بديل الثقافة و الفن

“النزول من السماء”.. حين تتحول الذاكرة إلى كتاب والكتابة إلى مطاردة لزمن هارب

شهد المعهد الوطني للفنون الجميلة، مساء أمس الجمعة ، لقاءً ثقافياً وإنسانياً مميزاً خُصص لتقديم وتوقيع كتاب “النزول من السماء”، في أجواء امتزج فيها البعد الفكري بعمق المشاعر الإنسانية، وحضرها ثلة من المهتمين بالشأن الثقافي والفكري وأصدقاء الكاتب ورفاق دربه.

ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة لتوقيع إصدار جديد أو فرصة لتبادل الآراء والانطباعات حول مضامين الكتاب، بل تحول إلى محطة استثنائية لاستحضار الذاكرة الجماعية والفردية، واسترجاع محطات من تجربة إنسانية وسياسية تركت بصماتها العميقة في وجدان صاحبها وفي مسار حياته.
وخلال هذا اللقاء، أوضح مؤلف كتاب “النزول من السماء” أن الهدف من هذا العمل لم يكن مجرد سرد للأحداث أو توثيق لمسار شخصي، بل كان محاولة للبوح بما تختزنه الذاكرة من لحظات وتجارب ومواقف صنعت الوعي وشكلت ملامح الشخصية. وأكد أن الكتاب يمثل توثيقاً لمحطات بارزة من تجربة سياسية وإنسانية فريدة، عاش تفاصيلها الفرد والجماعة معاً، وتركت آثارها في الوعي واللاوعي على حد سواء.

واعتبر الكاتب أن تدوين هذه المذكرات يشكل سعياً متواصلاً لـ”القبض على زمن هارب”، ذلك الزمن الذي مضى دون رجعة، لكنه ظل حاضراً في الذاكرة بكل تفاصيله وأحداثه. فالكتابة، في نظره، ليست سوى وسيلة رمزية لمحاولة الإمساك بما يتسرب من بين أصابع العمر، وحفظه داخل صفحات كتاب يمنحه حياة جديدة ويصونه من النسيان.
وأضاف أن استعادة الماضي عبر الكتابة ليست مجرد تمرين على التذكر، بل هي أيضاً فعل مقاومة للنسيان ومحاولة لإعادة قراءة الذات والتاريخ من زاوية أكثر عمقاً ونضجاً، حيث تتحول الذكريات إلى شهادات حية على مرحلة زمنية وعلى تجارب إنسانية تستحق أن تُروى للأجيال القادمة.
غير أن ما ميز هذا اللقاء، بحسب صاحب الإصدار، لم يكن فقط النقاش الذي دار حول الكتاب، وإنما أيضاً الحضور الإنساني الدافئ الذي جمع وجوهاً وأسماء رافقته في مراحل مختلفة من حياته. فقد شكل لقاء الأصدقاء والصديقات الذين تعرف عليهم عبر سنوات طويلة من العمل والنضال والتجربة الإنسانية لحظة استثنائية مليئة بالمشاعر والحنين.
كما كان لحضور رفاق تقاسم معهم سنوات المعاناة والحرمان والتشبث بالأمل في مستقبل أفضل وقع خاص على نفسه، حيث اعتبر ذلك بمثابة رسالة صامتة لكنها بليغة تؤكد أن روابط المودة والمحبة التي تنبت في أقسى الظروف تظل قادرة على الصمود والاستمرار رغم تقلبات الزمن.
وأشار إلى أن تلك العلاقات الإنسانية التي تشكلت في بيئات قاسية تحكمها ظروف صعبة، وظلت رغم ذلك محافظة على دفئها وصفائها، تمثل أحد أجمل المكاسب التي يمكن للإنسان أن يحققها خلال مسيرته الحياتية.
واختتم صاحب كتاب “النزول من السماء” كلمته بتوجيه عبارات الشكر والامتنان لكل من حضر وساهم في إنجاح هذا الموعد الثقافي، ولكل من قدم دعماً أو تشجيعاً أو مساهمة مكنت هذا العمل من أن يرى النور، مؤكداً أن الكتاب وإن حمل اسمه على الغلاف، فإنه في جوهره ثمرة ذاكرة مشتركة وتجارب إنسانية جماعية أسهم كثيرون في صنعها وتركوا بصماتهم على صفحاتها.
ويعد كتاب “النزول من السماء” إضافة جديدة إلى رصيد الكتابات التي تنهل من الذاكرة الشخصية والجماعية، وتسعى إلى تحويل التجربة الإنسانية إلى مادة للتأمل والتوثيق، في محاولة لإبقاء الزمن حياً داخل الكلمات، بعدما عجز الواقع عن إيقاف رحيله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى