كتاب البديل

🚨🚩👈🏼حين يُزوَّر التاريخ: رويث وسردية المغرب بلا دولة

🚨🚩👈🏼حين يُزوَّر التاريخ: رويث وسردية المغرب بلا دولة

بقلم : حميد فوزي

في حديثه إلى صحيفة مدريدية قريبة من اليمين المتشدد، قدّم خوسيه أنطونيو رويث رواية شديدة التبسيط عن المغرب قبل 1956، مفادها أن البلاد لم تكن سوى سلطنات وقبائل متنافسة، “من دون سلطة موحّدة”. لكن هذه الخلاصة تتجاهل تاريخًا طويلًا من الحكم والدولة والدبلوماسية، وتتعامل مع قرون من التحولات وكأنها فوضى صافية بلا مركز.

المغرب، تاريخيًا، لم يكن مجرد مجال قبلي متنازع عليه. فقد عرف دولًا مركزية كبرى، وفي لحظات مفصلية امتد نفوذها إلى الأندلس، كما حدث مع المرابطين ثم الموحدين، اللذين حكما أجزاء واسعة من شبه الجزيرة الإيبيرية. هذا وحده يكفي لبيان أن المغرب لم يكن غائبًا عن معادلات القوة، بل كان طرفًا فاعلًا في التاريخ المتوسطي، قادرًا على بناء سلطة، وإدارة حرب، وقيادة مشروع سياسي عابر للحدود.
ولم يقتصر الأمر على الامتداد العسكري والسياسي. السلاطين المغاربة عيّنوا سفراء ومبعوثين لدى دول أوروبية، ونسجوا اتفاقات ومعاهدات مع عدة عواصم، ما يعني أن المخزن كان يملك أدوات التمثيل والسيادة والتفاوض. ثم تأتي العلاقة مع الولايات المتحدة لتزيد الصورة وضوحًا: المغرب اعترف بالدولة الأمريكية الناشئة سنة 1777 في عهد السلطان محمد الثالث، قبل أن تُوقَّع معاهدة الصداقة والتجارة سنة 1786. هذه الوقائع لا تترك مجالًا جديًا للقول إن المغرب كان بلا سلطة موحّدة أو بلا حضور دولي.
بل إن بعض المصادر الأوروبية كانت تصف المغرب آنذاك بـ”الإمبراطورية” أو “الإمبراطورية الشريفة”، وهو توصيف لا يُستخدم عادة لوصف كيان سياسي هش أو منعدم المركز. نعم، كانت هناك قبائل، وتوازنات محلية، وصراعات نفوذ، لكن هذا كله لا يلغي وجود الدولة، بل يعبّر عن شكل من أشكال الحكم كان مألوفًا في التاريخ قبل الدولة الحديثة.

المشكلة في كلام رويث ليست في وجود عناصر صحيحة جزئيًا، بل في الطريقة التي تُرتَّب بها هذه العناصر لتنتج حكمًا نهائيًا مضللاً.
فحين يتحول التعدد التاريخي إلى ذريعة لإنكار الدولة، يصبح الأمر أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى تحليل علمي. وفي سياق حساس مثل سبتة، يصبح هذا النوع من السرديات أكثر خطورة لأنه لا يشرح الماضي، بل يستخدمه لتوجيه الحاضر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى