ميساجالسياسية

وسيم والانتخابات التشريعية الجزائرية: تبون يرمي بكرة ثلج سياسية فوق منحدر ساخن

 

بقلم : بوشعيب حمراوي

نظام دولة يوظف مأساة طفل لصناعة ضجيج سياسي للإلهاء

لا أحد يملك الحق في التقليل من ألم طفل تعرض لاعتداء، ولا أحد يمكنه أن يبرر العنف ضد قاصر، مهما كان أصله أو جنسيته أو القميص الذي يرتديه. فالطفل وسيم، الأمريكي ذو الأصول الجزائرية، يبقى في النهاية طفلًا يحتاج إلى الإنصاف والحماية والعدالة، قبل أن يكون مادة إعلامية أو ورقة سياسية أو عنوانًا في معركة دعائية بين الأنظمة، أو ضجيج سياسي يراد به إلهاء شعب.

لكن القضية لا تقف عند هذا الحد. فحين تتحول واقعة اعتداء، ما زالت بيد الشرطة والقضاء الأمريكيين، إلى موضوع رئاسي في أوج انتخابات تشريعية جزائرية، وحين تتضخم الروايات قبل صدور نتائج التحقيق، وحين تُستعمل الحادثة لتوجيه الغضب نحو المغاربة، والنفخ الإعلامي في المعطيات الكاذبة، يصبح من واجبنا أن نطرح السؤال: هل كان الهدف هو إنصاف وسيم فقط، أم أن الملف استُعمل لضرب عصفورين بحجر واحد؟.

في تقديري، حاول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي يقود الشبيحة، أن يرمي بكرة ثلج سياسية فوق منحدر ساخن. أخرجها من ثلاجة الخطاب الرسمي، ودفع بها نحو منحدر إعلامي متوتر، ظنًا منه أنها ستتدحرج وتكبر وتتحول إلى كتلة ضخمة تغطي برودة الانتخابات، وتزيد في الوقت نفسه من ترسيخ العداء ضد المغاربة. غير أن حرارة الوقائع، وصمت المؤسسات الأمريكية، وغياب التأكيدات الرسمية، جعلت كرة الثلج تذوب قبل أن تبلغ هدفها.

وسيم أولًا: طفل يجب إنصافه لا استغلاله

القاعدة الأخلاقية الأولى في هذا الملف هي أن وسيم طفل ذو ال14سنة. والطفل لا يجوز أن يتحول إلى أداة في يد السياسيين، ولا إلى وقود في معارك إعلامية، ولا إلى منصة لتصفية حسابات بين الأنظمة.
إذا كان وسيم قد تعرض فعلًا لاعتداء، فالقانون الأمريكي كفيل بأن يأخذ مجراه وأن يحقق الإنصاف عند مرساه. هناك شرطة، وهناك تحقيق، وهناك قضاء، وهناك مساطر قانونية، وهناك جزاءات ستُرتب على كل من ثبت تورطه. لذلك، فالمطلوب هو ترك العدالة تعمل بهدوء، لا تحويل القضية إلى مهرجان من البهرجة السياسية والإعلامية. في الوقت الذي تعيش فيه بلاد الِأشقاء محطة حاسمة في مساره التنموي..
والغريب أن بعض الأصوات تعاملت مع الملف كما لو أن الأحكام صدرت، وكما لو أن المتهمين عُرفوا، وكما لو أن جنسية المعتدين حُددت رسميًا، وكما لو أن عشرات المغاربة اعتُقلوا فعلًا. والحال أن المعطيات الرسمية الأمريكية، إلى حدود آخر المتابعات، لا تؤكد هذه الروايات المتداولة.

آخر التطورات: رواية وسيم مهمة لكنها ليست حكمًا نهائيًا

آخر تطور بارز في الملف تمثل في دخول وسيلة إعلام أمريكية محلية على خط القضية، من خلال مقابلة مع وسيم وعائلته. ووفق ما نُقل عن الطفل، فقد كان يشاهد مباراة المغرب وهولندا مرتديًا قميص المنتخب الجزائري، قبل أن يندلع شجار قال إنه تحول ضده بسبب القميص الذي كان يرتديه. كما قالت عائلته إنه فقد الوعي خلال الاعتداء.
هذه الرواية مهمة وتستحق الإنصات، لكنها تبقى رواية تحتاج إلى تحقيق وتثبيت، وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا. فالعدالة لا تُبنى على الانفعال، ولا على منشورات مواقع التواصل، ولا على ما يتم تداوله في القنوات والمنابر، بل تُبنى على الأدلة والشهادات والمعاينات والتسجيلات وقرارات النيابة والقضاء.

كما أن وسيم نفسه، حسب ما صرح به لمنبر إعلامي جزائري، كان رفقة أصدقاء مغاربة، وكان قد تابع معهم مباراة الجزائر الأخيرة المؤهلة للدور الـ32، ثم قرروا جميعًا حضور مباراة المغرب وهولندا. وهذا المعطى وحده كافٍ لكي يدفع العاقلين إلى التريث، لأنه يكشف أن الصورة ليست بتلك السوداوية التي حاول البعض تسويقها.
علما أن سلوكيات وصراعات الأطفال لا يمكن ضبطها، وقد تكون مبنية على أمور بسيطة، من غضب إلى انفعال .. وإلى ردود أفعال… لكنها لا ترقى إلى مستوى العنصرية والجريمة التي يحاول تبون رسمها في مخيلة الشعب الجزائري والعالم.

تبون وضربة العصفورين: إلهاء الداخل وتأجيج العداء

في رأيي، لم يكن تضخيم الملف بريئًا من الحساب السياسي. فالجزائر تعيش لحظة انتخابية تشريعية مهمة، يفترض أن تكون مناسبة للنقاش حول مستقبل البرلمان الجزائري، وحول الحاجة إلى شخصيات جزائرية ذات كفاءة وقدرة وأخلاق، قادرة على خدمة البلاد، والمساهمة في نهضتها، والتخلص من المفسدين ومن منطق الريع والرداءة والولاءات الضيقة.

كان من المفروض أن ينشغل الشعب الجزائري بالسؤال الحقيقي: من سيمثله؟ من سيدافع عن مصالحه؟ من يملك الجرأة والكفاءة لإصلاح المؤسسات؟ من يستطيع أن يساهم في بناء جزائر قوية بشعبها وكفاءاتها، لا بخطابات التخويف والتعبئة ضد الآخرين؟

لكن بدل أن يتصدر هذا النقاش الواجهة، جاءت قضية وسيم لتخطف الأضواء. وهنا يظهر العصفور الأول: إلهاء الرأي العام الجزائري عن استحقاق داخلي مهم، وعن أسئلة المشاركة والثقة والتمثيلية والكفاءة ومصير المؤسسات. عملية الإلهاء التي أطلقها تبون بلسانه بالصوت والصورة. في الوقت الذي كان عليه أن يخصص طاقته الصوتية للحديث عن مطبخ الانتخابات الجارية. والذي يشرف عليه طباخين عسكريين محترفين.

أما العصفور الثاني، فهو أخطر: ترسيخ العداء ضد المغاربة. فبدل انتظار نتائج التحقيق الأمريكي، وبدل التعامل مع الملف كواقعة جنائية فردية، جرى النفخ في الحادثة بطريقة تزيد من لهيب الاحتقان بين الشعبين المغربي والجزائري، وكأن المطلوب ليس إنصاف وسيم، بل استعمال وسيم لإضافة حجر جديد في جدار القطيعة النفسية بين شعبين شقيقين.

لماذا كل هذه البهرجة إذا كان القانون سيأخذ مجراه؟

هذا هو السؤال الجوهري: إذا كان الاعتداء حقيقة، وإذا كان القانون الأمريكي سيتولى التحقيق، وإذا كانت الشرطة تبحث، وإذا كان القضاء سيحدد المسؤوليات، فلماذا كل هذه البهرجة؟
لماذا هذا النفخ الإعلامي؟ لماذا هذه الاستعجالية في توجيه الاتهام؟ لماذا هذا الحرص على تحويل الواقعة إلى قضية وطنية كبرى؟ لماذا محاولة إلصاق الحادث بالمغاربة جماعيًا قبل أن تقول المؤسسات الأمريكية كلمتها؟

إن العدالة لا تحتاج إلى صراخ سياسي كي تتحرك. والشرطة الأمريكية لا تحتاج إلى ضجيج إعلامي كي تحقق. والقضاء لا يحتاج إلى خطابات انتخابية كي يصدر أحكامه. لذلك تبدو البهرجة هنا أكبر من الملف، ويبدو الاستثمار السياسي أكبر من التعاطف الإنساني.

نصف الكأس المملوء: وسيم كان له أصدقاء مغاربة

في كل هذا الضجيج، تم تجاهل نصف الكأس المملوء. تم تجاهل أن وسيم كان، حسب روايته، رفقة أصدقاء مغاربة. تم تجاهل أنه يسافر معهم، ويعيش معهم لحظات فرح وترفيه، ويتابع معهم مباريات كرة القدم. تم تجاهل أن هذه العلاقة اليومية بين الأطفال والشباب، بين الجزائريين والمغاربة في المهجر، أقوى بكثير من خطابات الكراهية التي تصنعها السياسة.

لماذا لا ينظر تبون ومن يدور في فلك خطابه إلى هذا الجانب؟ لماذا لا يرى أن وسيم كان وسط مغاربة لا ضدهم؟ لماذا لا يرى أن الخاوة ليست شعارًا فارغًا، بل واقعًا يعيشه الناس في الأحياء والمدارس والملاعب والجامعات والمهجر؟

نعم، قد يقع شجار. نعم، قد يحدث اعتداء. نعم، قد يوجد مذنبون يجب أن يعاقبوا. لكن هل يجوز تحويل حادث فردي إلى تهمة جماعية؟ هل يجوز أن ننسف كل جسور الأخوة بسبب واقعة لم يكتمل تحقيقها بعد؟ هل يجوز أن نغلق أعيننا عن الصداقات والعلاقات الإنسانية بين الشعبين، ونفتحها فقط على ما يؤجج الغضب؟

المغاربة والجزائريون: شعبان شقيقان لا يجب أن تفرقهما الدعاية

المغاربة والجزائريون ليسوا أعداء. هم شعبان شقيقان، جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والدين واللغة والدم والمصاهرة والهجرة والذاكرة المشتركة. وما تفرقه السياسة كثيرًا ما تصلحه العلاقات الإنسانية اليومية بين الناس
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول القضايا الفردية إلى أدوات لصناعة الكراهية الجماعية. فحين يعتدي شخص ما، يحاسب الشخص لا الشعب. وحين يخطئ فرد، يعاقب الفرد لا الأمة. وحين تقع جريمة، تبحث العدالة عن الفاعلين لا عن جنسية تصلح للشيطنة.

من يريد الخير لوسيم يجب أن يطالب بالحقيقة، لا بالكراهية. ومن يريد العدل يجب أن ينتظر القضاء، لا أن يصدر الأحكام من شاشات التلفزيون. ومن يريد مصلحة الشعب الجزائري يجب أن يدفعه إلى اختيار ممثلين أكفاء ونزهاء، لا أن يشغله بمعارك عاطفية عابرة.

كرة الثلج فوق المنحدر الساخن

لقد اعتقد تبون، في تقديري، أن قضية وسيم يمكن أن تتحول إلى كرة ثلج سياسية. أرادها أن تكبر كلما تدحرجت، وأن تحمل معها الغضب الشعبي، وأن تغطي على أسئلة الانتخابات، وأن تزيد من برودة العلاقة مع المغرب.
لكن المنحدر كان ساخنًا. الإعلام الأمريكي لم يمنح الرواية الجزائرية الحجم نفسه. السلطات الأمريكية لم تؤكد الاعتقالات الجماعية. القضاء لم يصدر اتهامات علنية. وشرطة بوسطن ما زالت تتحرك بمنطق التحقيق لا بمنطق الدعاية.
وهكذا ذابت كرة الثلج قبل أن تكبر وأن تتسبب في عاصفة قوية. ذابت تحت حرارة الأسئلة، وحرارة غياب الأدلة الرسمية، وحرارة التناقض بين الضجيج الإعلامي والمسار القانوني الهادئ. ولم يبقَ منها سوى آثار الألوان التي أضيفت إليها: مبالغات، اتهامات، وتغذية ممنهجة للاحتقان.

أنصفوا وسيم ولا تستعملوه ضد الخاوة

وسيم يحتاج إلى عدالة، لا إلى استغلال. يحتاج إلى إنصاف، لا إلى ضجيج. يحتاج إلى حماية كطفل، لا إلى تحويله إلى شعار انتخابي أو ورقة في معركة سياسية.
وإذا كان هناك مذنبون، فليأخذ القانون مجراه. وإذا كان هناك اعتداء، فلتُرتب الجزاءات. وإذا كانت هناك أدلة، فلتعرض أمام القضاء. أما أن تتحول القضية إلى مناسبة لتأجيج العداء ضد المغاربة، فهذا ليس إنصافًا لوسيم، بل ظلم جديد له، لأنه يحوله من ضحية اعتداء محتمل إلى أداة دعاية.
كان على الخطاب الرسمي الجزائري أن ينظر إلى نصف الكأس المملوء: إلى أصدقاء وسيم المغاربة، إلى العلاقات الإنسانية التي تجمع الشعبين، إلى الخاوة التي ما زالت حية في القلوب رغم كل ما تفعله السياسة. كان عليه أن يقول إن العدالة ستأخذ مجراها، وإن الشعوب لا يجب أن تُدان بأفعال أفراد، وإن المغاربة والجزائريين إخوة مهما حاولت السياسة أن تزرع بينهم الشكوك. وكان عليه قبل كل هذا أن ينصف أطفال الجزائر داخل الجزائر، حيث الفقر والتشرد والقمع الأسري. والهشاشة داخل بلد هو ملك الغاز والنفط رفي العالم. عوض الحديث عن ملف طفل بجنسية أمريكية قادرة أن تحقق له الإنصاف الكامل.

لكن ما وقع كان عكس ذلك. فقد رمى بكرة ثلج سياسية فوق منحدر ساخن، ظن أصحابها أنها ستكبر، فإذا بها تذوب. وبقي السؤال الأكبر معلقًا: متى تكف الأنظمة عن استعمال وجع الأطفال لصرف الأنظار عن أوجاع شعب كامل تخلص من المحتل الأجنبي الذي وقع في قبضة محتل فاسد من داخل بلده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى