن العمر في حد ذاته عيب، ولكن لأن المؤسسات الحية لا تُبنى فقط بخبرة السابقين، بل بقدرتها على إعداد القادمين وفتح الطريق أمامهم.

المجتمع الذي لا يعرف كيف يفتح الطريق أمام شبابه يشبه أسرة تظل تخبر أبناءها بأنهم «صغار» مهما كبروا. وعندما يبلغ الابن الأربعين وما زال يسمع أنه يحتاج إلى مزيد من التجربة، يصبح السؤال ساخرًا ومؤلمًا في الوقت نفسه:
متى يصبح الإنسان جاهزًا للمسؤولية؟ بعد أن يصبح هو نفسه من الكبار؟

وهنا تكمن المفارقة. نقول إن الشباب يفتقدون الخبرة، ثم نمنع عنهم المواقع التي تصنع الخبرة.
نقول إنهم غير مستعدين للقيادة، ثم لا نمنحهم فرصة ليتعلموا القيادة.
نقول إنهم بعيدون عن السياسة، بينما نغلق أمامهم أبواب الأحزاب والمؤسسات ومراكز القرار.
ثم نستغرب عندما يبتعدون.
الثقة لا تُبنى بالخطب. الثقة تُبنى عندما يرى الإنسان أن أمامه طريقًا مفتوحًا.
حين يرى الموظف الشاب أن الاجتهاد قد يقوده يومًا إلى المسؤولية، يتمسك بمؤسسته.
وحين يرى المناضل الحزبي أن سنوات العمل والتكوين والتضحية قد توصله إلى القيادة، يتمسك بحزبه.
وحين يرى الباحث والكفاءة الشابة أن البلد يحتاج فعلًا إلى قدراتها، يتمسك بالبلد.
أما عندما يكتشف أن المقاعد محجوزة، وأن المواقع تدور داخل الدائرة نفسها، وأن عبارة «تجديد الثقة» أصبحت صيغة أنيقة لإعادة إنتاج الأشخاص أنفسهم، فإنه يبدأ في البحث عن فضاء آخر يعترف به.
قد يكون شركة في الخارج. أو جامعة في الخارج. أو مؤسسة دولية. أو بلدًا آخر بالكامل.
وهكذا تتحول الهجرة من مجرد اختيار اقتصادي إلى موقف نفسي من المجتمع ومن المستقبل.
إن أخطر أشكال الهجرة ليست أن يغادر الشاب الوطن بالطائرة، بل أن يغادره معنويًا قبل أن يغادره جغرافيًا.
أن يعيش فيه من دون أن يؤمن بأنه جزء من مستقبله. أن يؤدي واجباته من دون أن يرى لنفسه موقعًا في صنع القرار. أن يتابع النقاشات السياسية والإدارية والمؤسساتية وهو مقتنع سلفًا بأن الأسماء ستبقى هي الأسماء، وأن الوجوه قد تتغير في الصور، بينما المواقع تظل تدور في الحلقة نفسها.
عندها يصبح الرحيل فكرة عقلانية. فالإنسان بطبيعته يبحث عن المكان الذي يشعر فيه بأن الزمن يعمل لصالحه، لا ضده.


في المجتمعات التي تؤمن بالتداول، يشكل مرور الوقت فرصة للشاب. أما في المجتمعات المغلقة، فإن مرور الوقت يتحول إلى عبء. يمضي العمر، بينما لا تتحرك السلالم.
وهذه واحدة من أخطر أزماتنا: أحيانًا لا يكون الصراع بين الكفاءة وعدم الكفاءة، بل بين من وصلوا إلى المواقع ومن ينتظرون خارجها. ولا ينبغي أن يتحول هذا الكلام إلى حرب بين الأجيال.

فالشباب يحتاجون إلى خبرة الكبار، والكبار يحتاجون إلى طاقة الشباب.
المجتمع السليم ليس مجتمعًا يطرد الكبار من مواقع المسؤولية لمجرد أعمارهم، كما أنه ليس مجتمعًا يحتفظ بهم إلى ما لا نهاية لمجرد أنهم موجودون هناك منذ زمن.

القيمة الحقيقية تكمن في التداول. أن يتحول المسؤول السابق إلى مستشار. أن يصبح القائد القديم مرشدًا.
أن تنتقل المعرفة والخبرة، بدل أن تنتقل الكراسي فقط من ولاية إلى أخرى.
أن يعرف المسؤول لحظة الدخول إلى المهمة، وأن يمتلك كذلك حكمة معرفة لحظة المغادرة.
فالانسحاب في الوقت المناسب ليس هزيمة. بل قد يكون أحيانًا أرقى أشكال القيادة.

القائد الحقيقي لا يُقاس فقط بما أنجزه وهو في منصبه، بل كذلك بمن أعدهم ليأتوا بعده.
والمؤسسة القوية ليست التي تعجز عن الاستمرار دون رئيسها، بل التي تستطيع أن تنجب في كل مرحلة رئيسًا جديدًا قادرًا على تطوير ما بدأه السابق.
أما المؤسسة التي يصبح بقاؤها مرهونًا بشخص واحد، فهي في الحقيقة مؤسسة ضعيفة، مهما بدا ذلك الشخص قويًا.

عبارة «تجديد الثقة» تحتاج إلى كثير من الحذ

لذلك فإن عبارة «تجديد الثقة» تحتاج إلى كثير من الحذر.
فالثقة التي تُجدد بلا نهاية قد تتحول إلى احتكار.
والاستقرار الذي يمتد أكثر مما يجب قد يتحول إلى جمود.
والخبرة، إذا لم تنتقل إلى الآخرين، قد تتحول من قيمة مضافة إلى سلطة مغلقة.

أما الشباب، فلا يحتاجون إلى خطابات طويلة تخبرهم بأنهم «مستقبل البلاد». حتى هذه العبارة أصبحت مستهلكة.
لأن الشباب لا يريدون أن يكونوا مستقبلًا مؤجلًا إلى الأبد.
يريدون أن يكونوا جزءًا من الحاضر.

يريدون أن يجدوا أنفسهم داخل المجالس والإدارات والأحزاب والمؤسسات ومراكز البحث ودوائر التخطيط ومواقع المسؤولية.
ليس مجاملة.
وليس استجابة لشعار عابر اسمه «تشبيب النخب».
بل لأن التداول بين الأجيال شرط من شروط حياة المجتمعات واستمرارها. ومن الغريب أن نطالب الشباب بعدم الهجرة، ثم نبني أمامهم أسباب الهجرة.

نقول لهم: ابقوا.
لكنهم حين ينظرون إلى هرم المسؤوليات، يجدون الطريق طويلًا ومغلقًا.

نقول لهم: انخرطوا في السياسة.
لكنهم يكتشفون أن القيادات تتغير ببطء شديد، وأحيانًا لا تتغير إلا عندما تفرض الطبيعة تغييرها.
نقول لهم: كونوا طموحين.
لكن بعض المؤسسات تعلمهم عمليًا أن الطموح ينبغي أن ينتظر موافقة من سبقهم.

الشباب يبحث عن الفرصة والشعور بالاحترام

لا يمكن وقف نزيف الهجرة فقط بتحسين الأجور.
فالإنسان لا يهاجر بحثًا عن المال وحده.
يهاجر أيضًا بحثًا عن الاعتراف و الاحترام . وعن الفرصة….
عن الشعور بأن جهده قادر على تغيير موقعه.
عن مجتمع يقول له بالفعل، لا بالشعارات: تستطيع أن تصل.
وحين يفقد هذا الشعور، يبدأ الوطن في التحول داخل ذهنه من فضاء للانتماء إلى مجرد محطة انتظار.
لذلك ربما حان الوقت لأن نغيّر السؤال. بدل أن نسأل دائمًا:
هل يستحق هذا المسؤول تجديد الثقة؟
علينا أحيانًا أن نسأل السؤال الأكثر جرأة:
هل يوجد شخص آخر يستحق أن نثق فيه لأول مرة؟
فالمجتمعات لا تتقدم فقط بتجديد الثقة في الذين نعرفهم، بل تتقدم كذلك بالشجاعة في منحها لمن لم نجربهم بعد.
قد يخطئون. وقد يتعثرون.و قد يحتاجون إلى التوجيه.
لكن كل الذين أصبحوا اليوم أصحاب تجربة كانوا يومًا بلا تجربة.
وكل مسؤول كبير كان في لحظة ما شابًا ينتظر أن يفتح له أحدهم الباب.

احذروا شيخوخة آلية إنتاج المسؤولين.

المشكلة أننا ننسى ذلك أحيانًا بمجرد أن نجلس على الكرسي.
إن أكبر خدمة يمكن أن يقدمها جيل لجيل آخر ليست أن يحتفظ له بالمقاعد حتى يصبح «جاهزًا»، بل أن يمنحه الفرصة لكي يصبح جاهزًا وهو يتحمل المسؤولية.
لأن المسؤولية لا تُدرَّس كاملة في الكتب. إنها تُتعلم بالممارسة.
وحين يستمر المجتمع في «تجديد الثقة» في الوجوه نفسها، قد يكتشف بعد سنوات أنه جدد الثقة في الأشخاص… لكنه فقد ثقة جيل كامل.
وجيل يفقد الثقة في مؤسسات بلده لا يبقى طويلًا في الانتظار.

إما أن ينسحب من الشأن العام. وإما أن يهاجر.
وإما أن يبقى داخل الوطن بجسد حاضر وعقل يبحث كل يوم عن مكان آخر.
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس شيخوخة مسؤوليها، بل شيخوخة آلية إنتاج المسؤولين.
فالأوطان التي لا تجدد نخبها، لا تجدد نفسها.
والشباب الذين لا يجدون أبوابًا يدخلون منها إلى المستقبل، سيبحثون حتمًا عن أبواب يخرجون منها إلى مكان آخر.
وما بين «تجديد الثقة» و**«فقدان الثقة»**…
قد لا تكون هناك أحيانًا سوى ولاية أخرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى