الإعلام العمومي ليس منصة للدعاية الحزبية فقط … من يدخل الحوار عليه أن يقبل المساءلة

الإعلام العمومي ليس منصة للدعاية الحزبية فقط … من يدخل الحوار عليه أن يقبل المساءلة
للحزب حصته الرسمية ليعرض ما يشاء من برنامجه… أما البرامج الحوارية فهي فضاء الصحافة لطرح أسئلة الرأي العام عن التاريخ والمسار والحصيلة والصراعات والتعثرات والوعود
بقلم: بوشعيب حمراوي
يبدو أن بعض الأحزاب السياسية وبعض قياداتها ما زالت تدخل استوديوهات الإعلام العمومي خلال الحملات الانتخابية وهي تحمل تصورًا ملتبسًا لوظيفة التلفزيون والإذاعة، وكأن استدعاء الأمين العام أو القيادي إلى برنامج انتخابي يعني منحه منبرًا إضافيًا للدعاية، يختار موضوعه وأسئلته وحدود النقاش فيه، ويتحدث خلاله عن برنامجه ووعوده كما يشاء، ثم يغادر من دون أن يُسأل عن الماضي أو الحاضر، وعن النجاحات والإخفاقات، وعن الأزمات الداخلية أو التناقضات بين الخطاب والممارسة.
وهذا فهم يحتاج إلى التصحيح.
للأحزاب السياسية بالفعل حق في الولوج إلى وسائل الإعلام العمومية خلال الحملة الانتخابية، وهناك حصص رسمية مضبوطة قانونًا وتنظيميًا، توزع وفق قواعد معلومة، وتمكّن الأحزاب من تقديم رسائلها الانتخابية وبرامجها ومواقفها إلى الناخبين.
لكن الحصة الانتخابية الرسمية شيء، والبرنامج الصحفي الحواري شيء آخر تمامًا.
حين تمنح الدولة والقانون حزبًا سياسيًا دقائق محددة لتقديم خطابه الانتخابي، فذلك حق من حقوقه في التواصل مع المواطنين. أما حين تنتج قناة عمومية برنامجًا حواريًا بمبادرة منها، وتستدعي إليه أمينًا عامًا أو قياديًا حزبيًا، فليس أمامنا شريط دعائي ولا منصة تواصل حزبية، بل أمامنا عمل صحفي يخضع للاستقلالية التحريرية ولحق الصحفي في السؤال وحق المواطن في المعرفة.
وهذا التمييز ليس مجرد رأي في الممارسة الإعلامية، بل تؤكده القواعد المنظمة للفترة الانتخابية، التي تفرق بين برامج الحملة الرسمية المخصصة للأحزاب وبين البرامج التي تنتجها القنوات والإذاعات بمبادرتها وتحت مسؤوليتها التحريرية.

الضيف لا يحدد وحده ما يحق للصحفي أن يسأل عنه
حين يدخل مسؤول حزبي إلى برنامج حواري انتخابي، فهو لا يأتي فقط لكي يخبر المغاربة بما سيقوم به حزبه بعد الانتخابات.
إنه يأتي أيضًا لكي يجيبهم عما قام به حزبه قبل الانتخابات.
يحق للصحفي أن يسأله: من أنتم؟ من أين أتيتم؟ ماذا قدمتم؟ ما حصيلتكم؟ لماذا تراجعتم أو تقدمتم؟ ما الذي حدث داخل حزبكم؟ لماذا غادره فلان والتحق به آخر؟ كيف أدرتُم خلافاتكم الداخلية؟ كيف تمنحون التزكيات؟ كيف تختارون المرشحين؟ ماذا أنجزتم عندما كنتم في الحكومة أو المعارضة أو الجماعات الترابية؟ ولماذا لم تنفذوا بعض ما سبق أن وعدتم به؟
ويحق له أيضًا أن ينبش في تاريخ الحزب، لا بحثًا عن الإثارة المجانية، بل لأن التاريخ السياسي جزء من البطاقة التعريفية لأي تنظيم يطلب اليوم أصوات المواطنين.
الحزب السياسي ليس مولودًا صباح الحملة الانتخابية.
له ذاكرة ومسار وقيادات ومواقف وتحالفات واختيارات وخصومات وانشقاقات ونجاحات وإخفاقات. ومن يطلب من المواطن أن يمنحه صوته للمستقبل، عليه أن يقبل بأن يسأله المواطن، عبر الصحفي، عما فعله في الماضي والحاضر.
فكيف يمكن تقييم برنامج حزب من دون تقييم تجربته؟
وكيف يمكن للمواطن أن يحكم على مصداقية وعد انتخابي من دون أن يعرف حصيلة الوعود السابقة؟
الصحفي ليس منشطًا لحفل حزبي
هناك فرق كبير بين الصحفي الذي يدير حوارًا انتخابيًا وبين منشط لقاء جماهيري لحزب سياسي.
المنشط قد تكون مهمته تقديم قادة الحزب والإشادة ببرنامجه وتنظيم تدخلاتهم. أما الصحفي فوظيفته مختلفة. هو موجود ليسأل، ويدقق، ويقارن، ويواجه الأرقام بالأرقام، والخطاب بالممارسة، والوعد بالحصيلة.
ولذلك فإن السؤال الصعب ليس اعتداء على الضيف. والعودة إلى أزمة داخل الحزب ليست مؤامرة عليه. والتذكير بتراجع انتخابي ليس إساءة. والسؤال عن صراع على القيادة ليس خروجًا عن الموضوع.
بل قد يكون كل ذلك أكثر أهمية للمواطن من إعادة سماع الوعود نفسها التي يستطيع الحزب نشرها في موقعه وصفحاته ومنشوراته وتجمعاته وحصصه الرسمية.
إذا كانت البرامج الحوارية ستكتفي بسؤال كل زعيم سياسي: «ماذا يوجد في برنامجكم الانتخابي؟»، ثم تترك له عشرات الدقائق ليسرد ما أعده مستشاروه، فلماذا نسميها برامج صحفية أصلًا؟
يمكن حينها ببساطة منح الأحزاب الكاميرا وتركها تسجل خطاباتها.
الصحافة تبدأ تحديدًا عندما ينتهي الخطاب الجاهز ويبدأ السؤال.
الاعتراض حق… لكن الصحفي ليس مطالبًا بطلب إذن الضيف
ومن الطبيعي أن يعترض المسؤول الحزبي على معلومة يراها خاطئة. بل من حقه ومن واجبه أن يصححها. إذا قدم الصحفي معطى عن تاريخ الحزب، وقال المسؤول: «هذا غير صحيح، والحقيقة هي كذا»، فهذه هي طبيعة الحوار. يقدم الصحفي ما لديه، ويقدم الضيف روايته أو وثائقه أو تفسيره، ويترك للمشاهد حق التقدير.
أما أن يعتبر المسؤول السياسي مجرد طرح ملف داخلي أو استحضار واقعة تاريخية أو حصيلة انتخابية نوعًا من الجهل بالسياسة أو الاستهداف، فهنا يصبح الإشكال في فهم طبيعة الحوار نفسه.
المسؤول السياسي ليس هو من يضع للصحفي قائمة الأسئلة المسموح بها.
كما أن الصحفي ليس خصمًا انتخابيًا حتى يُطلب منه الالتزام برواية الحزب عن نفسه.
وعندما تستضيف القناة زعيم حزب، فهي لا تمنحه ملكية مؤقتة للاستوديو.
الإعلام العمومي ملك للمواطن قبل أن يكون فضاءً للأحزاب
من المهم جدًا أن تدرك الأحزاب أن وجودها في الإعلام العمومي خلال الانتخابات لا يعني أن الإعلام العمومي تحول إلى ملحق بالحملة الانتخابية.
لأن الأولوية فيه تبقى لحق المواطن في المعلومة. فالناخب لا يحتاج فقط إلى معرفة أن حزبًا ما يعده بخلق عدد معين من فرص الشغل أو رفع الأجور أو إصلاح التعليم والصحة. يحتاج كذلك إلى من يسأل الحزب: من أين ستأتون بالمال؟ لماذا لم تفعلوا ذلك عندما أتيحت لكم الفرصة؟ هل تتطابق الأرقام مع إمكانات الميزانية؟ من سينفذ؟ وفي أي أجل؟ وما الذي يضمن ألا تتحول الوعود إلى أرشيف انتخابي جديد؟
ويحتاج المواطن أيضًا إلى معرفة الحالة الداخلية للحزب الذي سيصوت عليه.لأن الحزب الذي يعجز عن تدبير ديمقراطي لخلافاته الداخلية من المشروع أن يُسأل كيف سيدبر خلافات المجتمع.
والحزب الذي يعرف نزاعات حول القيادة أو الترشيحات أو الشرعية التنظيمية من حق المواطن أن يعرف حقيقتها.
والحزب الذي تغيرت تحالفاته ومواقفه من محطة إلى أخرى يجب أن يشرح أسباب ذلك.
هذه ليست «أسرارًا داخلية» حين يصبح الحزب طالبًا للثقة العامة.
«صدى الانتخابات» وأمثاله… الحوار ليس حصة انتخابية رابعة
وهنا تأتي أهمية برامج من قبيل «صدى الانتخابات» وغيرها من البرامج الحوارية التي تبتكرها القنوات والإذاعات خلال الفترة الانتخابية.
هذه البرامج ينبغي ألا يخلطها أحد مع الحصص الرسمية المخصصة للأحزاب. الحزب أخذ حصته الرسمية، وله فيها أن يقدم رؤيته ورسائله وفق القواعد المعمول بها. أما عندما ينتقل إلى برنامج حواري مستقل في خطه التحريري، فإنه ينتقل من مرحلة تقديم الرسالة إلى مرحلة مناقشتها ومساءلتها.
وهنا تتغير طبيعة العلاقة. لم يعد السؤال: ماذا تريد أن تقول للمغاربة؟ بل أيضًا: ماذا يريد المغاربة أن يعرفوا منك؟ وهذا الفرق جوهري. فالصحافة الجيدة لا تسأل فقط عن النقاط التي يرغب السياسي في الحديث عنها، وإنما عن النقاط التي قد لا يرغب في الحديث عنها، لكنها تهم المواطن.
على الأحزاب أن تستعد للأسئلة لا للخطابات فقط ربما تحتاج الأحزاب خلال الانتخابات إلى تغيير طريقة إعداد قياداتها للمرور التلفزيوني. فبدل أن يدخل الزعيم إلى الاستوديو محملًا فقط بأرقام البرنامج وشعارات الحملة، عليه أن يدخل وهو مستعد للإجابة عن كل سجل حزبه. عن التأسيس. وعن المسار. وعن النتائج الانتخابية السابقة. وعن التحالفات. وعن الانشقاقات والصراعات. وعن المواقف التي تغيرت. وعن الأخطاء قبل النجاحات.و عن حصيلة المنتخبين. وعن الوعود القديمة قبل الجديدة.
وعن سبب استحقاق الحزب فرصة أخرى إن كان قد جُرّب، أو سبب الوثوق به إن كان لم يُجرّب.
هذه هي الديمقراطية. وهذه هي وظيفة الإعلام في زمن الانتخابات. من يريد الدعاية فله منصاته… ومن يأتي إلى الصحافة فليقبل بالسؤال.
للأحزاب تجمعاتها ومنصاتها الرقمية وصفحاتها ومواقعها وبياناتها وحصصها الرسمية، وكلها فضاءات مشروعة لتسويق برامجها الانتخابية.
أما البرامج الصحفية الحوارية في الإعلام العمومي فلا ينبغي اختزالها في وظيفة أخرى إضافية للدعاية.
لأنها، قبل كل شيء، موعد بين السياسي والمواطن، والصحفي ليس سوى حامل لأسئلة هذا المواطن. ومن هنا ينبغي توجيه رسالة واضحة إلى كل الأحزاب، كبيرها وصغيرها، في الأغلبية والمعارضة:
لا تدخلوا استوديوهات البرامج الحوارية وأنتم تنتظرون فقط أسئلة تريحكم.
ولا تعتبروا العودة إلى تاريخكم تشويشًا على حملتكم. ولا تغضبوا لأن الصحفي ذكّركم بما قد تفضلون نسيانه. ولا تطلبوا من الإعلام أن يقدم لكم الصورة التي تريدونها عن أنفسكم. قولوا أنتم ما تريدون قوله عن أحزابكم، لكن اتركوا للصحافة حق أن تسألكم عما يريد المواطن معرفته عنها. فالإعلام العمومي ليس جدارًا لتعليق الملصقات الانتخابية، ولا مكبر صوت للأحزاب، ولا منصة مجانية لتسويق البرامج.
إنه فضاء للمعلومة والنقاش والمساءلة. والسياسي الذي يطلب أصوات المواطنين عليه أن يكون مستعدًا لأسئلتهم أيضًا.
لأن الديمقراطية لا تبدأ من صندوق الاقتراع وحده.
إنها تبدأ، قبل ذلك، من حق المواطن في أن يسأل… وواجب السياسي في أن يجيب.



