🚨👈🏼⚽🖥️💵📖📈كرة القدم بين متعة اللعبة وصناعة الثروة وتوجيه الوعي

بقلم : حميد فوزي
ظلّت كرة القدم لعقود طويلة تُقدَّم بوصفها مجرد لعبة تمنح الجماهير لحظة فرح عابرة وتختصر المشاعر في نصر وهزيمة واحتفال وخيبة لكن هذا التصور لم يعد كافيًا لفهم موقعها في العالم المعاصر فقد تحولت الكرة إلى صناعة واسعة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والإعلام بالهوية والترفيه بالاستثمار وأصبحت في كثير من البلدان محركًا حقيقيًا لعجلة مالية واجتماعية لا يمكن إنكار أثرها ولا التقليل من امتداداتها
لم تعد كرة القدم اليوم ذلك المجال البسيط الذي يُختزل في مهارة اللاعب أو حماسة المدرج بل غدت منظومة مركبة تُدرّ المال وتخلق الوظائف وتحرّك الأسواق وتنعش قطاعات متعددة من السياحة إلى الإشهار ومن النقل إلى الضيافة ومن الإعلام إلى الخدمات اللوجستية فالمباريات الكبرى والبطولات القارية والعالمية لا تستقطب الجماهير فقط بل تستقطب معها الاستثمارات والعلامات التجارية ورؤوس الأموال وتفتح أمام آلاف الأشخاص أبواب العمل المباشر وغير المباشر في مجالات التنظيم والتسويق والإنتاج الإعلامي وإدارة الفعاليات والصيانة والأمن والتواصل وغيرها.

وفي هذا السياق لا تعود كرة القدم مجرد نشاط ترفيهي بل تصبح عنصرًا من عناصر الدورة الاقتصادية الحديثة فالدول والمدن التي تحسن توظيفها تستفيد من تدفق الزوار ومن ارتفاع الطلب على الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والتسوق كما تستفيد من الصورة الرمزية التي تمنحها البطولة أو الأندية الكبرى للوجهة السياحية والاقتصادية وهذا ما يجعل كثيرًا من الحكومات والهيئات الرياضية تنظر إلى الكرة باعتبارها استثمارًا طويل الأمد لا مجرد إنفاق عابر على الترفيه
غير أن هذا الوجه المشرق لا ينبغي أن يحجب الوجه الآخر للعبة فحين تتحول كرة القدم إلى صناعة ضخمة فإنها تجر معها أيضًا منطق السوق بكل ما يحمله من استغلال للمشاعر وتضخيم للرموز وتوجيه للوعي العام نحو الفرجة المستمرة بدل الأسئلة الكبرى المرتبطة بالتنمية والتعليم والصحة والعدالة الاجتماعية وهنا تبرز المفارقة الأساسية إذ تصبح اللعبة التي كانت في الأصل نشاطًا شعبيًا بسيطًا أداة لإعادة تشكيل المزاج العام ووسيلة لتوجيه الانتباه الجماعي في لحظات تحتاج فيها المجتمعات إلى نقاشات أعمق وأكثر إلحاحًا.
من هنا يمكن فهم الانتقاد الذي يرى في كرة القدم نوعًا من الإلهاء الجماهيري خاصة عندما تتحول إلى خطاب وطني مفرط يطلب من الناس أن يذوبوا في الانتصار الرياضي وكأنه انتصار وجودي للدولة والمجتمع والحقيقة أن هذا التوظيف ليس بريئًا دائمًا فحين تُحمّل الكرة بأكثر مما تحتمل تُستعمل أحيانًا لصناعة شعور جماعي مؤقت يخفف من وطأة الأزمات ويخلق انطباعًا زائفًا بالإنجاز بينما تبقى المشاكل البنيوية على حالها وهذا ما يجعل القراءة النقدية ضرورية حتى لا تُختزل الوطنية في التشجيع ولا يُختصر الانتماء في الهتاف
ومع ذلك فإن اختزال كرة القدم في كونها أفيونًا للفقراء فقط يبقى موقفًا ناقصًا أيضًا لأن اللعبة اليوم لم تعد حكرًا على الاستهلاك العاطفي بل صارت مجالًا معرفيًا وعلميًا يتطلب التخطيط والتحليل والقياس وإدارة الأداء والتغذية والطب الرياضي وعلم النفس والبيانات وقد أثبتت التجارب أن كثيرًا من المدربين الناجحين لم يكونوا بالضرورة من كبار النجوم السابقين بل جاءوا من مسارات أكاديمية وتكوينية دقيقة داخل علوم الرياضة وهذا التحول يكشف أن كرة القدم لم تعد تعتمد على الموهبة وحدها بل على المعرفة والتنظيم والانضباط والبحث العلمي
وتبدو هنا فكرة الإيمان بالهدف رغم قسوة الإرث والظروف بالغة الدلالة لأن النجاح في كرة القدم كما في غيرها لا يتأسس فقط على الحماس بل على وضوح الرؤية والقدرة على التراكم والصبر على العوائق وعلى الإحساس بالهوية بوصفه بوصلة لا شعارًا فارغًا فالهوية حين تتحول إلى دافع للعمل والإنجاز تصبح قوة محرِّكة أما حين تُستعمل كزينة خطابية فإنها تفقد معناها العملي ومع كرة القدم تحديدًا لا يكفي أن نحب اللعبة أو نهتف لها بل الأهم أن نفهم شروط نجاحها وكيف تُدار وكيف تُستثمر وكيف يمكن أن تتحول من فرجة عابرة إلى مجال لإنتاج القيمة.
إن كرة القدم في زمننا هذا تشبه مرآة كبيرة تعكس تناقضات المجتمع فهي من جهة صناعة تخلق الثروة وتوفر الشغل وتدعم السياحة وتوسع حضور المدن والبلدان في الأسواق الرمزية العالمية ومن جهة أخرى قد تتحول إلى وسيلة لتخدير الوعي أو لتغليف العجز بلغة الانتصار ومن هنا فإن الموقف الأكثر اتزانًا ليس رفضها بالكامل ولا تمجيدها بلا حدود بل قراءتها بوصفها ظاهرة مركبة تجمع بين الاقتصاد والثقافة والسياسة والهوية والعلم وبين المتعة والهيمنة وبين الفرص والمخاطر
وفي الختام ، لا يمكن إنكار أن كرة القدم أصبحت اليوم محركًا اقتصاديًا واجتماعيًا مؤثرًا وأصبحت جزءًا من منظومة إنتاج الثروة وبناء الصورة وتشكيل الوعي لكنها في الوقت نفسه تبقى لعبة قابلة لأن تُستخدم في أكثر من اتجاه وقد تكون أداة للتنمية كما قد تكون وسيلة للتنويم الجماعي لذلك فإن النظر إليها بعين نقدية لا ينقص من قيمتها بل يمنحها معناها الحقيقي فالقضية ليست في اللعبة نفسها بل في الطريقة التي ندير بها علاقتنا بها وكيف نحولها من مجرد فرجة إلى معرفة ومن مجرد انفعال إلى مشروع ومن مجرد شعار إلى أثر ملموس في الواقع.



