بديل تربوي

الاعتصام بحبل الله خطبة تُعيد ترتيب معنى الجماعة ومسؤولية الإنسان..

الاعتصام بحبل الله

خطبة تُعيد ترتيب معنى الجماعة
ومسؤولية الإنسان..

🚨🇲🇦الاعتصام بحبل الله

خطبة تُعيد ترتيب معنى الجماعة
ومسؤولية الإنسان..

في خطبة الجمعة المقبلة يفتح الخطيب بابًا على سؤال قديم متجدد: كيف يحيا الدين في الجماعة، وكيف تتحول الأمانة من معنى وعظي إلى سلوك يومي يصون المجتمع ويقوي تماسكه؟ ومن هنا تنطلق الخطبة لتعيد ترتيب العلاقة بين العبادة والأخلاق والمسؤولية العامة، وهي علاقة تؤكدها النصوص التي تدعو إلى الاعتصام بحبل الله جميعًا وعدم التفرق.
في صلب هذه الخطبة يبرز أن الإسلام لا يُقدَّم بوصفه شعائر فردية معزولة، بل بوصفه نظامًا أخلاقيًا واجتماعيًا يربط بين التقوى ووحدة الكلمة. ولذلك يلتفت الخطيب إلى قوله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا” ليجعله مدخلًا لفهم الدين باعتباره إطارًا جامعًا للمصلحة العامة، لا مجالًا للتنازع والانقسام .
ومن هذا المدخل ينتقل الخطاب إلى معنى الأمانة، إذ يُنظر إليها باعتبارها امتحانًا للإنسان قبل أن تكون تكريمًا له. فالإنسان يحمل ما أشفقت منه السماوات والأرض والجبال، ثم يظل مطالبًا بحسن الأداء والوفاء، وهو معنى ينسحب على المسؤولية الفردية كما ينسحب على المسؤولية العامة. ومن ثم فإن الأمانة هنا لا تنحصر في الخُلق الشخصي، بل تمتد إلى حسن التدبير، واحترام الحقوق، وصيانة المال العام والخاص، والالتزام بما يقتضيه الاستخلاف من عدل وتزكية وإعمار.
━━━━━━━━━━━━━━
كما يربط الخطيب بين هذه المسؤولية وبين فكرة الجماعة، لأن الدين في جوهره لا يكتمل في عزلة الفرد عن محيطه. فالمجتمع المسلم لا يقوم على كثرة العدد وحدها، بل على قوة الرابطة التي تجمع بين أفراده وتضبط علاقتهم بالمصلحة المشتركة. وفي هذا السياق تكتسب العبادات معناها الأوسع، إذ لا تعود طقوسًا روحية فقط، بل تتحول إلى آليات لتربية النفس على الانضباط والتكافل والتوازن، وهو ما يظهر في الصلاة والزكاة والصوم والحج بما تخلقه من انتظام جماعي وروح مشتركة.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو دعوة الخطبة إلى الوحدة مجرد وعظ أخلاقي، بل تبدو توجهًا عمليًا يواجه مظاهر التفكك التي قد تصيب المجتمع حين تغلب الأنانية على المصلحة العامة. لذلك فإن التحذير من التفرق في الخطبة لا ينفصل عن التحذير من كل ما يضعف الثقة بين الناس أو يزرع الشك أو يوسع دوائر الخصام. ومن هنا تبرز أهمية أن تُفهم الوحدة باعتبارها عدالة في التدبير، لا مجرد دعوة عاطفية إلى الصمت أو الانسجام الشكلي، لأن الجماعة رحمة والفرقة عذاب كما يرد في المعنى الذي تستحضره النصوص الوعظية .
ثم إن الخطاب، وهو يضع وحدة الأمة في صدارة الرسالة، يفتح الباب أمام قراءة اجتماعية معاصرة ترى أن التلاحم لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بالشفافية والمساءلة وتكافؤ الفرص وحماية الضعفاء. فحين يشعر المواطن أن الحقوق مصونة، وأن الأمانة قائمة، وأن المؤسسات تعمل بروح الخدمة لا بمنطق الامتياز، تصبح الوحدة نتيجة طبيعية لا مطلبًا نظريًا فقط.
━━━━━━━━━━━━━━
وهنا يكتسب البعد المغربي في الخطبة دلالة خاصة، لأن الدعاء لأمير المؤمنين وللأسرة الملكية الشريفة يأتي ضمن الصيغة التقليدية للخطبة الجامعة، بما يؤكد صلة المسجد بوحدة المرجعية الدينية والوطنية. غير أن القيمة الأعمق لهذا الحضور تكمن في الربط بين انتظام الشأن الديني واستقرار الشأن العام، وبين صيانة الثوابت وحفظ السلم الاجتماعي، وهو ربط يتكرر في الخطب الرسمية باعتباره جزءًا من تصور عام لوحدة الأمة واستقرارها .
ومن جهة أخرى، يذكّر هذا الخطاب بأن أي مشروع إصلاحي لا ينجح إذا انفصل عن القيم التي تُكوِّن الضمير العام. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الصدق في القول، والوفاء في العمل، والالتزام في المسؤولية، ثم يمتد إلى مؤسسات الدولة والمجتمع على السواء. ولذلك فإن ما تقترحه الخطبة من معاني التواصي بالحق والتعاون على البر والتقوى يظل صالحًا ليكون أساسًا لسلوك جماعي يعزز الثقة ويواجه مظاهر التآكل الأخلاقي.
وبهذا المعنى، تبدو الخطبة المقبلة أقرب إلى بيان تربوي واجتماعي منها إلى مجرد موعظة تقليدية. فهي تدعو إلى قراءة الدين باعتباره قوة جمع وبناء، وتدعو في الوقت نفسه إلى تحويل القيم إلى سياسات وممارسات تحمي المجتمع من الفرقة وتحصنه ضد الضعف. ومن ثم فإن الرسالة الأساسية التي تحملها ليست فقط أن نعتصم بحبل الله، بل أن نترجم هذا الاعتصام إلى سلوك مؤسسي وأخلاقي ينعكس على الحياة اليومية وعلى علاقة الناس بعضهم ببعض.
وفي النهاية، فإن قوة هذه الخطبة تكمن في بساطة فكرتها وعمق أثرها معًا. فهي تستعيد من النصوص ما يربط العبادة بالمسؤولية، والروح بالجماعة، والضمير العام بالمصلحة المشتركة، لتقول بلغة واضحة إن المجتمع الذي يحسن حمل الأمانة ويحفظ وحدته هو المجتمع الأقدر على الصمود والنهضة.

حميد فوزي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى