تقارير «PISA» تصدم المنظومة التعليمية بالمغرب… عندما يصبح 87% من تلاميذ الخامسة عشرة دون الحد الأدنى في القراءة
16% فقط بلغوا الحد الأدنى في الرياضيات و23% في العلوم… والغياب والفوضى ونقص الوسائل والتشتت الرقمي تكشف أن أزمة التعلمات ليست رقمًا عابرًا بل إنذارًا يستوجب مساءلة السياسات والبرامج والنتائج

تقارير «PISA» تصدم المنظومة التعليمية بالمغرب… عندما يصبح 87% من تلاميذ الخامسة عشرة دون الحد الأدنى في القراءة
16% فقط بلغوا الحد الأدنى في الرياضيات و23% في العلوم… والغياب والفوضى ونقص الوسائل والتشتت الرقمي تكشف أن أزمة التعلمات ليست رقمًا عابرًا بل إنذارًا يستوجب مساءلة السياسات والبرامج والنتائج
بقلم: بوشعيب حمراوي
ليست كل التقارير الدولية أحكامًا نهائية على الدول، وليست كل الأرقام قادرة وحدها على اختزال واقع مدرسة بأكملها، لكن هناك لحظات تصبح فيها الأرقام أقوى من الخطب، وتتحول فيها النسب المئوية إلى أسئلة ثقيلة لا يجوز الهروب منها بالشعارات أو بتبادل الاتهامات، وهذا بالضبط ما تفعله نتائج PISA 2025 الخاصة بالمغرب، لأنها تضع أمامنا صورة لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد ترتيب دولي عابر، بل باعتبارها إنذارًا تربويًا يمس جوهر وظيفة المدرسة: هل يتعلم أبناؤنا فعلًا؟ وهل يغادرون سنوات الدراسة وهم قادرون على القراءة والفهم والاستدلال والحساب وحل المشكلات؟
برنامج PISA لا يمتحن قدرة التلميذ على استظهار درس أو إعادة إنتاج ما حفظه في القسم، بل يقيس لدى تلاميذ الخامسة عشرة مدى قدرتهم على توظيف المعرفة، وحل المشكلات المعقدة، والتفكير النقدي والتواصل الفعال، أي إنه يحاول قياس ما بقي من التعلمات عندما ينتقل التلميذ من الكتاب والسبورة إلى الحياة. والمغرب يشارك في هذا البرنامج منذ سنة 2018.
وهنا تبدأ المشكلة.
حين لا يبلغ 87 في المائة الحد الأدنى في القراءة
الرقم الأكثر إيلامًا في التقرير هو أن 13 في المائة فقط من التلاميذ المغاربة بلغوا المستوى الثاني أو أكثر في القراءة، مقابل 69 في المائة في متوسط دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، أي أن ما يقارب 87 في المائة من المشاركين المغاربة لم يبلغوا الحد الأدنى من الكفاءة الذي تعتمده PISA في القراءة. أما التلاميذ الذين بلغوا المستويات العليا، أي المستوى الخامس أو أكثر، فتكاد نسبتهم تكون منعدمة.
والمسألة هنا ليست أن التلميذ لا يعرف قراءة الحروف أو الكلمات، بل إن المستوى الثاني الذي تتحدث عنه PISA يعني القدرة على تحديد الفكرة الرئيسية في نص متوسط الطول، والعثور على معلومات وفق شروط محددة، وفهم الغرض من النص وشكله.
لذلك، عندما لا يبلغ الأغلب هذا المستوى، يصبح السؤال أكبر من مادة تسمى «القراءة»، لأنه يتعلق بقدرة التلميذ على فهم سؤال في الرياضيات، وتحليل وثيقة في التاريخ، واستيعاب تجربة في العلوم، وقراءة عقد أو إعلان أو خبر أو تعليمات في حياته اليومية.
إن أزمة القراءة، بهذا المعنى، تتحول إلى أزمة تعلم كاملة.
وفي الرياضيات… 84 في المائة تحت عتبة الكفاءة الأساسية
الأمر ليس أفضل في الرياضيات، إذ لم يبلغ المستوى الثاني أو أكثر سوى 16 في المائة من التلاميذ المغاربة، مقابل 65 في المائة في متوسط OECD، ما يعني أن حوالي 84 في المائة ظلوا دون الحد الأدنى للكفاءة الرياضية وفق معيار الاختبار.
وتوضح المنظمة أن بلوغ هذا المستوى يعني، في الحد الأدنى، قدرة المتعلم على تفسير وضعية بسيطة وتمثيلها رياضيًا، مثل المقارنة بين مسافتين أو تحويل الأسعار من عملة إلى أخرى. أما المستويان الخامس والسادس، اللذان يعكسان القدرة على معالجة أوضاع رياضية معقدة، فإن نسبة المغاربة الذين بلغوهما تكاد تكون معدومة، مقابل 8 في المائة في متوسط دول المنظمة.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا حصل المغرب على نقطة ضعيفة؟
بل يصبح: كيف يمكن أن نقبل أن يمر تلميذ عبر سنوات من التعليم الإلزامي ثم يصل إلى الخامسة عشرة وهو عاجز عن توظيف أبسط ما تعلمه رياضيًا في وضعية حياتية؟
العلوم ليست استثناء… 23 في المائة فقط فوق المستوى الأساسي
وفي العلوم لم يبلغ المستوى الثاني أو أكثر سوى 23 في المائة من التلاميذ المغاربة، مقابل 74 في المائة في متوسط OECD، بينما تكاد نسبة المتفوقين في المستويين الخامس والسادس تكون منعدمة، مقابل 7 في المائة داخل دول المنظمة.
أي إن الخلل لا يتعلق بمادة منعزلة، ولا يمكن اختزاله في صعوبة مقرر بعينه أو امتحان لم يناسب التلاميذ، لأن الضعف يظهر في القراءة والرياضيات والعلوم وحل المشكلات الحاسوبية، وهي مجالات يفترض أن تشكل مجتمعة أساس كفايات المواطن الذي سيدخل الجامعة وسوق العمل والحياة العامة.
والتقرير واضح أيضًا في أن أداء المغرب في المواد الثلاث جاء أقل من متوسط OECD.
من 2018 إلى 2025… مؤشرات تراجع لا ينبغي إخفاؤها
بالمقارنة مع سنة 2018، ارتفعت نسبة التلاميذ الذين يوجدون تحت المستوى الثاني بـثماني نقاط مئوية في الرياضيات، و14 نقطة في القراءة، وثماني نقاط في العلوم.
وبين 2022 و2025 تراجع متوسط المغرب في الرياضيات والقراءة، بينما بقي شبه مستقر في العلوم.
لكن من الإنصاف أيضًا ألا نقتطع الأرقام من تفسيرها الذي قدمته OECD نفسها، فالمنظمة تلفت الانتباه إلى أن عدد المغاربة البالغين 15 سنة والمؤهلين لاجتياز PISA ارتفع بأكثر من 30 في المائة بين 2018 و2025، رغم استقرار الحجم الإجمالي لهذه الفئة العمرية نسبيًا، ما يعني توسع الالتحاق بالتعليم الثانوي وإدماج فئات كانت سابقًا أكثر تهميشًا.
وتذهب المنظمة إلى أن هذا التوسع يفسر جزءًا كبيرًا من الانخفاض الظاهر، خصوصًا في القراءة والعلوم.
وهذه ملاحظة مهمة، لكنها لا تلغي المشكلة، بل تجعل المسؤولية أكبر: نجحنا نسبيًا في توسيع الولوج، لكن التحدي أصبح كيف نحول الولوج إلى تعلم حقيقي وجودة فعلية.
فليس المطلوب أن يصل التلميذ إلى المدرسة فقط، بل أن تصل المدرسة إليه.
مؤسسة بلا وسائل… كيف نصنع مدرسة الجودة؟
الأرقام المرتبطة بظروف التعليم لا تقل خطورة عن نتائج الاختبارات. فبحسب تصريحات مديري المؤسسات، كان 69 في المائة من التلاميذ يدرسون في مدارس يؤثر فيها نقص الموارد التعليمية، من كتب وتجهيزات معلوماتية ومكتبات ومواد مختبرية، على عملية التدريس بدرجة ما، بينما يوجد 52 في المائة في مؤسسات يشكل فيها نقص البنيات المادية عائقًا للعملية التعليمية.
كما أن 36 في المائة من التلاميذ يدرسون في مدارس أفاد مديروها بأن خصاص هيئة التدريس يعيق التعليم بدرجة ما، وترتفع النسبة إلى 76 في المائة بالنسبة إلى نقص الأطر المساعدة.
فأي معنى للحديث عن التحول الرقمي والمدرسة الجديدة والمقاربات البيداغوجية إذا كان التلميذ لا يجد مختبرًا، أو مكتبة، أو تجهيزًا كافيًا، أو تأطيرًا مساعدًا؟
الإصلاح لا يصنعه الشعار، ولا الاسم الجديد للمشروع، وإنما يصنعه القسم والأستاذ والكتاب والمختبر والزمن المدرسي والبيئة التي تسمح للتلميذ بأن يتعلم.
الغياب… نزيف صامت يأكل الزمن المدرسي
ومن أخطر ما يجب أن نتوقف عنده أن 36 في المائة من التلاميذ المغاربة أفادوا بأنهم تغيبوا يومًا دراسيًا كاملًا واحدًا على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، مقابل 22 في المائة في متوسط OECD، فيما قال 62 في المائة إنهم تغيبوا عن حصة واحدة على الأقل، مقابل 24 في المائة داخل المنظمة، وأفاد 59 في المائة بأنهم وصلوا متأخرين إلى المدرسة.
إنها أرقام يجب ألا تمر عادية.
لأننا قد نناقش المناهج والبرامج والكتب سنوات طويلة، لكن من لا يوجد داخل الفصل لن يستفيد من أي إصلاح للمقرر.
وبالتالي فإن سؤال الغياب يستوجب مساءلة الجميع: المؤسسة، والإدارة، والأسرة، والتلميذ، ونظام التتبع، ومدى جدية ضبط الزمن المدرسي.
الفوضى داخل الفصل… حين يصبح التعلم نفسه صعبًا
الأمر الآخر الذي يكشفه التقرير هو المناخ داخل بعض الأقسام.
فقد قال 36 في المائة من التلاميذ المغاربة إنهم لا يستطيعون العمل جيدًا في معظم حصص العلوم أو كلها، وقال 41 في المائة إن الضجيج والفوضى يعطلان أغلب الحصص أو جميعها، بينما أشار 39 في المائة إلى أن زملاءهم لا يستمعون إلى ما يقوله الأستاذ.
وهذه قضية تربوية لا تقل أهمية عن المقرر. فالأستاذ الذي يقضي جزءًا مهمًا من الحصة في فرض النظام لا يستطيع استثمار الزمن نفسه في الشرح والتجريب والدعم، والتلميذ الذي يتعلم وسط الضوضاء لا يحصل على الظروف نفسها التي يتعلم فيها نظيره داخل فصل منظم.
وفي المقابل، تسجل الوثيقة عناصر إيجابية يجب إنصافها، إذ قال 73 في المائة من التلاميذ إن الأستاذ يظهر اهتمامًا بتعلم كل تلميذ، وأفاد 76 في المائة بأن الأستاذ يواصل التدريس إلى أن يفهم المتعلمون، والنسبة نفسها تقريبًا قالت إنها تتلقى مساعدة إضافية عند الحاجة.
وهي أرقام تذكرنا بأن اختلال المنظومة لا يجوز أن يتحول إلى محاكمة مجانية للمدرس.
الذكاء الاصطناعي دخل المدرسة قبل أن ننهي نقاش السبورة
وفي جانب آخر، تكشف PISA أن التحول الرقمي لم يعد قضية مستقبلية.
فقد قال 45 في المائة من التلاميذ المغاربة إنهم يستخدمون روبوتات الذكاء الاصطناعي للمساعدة على التعلم مرة واحدة أسبوعيًا على الأقل، و36 في المائة يستخدمونها للبحث الأولي، و30 في المائة للتلخيص، و29 في المائة للمساعدة في صياغة الواجبات الكتابية، بينما قال 9 في المائة فقط إنهم لا يستخدمونها تقريبًا في أي من المهام المدرسية التي شملها الاستطلاع.
وهنا يظهر تحدٍّ جديد: كيف يمكن لمدرسة ما زالت تعاني أزمة القراءة الأساسية أن تستوعب جيلًا أصبح يستخدم الذكاء الاصطناعي؟
وكيف نحول هذه الأدوات من وسيلة جاهزة لإنتاج الأجوبة بدل التلميذ إلى وسيلة تساعده على السؤال والتحليل والتحقق والتعلم؟
لا يجوز أن نختزل التقرير في جلد المدرسة المغربية
ينبغي أيضًا ألا نقرأ PISA بعين سوداوية فقط.
فالتقرير يقدم مؤشرات إيجابية؛ منها أن 67 في المائة من التلاميذ المغاربة يقولون إنهم يبذلون جهدًا إضافيًا عندما تصبح المهمة صعبة، مقابل 60 في المائة في OECD، وأن نسبة من يعتبرون المدرسة مضيعة للوقت انخفضت بـ12.8 نقطة مئوية بين 2022 و2025.
كما أن 16 في المائة من التلاميذ المغاربة المنحدرين من الفئات الأقل حظًا اقتصاديًا واجتماعيًا تمكنوا من الوصول إلى الربع الأعلى وطنيًا من حيث الأداء في العلوم، مقابل 12 في المائة في متوسط OECD، وهي إشارة إلى أن الهشاشة الاجتماعية ليست قدرًا تربويًا محتومًا إذا توافرت الشروط المناسبة.
المطلوب ليس البحث عن متهم… بل البحث عن نتيجة
تقرير PISA 2025 لا يحتاج إلى حرب جديدة بين الوزارة والأساتذة والأسر والخبراء، ولا إلى إخراج بلاغات دفاعية تحاول إقناع المغاربة بأن الأرقام ليست بالسوء الذي تبدو عليه، ولا إلى استغلالها سياسيًا لمهاجمة حكومة أو تمجيد أخرى.
المطلوب أبسط وأصعب في الوقت نفسه: أن تصبح جودة التعلمات هي المعيار الحقيقي لأي إصلاح.
يمكن أن نبني آلاف الحجرات، ونغير المناهج، ونطلق عشرات البرامج، ونوزع الأجهزة الرقمية، ونعيد تسمية المؤسسات والمشاريع، وننظم التكوينات، لكن يبقى السؤال النهائي الذي ينبغي أن يحاسب عليه الجميع:
هل أصبح التلميذ يقرأ ويفهم أفضل؟ هل أصبح يحسب ويستدل أفضل؟ هل أصبح يستخدم المعرفة لحل مشكلة؟
إذا كانت الإجابة لا، فإن الإصلاح لم يبلغ غايته مهما كان حجم الأموال والبرامج والشعارات.
المدرسة المغربية أمام مرآتها
شارك في تقييم PISA 2025 بالمغرب 6978 تلميذًا من 179 مؤسسة تعليمية، يمثلون حوالي 535800 من تلاميذ الخامسة عشرة، أي نحو 87 في المائة من مجموع هذه الفئة العمرية، كما تؤكد OECD أن بيانات المغرب استوفت معايير الجودة المطلوبة وصُنفت صالحة للنشر.
لذلك لا ينبغي أن نضع التقرير في رفوف الإدارات ولا أن نجعله موضوع سجال لأيام ثم ننساه.
فحين يبلغ المستوى الأساسي في القراءة 13 في المائة فقط، وفي الرياضيات 16 في المائة، وفي العلوم 23 في المائة، فإننا لسنا أمام مجرد نقاط ضعيفة في اختبار دولي، بل أمام سؤال وطني يتعلق بنوعية المواطن الذي نصنعه للمغرب المقبل.
إن أخطر أزمة تعليمية ليست أن يتراجع بلد في ترتيب دولي، بل أن ينجح التلميذ في الانتقال من سنة دراسية إلى أخرى، ثم يكتشف المجتمع في النهاية أنه انتقل في المستويات ولم تنتقل معه كفاياته.
وتلك هي الرسالة الأقوى التي ينبغي أن نقرأها في PISA 2025: لسنا بحاجة إلى مدرسة تمنح سنوات من التمدرس فقط، بل إلى مدرسة تمنح تعلمًا حقيقيًا؛ لأن مستقبل المغرب لن تحدده أعداد المسجلين وحدها، بل ما يستطيع هؤلاء المسجلون أن يفهموه، ويفكروا فيه، وينتجوه عندما يغادرون مقاعد الدراسة.



