🚨🚩بنسليمان بين التحالفات الخفية وأزمة الوعي الجماعي: من يعرقل التنمية ومن يراقب؟

🚨🚩بنسليمان بين التحالفات الخفية وأزمة الوعي الجماعي: من يعرقل التنمية ومن يراقب؟
بقلم حميد فوزي
بنسليمان تبدو اليوم وكأنها تقف أمام امتحانٍ مركب لا يتعلق فقط ببطء التنمية أو تعثر بعض المشاريع، بل يمتدّ إلى بنيةٍ أعمق تمسّ طريقة تشكّل القرار المحلي، وحدود الوعي الجماعي، وطبيعة العلاقة بين المنتخبين والفاعلين المدنيين ومحيطهم القروي والحضري.
فالمشهد، في جوهره، لا يُقرأ بوصفه خللًا إداريًا عابرًا، بل بوصفه تراكمًا طويلًا لأعطابٍ متداخلةٍ جعلت المدينة، رغم مؤهلاتها وموقعها وإمكاناتها البشرية، تعجز عن إنتاج ديناميةٍ تنمويةٍ مستقرة، أو صياغة قيادةٍ محليةٍ قادرةٍ على الصمود أمام ضغط التوازنات والمصالح.
ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو أن الإشكال لا يقف عند حدود الأشخاص، مهما اختلفت مواقعهم أو أدوارهم، وإنما يتصل أساسًا بضعف الوعي الجماعي الذي يفترض أن يكون سندًا لأي مشروعٍ تنموي.
ذلك أن المدينة التي لا ينهض أهلها جميعًا، نخبًا وفعالياتٍ وساكنة، إلى مساءلة الشأن العام ومراقبة مساراته، سرعان ما تُترك رهينةً لوجوهٍ متعاقبةٍ لا يجمع بينها بالضرورة مشروعٌ واضح، بقدر ما يجمعها التموقع داخل معادلاتٍ متحركةٍ تحكمها الوساطة والقرابة والنفوذ أكثر مما يحكمها التصور التنموي الرصين. ومن هنا يبرز السؤال المؤلم عن سبب عجز مدينةٍ مثل بنسليمان، بما تزخر به من مثقفين وأطرٍ وطاقات، عن إنتاج نموذجٍ محليٍّ قويٍّ يفرض الاستمرارية والانضباط والفعالية في التدبير.
ثم إن تعاقب المسؤوليات على المجلس الجماعي عبر عقودٍ طويلةٍ لم يفضِ إلى تراكمٍ مؤسسيٍّ حقيقي، بل رسّخ في كثير من المحطات منطق الارتجال وتدبير اللحظة، فظلّت الوجوه تتبدل بينما بقيت الأسئلة الجوهرية على حالها.
أين هي الاستمرارية في البرامج؟
وأين هي المحاسبة على النتائج ؟
وأين هو الأثر الملموس الذي يفترض أن يتركه كل منتخبٍ بعد انتهاء ولايته؟
إن غياب هذه العناصر يجعل المدينة تدور، في الغالب، داخل دائرةٍ مغلقةٍ من الوعود المتكررة والإنجازات الناقصة، وهو ما يغذي الإحساس العام بأن بنسليمان لم تستطع بعد أن ترتقي إلى مستوى ما تملكه من مقوماتٍ طبيعيةٍ وبشريةٍ ومجالية.
وفي السياق نفسه، لا يمكن فصل هذا التعثر عن تأثير التحالفات المحلية التي لا تُبنى دائمًا على البرامج الواضحة، بل قد تتشكل حول شبكات النفوذ والامتداد الاجتماعي والولاء الترابي.
وهنا تبرز قيمة ما يُسمى في التداول المحلي بـ “ولد البلاد”، لا بوصفه فقط انتماءً جغرافيًا، بل باعتباره رأسمالًا رمزيًا قد يُستثمر في الشرعية السياسية وفي صناعة الثقة وفي توجيه الخيارات الانتخابية.
غير أن هذا الرأسمال، حين يتحول إلى معيارٍ وحيدٍ للقبول أو للتموقع، قد يفضي إلى إعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الأنماط، ولو على حساب الكفاءة والنجاعة. ويزداد أثر ذلك حين تتداخل المدينة مع محيطها القروي، فتتشابك المصالح بين الأعيان والوسطاء والفاعلين المحليين، ويغدو القرار، في بعض الأحيان، عرضةً لتأثيراتٍ تُدار من الخلف أكثر مما تُدار من الواجهة.
وأمام هذا الواقع، يصبح المجتمع المدني، بدل أن يكون قوةً تصحيحيةً، جزءًا من الإشكال إذا فقد استقلاليته وتحول إلى امتدادٍ لبعض الحسابات الضيقة. فالمجتمع المدني الذي يُفترض أن يكون ضميرًا نقديًا ورقيبًا اجتماعيًا، يمكن أن ينزلق إلى منطق الخضوع حين يرتبط وجود بعض جمعياته بالدعم أو القرب من دوائر القرار أو الرغبة في التموقع داخل المشهد الانتخابي. وحين يحدث ذلك، تتراجع وظيفة الترافع، وتضعف القدرة على مساءلة المجلس، وتضيع الحدود بين العمل التطوعي والخدمة العامة وبين الاستفادة والاصطفاف. لذلك فإن استعادة الدور الرقابي للمجتمع المدني ليست مسألة تقنية، بل هي قبل كل شيء مسألة استقلالية أخلاقية وتنظيمية، ومسألة شجاعة في الموقف، ومسألة قدرةٍ على جعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
غير أن هذا الدور الرقابي لن يستعاد ما لم تتشكل جبهاتٌ موضوعاتيةٌ حقيقية تتجاوز منطق الجمعيات المتفرقة والبيانات الموسمية.
فالجبهات الموضوعاتية لا معنى لها إذا بقيت مجرد تجمعاتٍ ظرفيةٍ تكتفي بالاحتجاج دون بناء، أو بالنقد دون بدائل، أو بالشعار دون تنظيم. إنها تحتاج إلى رؤيةٍ مشتركة، وإلى حدٍّ أدنى من الانضباط الداخلي، وإلى استقلاليةٍ ماليةٍ وأخلاقية، وإلى قدرةٍ على التواصل مع الساكنة بلغةٍ واضحةٍ ومسؤولة.
كما تحتاج إلى تأطيرٍ قانونيٍّ وتقنيٍّ يسمح لها بتحويل المطالب إلى مقترحات، والملاحظات إلى تقارير، والانزعاج العام إلى ضغطٍ مدنيٍّ منتج. ومن دون ذلك ستظل هذه الجبهات عرضةً للتفكك، وللاحتواء، ولإعادة الإدماج داخل نفس الدوائر التي يُفترض أنها جاءت لمراقبتها.
ومن هنا يمكن فهم كيف تنعكس هذه التحالفات على التنمية المحلية في بنسليمان.
فالتحالفات التي تُبنى على منطق النفوذ لا على منطق البرنامج تؤدي غالبًا إلى إضعاف القرار، وإلى إرجاء الملفات الثقيلة، وإلى توزيع الاهتمام بشكلٍ غير متوازن بين الأحياء والجماعات والمجالات.
وفي مثل هذا المناخ، تتقدم المصالح الخاصة على حاجات الساكنة، وتتأخر البنيات الأساسية، وتفقد المشاريع الاجتماعية جزءًا من معناها، لأن التنمية لا تُقاس بعدد التدشينات ولا بكثرة اللقاءات، بل بمدى قدرتها على إحداث تغييرٍ ملموسٍ في حياة الناس.
وعندما تتراجع العدالة المجالية، ويغيب التنسيق، وتُحتكر المبادرة داخل دوائر ضيقة، تصبح التنمية نفسها هشّةً ومجزأةً، بل ومهددةً بفقدان الثقة الشعبية التي هي شرط أي إصلاحٍ ناجح.
أما المجتمع المدني، فإنه بدوره لا ينجو من هذا المنطق إذا سمح لنفسه بأن يتحول إلى شبكةٍ من اللوبيات الخاضعة. فبعض مكوناته قد تنجذب إلى الدعم والتمويل والمنافع الرمزية، فتفقد استقلالها شيئًا فشيئًا، وتتحول من قوة اقتراحٍ ومراقبةٍ إلى طرفٍ داخل المعادلة السياسية. وعند هذه النقطة بالذات، تصبح المنظمات والجمعيات جزءًا من البنية التي تنتج الخلل بدل أن تكون أداةً لتصحيحه.
لذلك فإن استعادة المصداقية تقتضي القطع مع الواجهات المغشوشة، والعودة إلى الميدان، والتفرغ لقضايا الناس الحقيقية، وبناء ثقةٍ جديدةٍ مع الساكنة أساسها الشفافية والالتزام والاستمرارية.

إن التحديات التي تواجه الجبهات الموضوعاتية في بنسليمان ليست بسيطة، فهي تبدأ بضعف التنسيق، وتمرّ بتشتت الصفوف، ولا تنتهي عند قلة الموارد والإمكانات والتأطير. كما أن هيمنة الولاءات، وتغليب الاعتبارات الشخصية، والتداخل بين العمل الجمعوي والمصالح السياسية، كلها عوامل تجعل هذه الجبهات ضعيفة الأثر إذا لم تُحسن بناء نفسها من الداخل.
ومع ذلك، فإن وجود هذا الوعي النقدي المتنامي يشير إلى أن الباب لم يُغلق بعد أمام إمكان التغيير، شريطة أن يتجاوز الفاعلون المدنيون والسياسيون معًا منطق التبرير إلى منطق الإصلاح، ومنطق رد الفعل إلى منطق المبادرة، ومنطق التنافس الضيق إلى منطق المسؤولية الجماعية.
وخلاصة القول إن بنسليمان ليست مدينةً تنقصها المؤهلات، بل مدينةً تحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين مكوناتها، وإلى تحرير القرار المحلي من أثقال التحالفات المغلقة، وإلى استعادة المجتمع المدني لدوره الطبيعي كقوةٍ رقابيةٍ مستقلة، وإلى جبهاتٍ موضوعاتيةٍ قادرةٍ على الترافع الجاد لا على الضجيج العابر.
فالتنمية، في النهاية، لا تصنعها الشعارات، بل يصنعها وعيٌ جماعيٌّ حيٌّ، ومؤسساتٌ شفافة، ونخبٌ مسؤولة، ومجتمعٌ مدنيٌّ يراقب ويقترح ويحمي الصالح العام.
وبين هذا وذاك، تبقى بنسليمان في حاجةٍ إلى لحظة صدقٍ مع الذات، تُعيد ترتيب الأولويات، وتردّ الاعتبار للمدينة بوصفها مجالًا للعيش المشترك، لا ساحةً لتصفية التوازنات.
👇🏼الصورة لبطاقة بريدية لأيام زمان بنسليمان..



