🚨🚩👈🏼من البرلمان إلى الجماعة: اختلاف الرهانات والاختصاصات في الانتخابات المغربية

🚨🚩👈🏼من البرلمان إلى الجماعة: اختلاف الرهانات والاختصاصات في الانتخابات المغربية
بقلم حميد فوزي
تكتسي الانتخابات التشريعية والجماعية أهمية بالغة في البناء المؤسساتي والديمقراطي بالمغرب، غير أن اختلاف طبيعة كل استحقاق انتخابي يقتضي التمييز بين وظائفهما وآثارهما، سواء على مستوى صناعة القرار الوطني أو تدبير الشأن المحلي. فبينما يختار الناخبون، من خلال الانتخابات التشريعية، ممثليهم في مجلس النواب للمساهمة في سن القوانين ومراقبة عمل الحكومة، تتيح الانتخابات الجماعية اختيار أعضاء المجالس التي تتولى تدبير شؤون الجماعات الترابية وتوفير خدمات القرب.
ولا يتعلق الأمر بانتخابات متشابهة تختلف فقط في أسماء المرشحين أو طبيعة الدوائر الانتخابية، بل باستحقاقين يندرج كل واحد منهما ضمن مستوى مختلف من مستويات تدبير الشأن العام. فالتشريعية ترتبط بمؤسسات الدولة وتوجهاتها الكبرى، في حين ترتبط الجماعية بالحياة اليومية للسكان وبالمشاريع والخدمات التي تنجز داخل المدن والقرى والمراكز.
👈🏼انتخابات ترسم ملامح القرار الوطني
تفرز الانتخابات التشريعية أعضاء مجلس النواب، الذي ينتخب أعضاؤه بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات. ويضطلع البرلمان، بمجلسيه، بممارسة السلطة التشريعية والتصويت على القوانين، إلى جانب مراقبة عمل الحكومة وتقييم السياسات العمومية.
وبناءً على ذلك، فإن الرهان في الانتخابات التشريعية لا يقتصر على اختيار أشخاص لتمثيل دوائرهم، بل يمتد إلى تحديد موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية، وتشكيل الأغلبية والمعارضة، والتأثير في اتجاهات العمل الحكومي. كما تساهم نتائج هذه الانتخابات في تحديد الحزب أو التحالف القادر على قيادة الحكومة، وفقاً للمقتضيات الدستورية.
وتتناول الحملات الانتخابية التشريعية، عادة، قضايا ذات طابع وطني، من قبيل إصلاح التعليم والصحة، وتحسين القدرة الشرائية، وتشجيع الاستثمار، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومة العدالة، فضلاً عن السياسات المرتبطة بالاقتصاد والمالية والأمن المائي والعلاقات الخارجية. ولذلك، فإن البرنامج الانتخابي في هذا النوع من الاستحقاقات يفترض أن يقدم تصورات عامة لتدبير الدولة، وليس فقط وعوداً مرتبطة بمنطقة أو جماعة محددة.
غير أن الملاحظ، خلال الحملة الانتخابية التشريعية الحالية بالإقليم، أن الخطاب الانتخابي يتمحور، في كثير من الأحيان، حول تدبير الشأن المحلي، سعياً إلى استقطاب أصوات الناخبين، ولا سيما أن فئة واسعة منهم لا تملك معرفة دقيقة بالفروق بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الجماعية، ولا بحدود الاختصاصات المنوطة بكل مؤسسة منتخبة.
ويؤدي هذا الخلط إلى توجيه مطالب محلية إلى مرشحين للتشريع، أو تحميلهم مسؤولية مباشرة عن خدمات ومرافق تدخل، من الناحية القانونية والمؤسساتية، ضمن اختصاصات المجالس الجماعية أو باقي الجماعات الترابية. فبدلاً من أن ينصب النقاش على القوانين والسياسات العمومية والبرامج الوطنية، ينصرف جزء من الخطاب إلى وعود تتعلق بإصلاح الطرق والإنارة والنظافة والتعمير وتوفير المرافق، وهي قضايا ترتبط أساساً بالتدبير المحلي، وإن كانت قد تتقاطع، في بعض جوانبها، مع تدخلات الدولة والجهات والقطاعات الحكومية.
ولا يعني ذلك أن طرح القضايا المحلية داخل الحملات التشريعية أمر غير مشروع، إذ يظل النائب البرلماني ممثلاً لسكان دائرته، ومن حقه الدفاع عن مصالح الإقليم والترافع بشأن حاجاته أمام الحكومة والقطاعات الوزارية. غير أن هذا الدور يختلف عن صلاحية التنفيذ المباشر، لأن النائب لا يحل محل رئيس المجلس الجماعي، ولا يملك تدبير ميزانية الجماعة أو إصدار القرارات المرتبطة بمرافقها المحلية.
ومن ثم، فإن استحضار المطالب المحلية في الخطاب التشريعي ينبغي أن يتم في إطار الترافع المؤسساتي والرقابة البرلمانية، لا في صورة وعود توحي للناخبين بأن المرشح قادر بمفرده على إنجاز مشاريع تدخل قانوناً ضمن اختصاصات مجالس الجماعات. فالترافع من أجل مستشفى أو طريق أو مؤسسة تعليمية، مثلاً، يختلف عن الالتزام المباشر بإنجازها، كما أن مساءلة الحكومة بشأن مشروع وطني أو قطاعي تختلف عن تدبير مرفق جماعي.
ويكشف هذا الوضع عن حاجة ملحة إلى تعزيز الثقافة الانتخابية، وتبسيط الفروق بين المؤسسات والاختصاصات، حتى يتمكن الناخب من تقييم البرامج والمرشحين على أساس واضح، ويميز بين ما يدخل في صميم العمل البرلماني وما يرتبط بالتدبير الجماعي. فكلما ارتفع وعي الناخب بطبيعة الاستحقاق الانتخابي، تراجع هامش الخطاب الملتبس، وأصبح النقاش أكثر ارتباطاً بالبرامج الواقعية والالتزامات القابلة للتنفيذ.
👈🏼الانتخابات الجماعية وتدبير خدمات القرب
في المقابل، تنتخب المجالس الجماعية لتدبير شؤون جماعة ترابية محددة، سواء كانت حضرية أو قروية. ويخضع عمل هذه المجالس للقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي يحدد اختصاصاتها وصلاحياتها، ويصنفها إلى اختصاصات ذاتية، وأخرى مشتركة مع الدولة، واختصاصات يمكن نقلها إليها تدريجياً.
وتتصل الاختصاصات الذاتية للجماعة، أساساً، بالتنمية المحلية والمرافق العمومية وخدمات القرب. وفي هذا الإطار، يتولى المجلس التداول في قضايا ترتبط ببرنامج عمل الجماعة، والميزانية، والجبايات المحلية، وتدبير الملك الجماعي، وإحداث المرافق والتجهيزات العمومية، فضلاً عن مجالات النظافة والإنارة والتطهير والأسواق والتعمير وبعض المرافق الثقافية والرياضية والاجتماعية.
كما تضع الجماعة، تحت إشراف رئيس مجلسها، برنامج عمل يحدد المشاريع والأعمال التنموية التي تعتزم إنجازها خلال مدة الولاية، على أن يخضع هذا البرنامج للتتبع والتحيين والتقييم. ومن ثم، فإن الحملة الجماعية ترتبط، في الغالب، بمشاكل ملموسة يعيشها السكان يومياً، مثل حالة الطرق والأرصفة، وجمع النفايات، والإنارة العمومية، وتنظيم الأسواق، وتدبير النقل المحلي، وصيانة الحدائق والملاعب، وتوفير المرافق الثقافية والاجتماعية.
وتتولى الجماعة، في حدود اختصاصاتها، تنفيذ جزء من السياسات العمومية على المستوى المحلي، غير أنها لا تعمل بمعزل عن الدولة والجهة والعمالة أو الإقليم. فهناك مجالات تتطلب شراكات وتمويلات مشتركة، ولا سيما المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنيات التحتية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وحماية البيئة. ولذلك، فإن قدرة المجلس الجماعي على تنفيذ وعوده تظل مرتبطة بموارده المالية وبمدى التنسيق مع باقي المؤسسات والقطاعات الحكومية.
👈🏼اختلاف وظيفة المنتخب
يكشف اختلاف الاختصاصات عن تباين واضح بين وظيفة النائب البرلماني ووظيفة عضو المجلس الجماعي أو رئيسه. فالنائب البرلماني يشارك في التشريع، ويتابع عمل الحكومة، ويدافع عن قضايا دائرته داخل المؤسسة التشريعية، لكنه لا يتولى، بصفة مباشرة، تدبير مرفق جماعي أو تنفيذ صفقة محلية. أما رئيس مجلس الجماعة، فيتولى تنفيذ مقررات المجلس وبرنامج عمله وميزانيته، ويدبر الإدارة والملك الجماعي والمرافق المحلية في حدود ما يسمح به القانون.
وعليه، فإن النائب البرلماني يستطيع أن يساهم في تعديل قانون يهم جميع المواطنين، أو أن يوجه سؤالاً إلى الحكومة بشأن سياسة وطنية، أو أن يناقش الاعتمادات المخصصة لقطاع معين. وفي المقابل، يستطيع رئيس الجماعة أن يشرف على تنفيذ مشروع لإنارة شارع، أو تحسين خدمات النظافة، أو إعادة تأهيل سوق، أو تدبير مرفق عمومي محلي.
ومن الأخطاء الشائعة تحميل كل منتخب مسؤولية اختصاص لا يملكه. فلا يستطيع المجلس الجماعي، بمفرده، إصلاح منظومة التعليم الوطنية أو تغيير سياسة التشغيل، كما لا يملك النائب البرلماني صلاحية الحلول محل رئيس الجماعة في تدبير النظافة أو تنفيذ مشاريع القرب. ومن هنا تبرز أهمية معرفة حدود الاختصاصات عند تقييم أداء المنتخبين ومساءلتهم.
👈🏼اختلاف الخطاب والوعود الانتخابية
ينطلق الخطاب الانتخابي التشريعي من قضايا الدولة الكبرى، إذ تركز الأحزاب والمرشحون على برامج تتعلق بالاقتصاد والتعليم والصحة والتشغيل والعدالة والحماية الاجتماعية. ويكون السؤال المركزي في هذه الحالة هو: أي توجه سياسي ينبغي أن يقود الدولة ويصوغ القوانين ويحدد أولويات السياسات العمومية؟
أما في الانتخابات الجماعية، فيتجه الخطاب نحو قضايا أكثر التصاقاً بالمجال والسكان، مثل النظافة والإنارة والطرق والتعمير والأسواق والمرافق الرياضية والثقافية. ويصبح السؤال الأساسي هو: كيف يمكن تدبير الجماعة وتحسين الخدمات اليومية وتنفيذ المشاريع المحلية؟
ولا يعني ذلك أن البرامج الجماعية منفصلة تماماً عن الخيارات الوطنية، فالمشاريع المحلية قد تستفيد من برامج الدولة أو من تمويلات الجهات والقطاعات الحكومية، كما أن القوانين والأنظمة الوطنية تحدد الإطار الذي تعمل داخله الجماعات. غير أن الفارق يكمن في مستوى القرار ومجال الأثر وطبيعة المسؤولية السياسية.
👈🏼آثار وطنية وأخرى محلية
تظهر آثار الانتخابات التشريعية على المستوى الوطني من خلال تركيبة البرلمان، وطبيعة الأغلبية الحكومية، واتجاه القوانين والسياسات العمومية، فضلاً عن القرارات المتعلقة بالمالية العامة والجبايات والاستثمار والحماية الاجتماعية. كما تمنح الناخبين فرصة لتحديد التوجه السياسي العام الذي يرغبون في أن يحكم البلاد خلال الولاية المقبلة.
أما الانتخابات الجماعية، فتظهر نتائجها بصورة أكثر مباشرة في حياة السكان، لأنها تؤثر في جودة الخدمات المحلية، وتوزيع المشاريع بين الأحياء والدواوير، وتدبير المرافق والملك الجماعي، وتنظيم الأسواق والتعمير، وتحديد أولويات الإنفاق المحلي. ومع ذلك، فإن أثرها لا يظل محصوراً داخل حدود الجماعة، إذ تساهم المجالس المحلية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي تنزيل عدد من السياسات العمومية على أرض الواقع.
ويترتب على ذلك أن نجاح السياسة الوطنية يحتاج إلى جماعات قادرة على التنفيذ، كما أن نجاح الجماعات يتطلب قوانين واضحة وموارد كافية ودعماً مؤسساتياً. فالعلاقة بين المستويين ليست علاقة فصل تام، وإنما علاقة تكامل وتعاون وتوزيع للاختصاصات بين مؤسسات الدولة والجماعات الترابية.
يتضح مما سبق أن الانتخابات التشريعية والانتخابات الجماعية تمثلان مستويين مختلفين من المشاركة السياسية وتدبير الشأن العام. فالانتخابات التشريعية تختار ممثلي المواطنين في المؤسسة التي تشرّع وتراقب الحكومة وتقيّم السياسات العمومية، ولذلك يكون أثرها وطنياً ومؤسساتياً وسياسياً. أما الانتخابات الجماعية، فتختار مجالس تتولى تدبير شؤون الجماعات وتنفيذ مشاريع القرب، ولذلك يكون أثرها أكثر التصاقاً بالحياة اليومية للسكان.
وبصيغة موجزة، ترتبط الانتخابات التشريعية بسؤال الدولة: من يشرّع ويراقب ويحدد التوجهات الوطنية؟ بينما ترتبط الانتخابات الجماعية بسؤال المجال: من يدبر المدينة أو القرية، وينفذ المشاريع، ويحسن الخدمات المحلية؟ وبينما تقاس نتائج الأولى بقدرتها على إنتاج قوانين وسياسات عمومية فعالة، تقاس نتائج الثانية بمدى تحسين المرافق والخدمات وتحويل برامج التنمية المحلية إلى إنجازات ملموسة يستفيد منها السكان.



