كتاب البديل

عندما يتكلم الاتحاد الأوروبي عن “محاولات زرع بذور الفتنة والانقسام بداخله” !!

عندما يتكلم الاتحاد الأوروبي عن “محاولات زرع بذور الفتنة والانقسام بداخله” !!

نعم… هذا من أغرب ما سمعته شخصيا في هذه الأثناء، على لسان متحدثين باسم اتحاد ظل يتغنى بتناغمه وانسجامه وتكامُل مكوّناته، رغم نشوز المملكة المتحدة عنه فيما سمي ب”البريكسيت”، مؤشرةً بذلك على وَهَنِ ذلك الادعاء، وفاضحةً واقع التضارب القائم بين مصالح أعضاء الاتحاد أنفسهم، وخاصة الدول الأكثر تنطُّعاً، مثل إيطاليا وألمانيا وفرنسا، وكذلك بلجيكا باعتبارها المقرّ والمركز، رغم أن الأوروبيين اجتهدوا كثيراً في إخفاء ذلك، أو على الأقل، في منعه من الانفجار والافتضاح، وبالتالي مِن إحراق الأخضر واليابس في نسيج يبدو الآن أنه معرض كغيره من التكتلات المصلحية للارتباك والتّصَدُّع !!

الأغرب في هذه “الظاهرة الأوروبية الجديدة”، أن السبب فيما قيل عن “تعرض الاتحاد لمحاولات زرع الفتنة والانقسام في صفوفه”، ليس سوى عملية الاقتحام التي تعرضت لها مدينة سبتة المغربية المحتلة، ليتضح للعالم إلى أي حدّ تجثم هذه المدينة، ومعها شقيقتها مليلية، على عاتق الأوروبيين، وعلى ضمائرهم شبه النائمة، لأنهم يدركون تمام الإدراك أن هاتين المدينتين مغربيتان، وأنهما مستعمَرتان فيما يمكن اعتباره مِن بين “أواخر مخلّفات العهد الاستعماري البائد”، أسوةً بصخرة جبل طارق (بريطانيا)، وببعض الجزر المَنسية، أو المُتَناسِيَة، مثل جزر الفوكلاند (بريطانيا أيضاً)، وكاليدونيا، وغويانا (فرنسا)… والأهواز (إيران)…

نحن الآن أمام تصدّع حقيقي يتعرض له الاتحاد الأوروبي من الداخل، بسبب نوع من “الفِصام السياسي” أصاب هذا الاتحاد منذ زمن، بين مَن يراهنون على الاستقلال الوشيك لآخر مخلفات الاستعمار الإسباني بالشمال المغربي، وكذا لبعض مَعاقله الخفية في بعض البلدان الإفريقية التي ما زالت تدين بالتبعية بشكل أو بآخر لمستعمِريها السابقين، من جهة؛ ومَن يصرّون، من جهة ثانية، على إبقاء هذا الوضع على ما هو عليه، لأنهم يخشون هذا التصاعد الحثيث والقياسي في تطوّر بلدان إفريقيا الحرة، وفي طليعتها المملكة المغربية، التي صارت متفوّقة في بعض الصناعات والقطاعات التجارية والخدماتية على إسبانيا وفرنسا، بقدهما وقديدهما، حتى أصبحت المنتجات المغربية في مقدمة “السلع الثمينة والراقية” المعروضة في أسواق أوروبا وباقي دول العالم المتقدم !!

نهايته… ها نحن قد عشنا حتى رأينا كيف أنّ أحداثاً جانبيةً، مثل اختراق المغاربة لفضاءات مدينتهم المحتلة، “صارت مهدِّدَةً لوحدة الاتحاد الأوروبي”، الذي ظل يُمطِرنا منذ نشأته بادّعاء تَماسُكِه، وتَناسُق بِنياته الأساسية الداخلية، بينما حقيقته تقول إن أول أزمة قد تعترض سبيله يمكن أن تؤدّي به إلى الارتباك والهلهلة والتصدّع… وما شاهدناه في اجتماعاته الماراثونية طيلة هذه الفترة الأخيرة كفيل بجعلنا نعيد النظر في أمرين اثنين على الأقل:

الأول: مدى صدق الإسبان خاصةً، والأوروبيين عامةً، فيما يدّعونه من الحضور الأكيد لإرادة التشارك والتعاون معنا نحن المغاربة خاصةً، ومع أهل الجنوب المتوسطي عامة؛

والثاني: مدى صدقهم أيضاً، في ادعاء محاربة الاستعمار في صيغته القديمة، في الوقت الذي يُخْفون فيه رؤوسهم تحت التراب، كما يفعل طائر النعام، وهم يرون إسبانيا ترغي وتزبد وهي تكيل بمكيالين مُتنافِرَيْن، في طلبها إخلاء صخرة جبل طارق من لدن المحتل البريطاني، في نفس الوقت الذي تُصِرّ فيه على الاحتفاظ بمدينتَيْ سبتة ومليلية والجزر المغربية، في محاولاتٍ يائسةٍ لضمّها إلى جغرافيا الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، رغم الحقيقة المغربية والإفريقية لتلك المدينتين والجُزُر.. عجبي !!!
____________

محمد عزيز الوكيلي

إطار تربوي متقاعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى