🚨🇲🇦👈🏼🎨🖼️الدكتور لحلو محمد: حين تتسامى الفروسية المغربية إلى مقام اللوحة

بقلم حميد فوزي
يطلّ علينا الدكتور لحلو محمد، طبيب الأسنان ببنسليمان، والفنان التشكيلي والفاعل الجمعوي كعضو بجمعية الأطباء الفنانين بالمغرب، بوصفه نموذجاً لالتقاء المهنة بالموهبة، والدقة العلمية بالرهافة الجمالية، والانخراط المجتمعي بالتصور الفني الرفيع في زمن تتزاحم فيه الصور وتتفاوت فيه درجات المعنى، ليقدّم لنا عملاً لا يكتفي باستحضار الفرس والراية، بل يعيد صياغتهما داخل بناء بصري مفعم بالهيبة، ومشحونٍ بروح الانتماء، ومفتوحٍ على تأويلات تتجاوز ظاهر المشهد إلى عمقه الرمزي والثقافي.

في هذه اللوحة، لا ينهض الفرس بوصفه شكلاً تشكيلياً مجرداً، بل بوصفه استعادةً بصريةً لواحدٍ من أكثر الرموز المغربية رسوخاً في الوجدان الجمعي: رمز الفروسية حين تتجمل بالشموخ، وترتدي الذاكرة فيها هيئة الصهيل، وتغدو الحركة نفسها نوعاً من البيان الصامت. وما الراية المنسابة فوق الجسد إلا ذروة هذا البيان؛ فهي لا تأتي هنا كعنصرٍ مضاف، بل كروحٍ ثانيةٍ للوحة، وكأنها المعنى وهو يتخذ لوناً، والوطن وهو يلبس إيقاعاً، والهوية وهي تتقدم على صهوة الجمال.
والأرجح أن قوة هذا العمل تكمن في قدرته على الإفلات من الابتذال الرمزي؛ ذلك أن الرمز حين يُستعمل استعمالاً مباشراً يفقد غالباً الكثير من توهجه، أما هنا فإنه يُستعاد في هيئةٍ متوترة، حيّة، مشحونةٍ بقدرٍ من الهيبة يجعل العين لا تكتفي بالمشاهدة، بل تنزلق إلى نوعٍ من الإنصات البصري. فالفرس في اللوحة ليس كائناً مرسوماً فحسب، بل هو كتلةٌ من الذاكرة وهي تتحرك، واستعارةٌ للشهامة حين تتخذ جسداً، وللاندفاع حين يتحول إلى معنى، وللفعل الوطني حين يخرج من ضيق الخطاب إلى رحابة الصورة.
أما الراية المغربية، الحمراء بنجمتها الخضراء، فتبدو وكأنها لا تُعلَّق على المشهد، بل تُنبت فيه من داخله. إنها ليست زينةً سياديةً تكتفي بالإشارة، بل مركزُ ثقلٍ دلاليٍّ يوازن اندفاعة الفرس، ويمنح اللوحة ذلك التوتر الجميل بين الحركة والثبات، بين الانطلاق والانتماء، بين الجسد وما يرفرف فوقه من معنى. ولعل هذه العلاقة العضوية بين الفرس والراية هي ما يرفع التكوين من مستوى التمثيل إلى مستوى الرمز المركب، حيث لا يعود المشهد قابلاً للاختزال في موضوعه الظاهر، بل ينفتح على طبقاتٍ من القراءة تتعدد بتعدد نظرات المتلقي.
ثم إن الخلفية الترابية المائلة إلى الذهب لا تؤدي دوراً تزيينياً، بل تشارك في تأسيس المناخ الروحي للعمل. فهي تمنح اللوحة حرارةً تحتية، وتشيع فيها مسحةً من الوقار الهادئ، كما لو أننا أمام سطحٍ بصريٍّ يستدعي التراب باعتباره أصل الحكاية، ويستدعي الذهب باعتباره استعارةً للنفاسة والعلو. وفي هذا التآلف بين التراب والذهب، بين الأرضي والرفيع، تنشأ نبرة اللوحة الخاصة: نبرةٌ تحتفي بما هو مغربيٌّ عريق، لكنها لا تحبس هذا العِرق في خانة الفولكلور، بل ترتقي به إلى مرتبة التأمل الجمالي.
ومن منظورٍ نقديٍّ أعمق، يمكن القول إن اللوحة تنتمي إلى ذلك النمط من الأعمال التي تفهم أن الفن لا يكتسب هيبته من كثرة العناصر، بل من دقة توزيعها، ولا يضمن أثره من ثرثرة الشكل، بل من اقتصاد العلامة. فهنا ليس ثمة ازدحامٌ يقصد الإبهار، بل صفاءٌ يقصد الإيحاء؛ وليس ثمة ضجيجٌ بصري، بل إيقاعٌ محسوبٌ يجعل كل لونٍ يؤدي وظيفة، وكل كتلةٍ تحمل معنى، وكل فراغٍ يشارك في بناء الوقار العام للمشهد. وهذا، في حقيقة الأمر، هو ما يميز الأعمال التي تظل قابلةً للبقاء: أنها تقول الكثير بالقليل، وتترك للعين متعة الاكتشاف، وللعقل متعة التأويل، وللوجدان متعة الانفعال.
إن الدكتور الفنان لحلو محمد، في هذا المنجز، لا يرسم الفروسية المغربية بوصفها موضوعاً جاهزاً، بل يعيد تحريرها من صورتها المألوفة، ويمنحها لساناً جديداً من ألسنة الفن. وهو إذ يفعل ذلك، لا يقترح لوحةً عن الوطن فحسب، بل يقترح طريقةً في النظر إلى الوطن نفسه: لا بوصفه شعاراً مرفوعاً في الفراغ، بل بوصفه طاقةً حيةً، متحركةً، قادرةً على أن تتجسد في اللون والحركة والرمز. وهنا تتبدى القيمة الكبرى للعمل؛ إذ يعلّمنا، بصمتٍ أنيق، أن الهوية حين تدخل محراب الجمال، تزداد رسوخاً، وأن الرمز حين يُصاغ بيدٍ فنيةٍ رصينة، يكتسب من الفخامة ما يجعله أقرب إلى الخلود من مجرد الإشارة العابرة.



